مقالات وآراء

الزكاة بين العبادة والجباية 

عبدالمنعم على التوم

الزكاة ليست ضريبة، وليست موردًا ماليًا للدولة، وإنما هي قبل كل شيء عبادة من أجلِّ العبادات، وركن من أركان الإسلام الخمسة، شأنها شأن الصلاة والصيام والحج. ولذلك فإن الحديث عنها ينبغي أن يكون حديثًا يملؤه التعظيم للنص القرآني، والاحترام للعقل الذي دعا القرآن نفسه إلى إعماله.
لقد أكثر القرآن الكريم من دعوة الإنسان إلى التفكر والتدبر والنظر، لأن الوحي لم ينزل ليعطل العقول، وإنما نزل ليهديها ويرشدها. ومن هنا فإن إعادة قراءة النصوص المتعلقة بالزكاة ليست خروجًا على الدين، وإنما هي محاولة لفهمه في ضوء كتاب الله.
وأثناء تدبر آيات القرآن الكريم يبرز سؤال جدير بالتأمل: لماذا نجد في معظم الآيات التي وردت فيها الزكاة التعبير القرآني: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أو ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؟ إن الفعل المستعمل هو “آتوا”، أي أعطوا، ولم يرد في هذه الآيات خطاب بأخذها من الناس.
ثم تأتي سورة التوبة فتقول: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا…﴾، فتثور هنا مسألة علمية تستحق البحث: هل المراد بالصدقات في هذه الآية هو الزكاة الواجبة؟ أم أن للفظ الصدقة دلالة مستقلة في هذا الموضع؟ لقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المقصود بها الزكاة المفروضة، بينما رأى بعض الباحثين المعاصرين أن الآية تحتمل قراءة أخرى. وليس المقصود هنا ترجيح أحد الرأيين بقدر ما هو الدعوة إلى إعادة النظر في النص بتجرد، بعيدًا عن التقليد الأعمى.
ومن الأسئلة التي تستحق التأمل أيضًا: إذا كانت الزكاة عبادة تقوم على النية، وكان من شروطها بلوغ النصاب وحولان الحول، وهي أمور قد لا يعلمها إلا المزكي وربه، فما حدود دور الدولة في هذا المجال؟ هل يقتصر دورها على التنظيم وتيسير إيصال الأموال إلى مستحقيها؟ أم يمتد إلى الجباية والإلزام والعقوبات؟ إنها أسئلة فقهية وسياسية وإدارية تستحق نقاشًا هادئًا.
وفي السودان، أدى إنشاء ديوان الزكاة إلى انتقال جانب كبير من توزيع الزكاة من الأفراد والأسر إلى مؤسسة حكومية. وهنا يبرز سؤال آخر: هل عزز ذلك مقاصد الزكاة في التكافل الاجتماعي؟ أم أضعف دور الأسرة والقرابة، وأصبح الفقير القريب ينتظر مؤسسة حكومية بدلًا من أن يجد العون من أهله وأرحامه؟
كما يحق للمجتمع أن يتساءل عن حجم النفقات الإدارية لأي مؤسسة تجمع أموال الزكاة، وعن مدى الشفافية في إدارتها، لأن المقصد الأول للزكاة هو وصول المال إلى مستحقيه، وكلما زادت الكفاءة والشفافية اقتربت المؤسسة من تحقيق هذا المقصد.
إن هذا المقال لا يدعو إلى ترك الزكاة، ولا إلى التقليل من شأنها، بل يدعو إلى تعظيمها بإعادتها إلى مقاصدها الشرعية، وإلى فتح باب التدبر الذي دعا إليه القرآن الكريم، وإلى احترام حق المسلمين في أن يتساءلوا ويتأملوا ويبحثوا عن الحكمة، دون أن يُتهم كل سؤال بأنه خروج على الدين.
فالقرآن الكريم كتاب هداية، وقد خاطب الإنسان بوصفه كائنًا يعقل ويتدبر، وليس بوصفه تابعًا لا يسأل. ومن هنا فإن أي قضية تمس دين الناس وأموالهم ينبغي أن تكون مفتوحة للحوار العلمي الرصين، القائم على الدليل، واحترام النص، وإعمال العقل، وتحقيق مقاصد الشريعة في العدل والرحمة والتكافل .
وسوف نواصل الحوار و النقاش وفتح هذا الملف على مصراعيه حتى يتبين الخيط الابيض من الفجروالخروج من كهوف الجهل ، الظلم ،
الظلام ، الاظلام والانعتاق من عسق الليل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..