مقالات وآراء

من “متى نصير شعباً” إلى “كيف نُبنى شعباً”

د. علي عبدالله الخليفة طه

من “متى نصير شعباً” إلى “كيف نُبنى شعباً”
رد على الأستاذ زكريا علي عبدالرسول
قرأتُ مقال الأستاذ زكريا علي عبدالرسول “تفكيك أكذوبة الشعب السوداني” بتقدير حقيقي لجرأته التشخيصية، ولحرصه على تفكيك الخلط الشائع بين الدولة والأمة والشعب، وهو خلط مفاهيمي طالما أعاق التفكير السياسي السوداني الجاد. غير أن التشخيص، مهما بلغت دقته، يظل عملاً ناقصاً إن لم يُستكمل بسؤال الآلية: كيف يُبنى الشعب فعلياً؟ عبر أي مؤسسات؟ وبأي توزيع للسلطة والموارد والاعتراف؟ وهذا بالضبط هو الموضع الذي أرى فيه المقال يتوقف عند حدود التشخيص الفلسفي دون أن يعبر إلى العمارة المؤسسية اللازمة لتحويله إلى واقع.

أولاً: في صحة التمييز، وقصور توظيفه

التمييز الذي يطرحه الكاتب بين الدولة (كيان قانوني-سياسي) والأمة (رابطة وجدانية-تاريخية) والشعب (وعي وطني يسمو على الانتماءات الأولية دون إلغائها) تمييز سليم أكاديمياً، وهو تمييز نتفق معه تماماً في ميثاق النجاة وبناء الدولة. لكن المشكلة تبدأ حين يُستخدم هذا التمييز الصحيح ليخلص إلى وصفة قديمة بثوب جديد: “التعليم الموحّد، القانون الموحّد، اللغة الوطنية، بناء المؤسسات” على النمط الفرنسي والألماني والأمريكي. وهذه بالذات هي الوصفة الاندماجية (assimilationist) التي جربتها الدولة السودانية منذ الاستقلال، وفشلت، بل أنتجت كثيراً من حروبنا. فالمركز حين طرح “توحيداً” ثقافياً ولغوياً ودينياً واحداً بوصفه المسار الوحيد لصناعة “الشعب”، كان هذا ذاته أحد أسباب تمرد الأطراف، لا علاجاً لتفتتها. الكاتب يصف العرض بدقة، لكنه يعيد وصف الدواء الذي تسبب في تفاقم المرض.

ثانياً: الافتقار كأساس فلسفي بديل للوحدة الاندماجية

نحن نطرح في الميثاق مفهوم “الافتقار” كأساس فلسفي مغاير: الشعب لا يُبنى بإذابة الخصوصيات في وجدان مركزي واحد، بل بالاعتراف المتبادل بأن كل جماعة ( قبلية أو جهوية أو إثنية أو ثقافية) ناقصة الاكتفاء بذاتها، ومحتاجة بنيوياً إلى الأخريات لتحقيق كينونتها السياسية والاقتصادية والأمنية الكاملة. هذا هو الفارق الجوهري بين نموذجين: نموذج “الانصهار القسري” الذي يفترض أن الوحدة تعني تراجع الخصوصيات لصالح هوية جامعة مفروضة من فوق، ونموذج “الافتقار المتبادل” الذي يبني الوحدة من خلال بنية تعترف بالتعدد وتنظمه سياسياً بدل أن تحاول محوه. الكاتب يقترب من هذه الفكرة حين يقول إن “القبيلة لا تختفي، والثقافة لا تذوب، لكنها تصبح دوائر أصغر داخل دائرة وطنية أكبر” لكنه لا يخبرنا كيف تُصان هذه الدوائر الأصغر مؤسسياً من أن تُسحق داخل الدائرة الأكبر، وهذا بالضبط ما وقعت فيه تجربة الدولة السودانية طوال ستين عاماً.

ثالثاً: من “متى” إلى “كيف” – الركيزة الرابعة كجواب مؤسسي

الميثاق يجيب على هذا السؤال عبر “الركيزة الرابعة”: تمثيل إقليمي وازن وتوافق مرجّح (weighted consensus) يضمن أن القرار الوطني لا يُتخذ بمنطق الأغلبية العددية البسيطة التي تكرّس هيمنة المركز التاريخي، بل بآلية تراكمية تشترط توافقاً حقيقياً بين الأقاليم قبل نفاذ القرارات المصيرية. هذا ليس شعاراً بل بنية تصويت وتمثيل قابلة للتقنين الدستوري. وبالمثل، فإن “التأسيس الوظيفي التصاعدي للشرعية” يعني أن الشرعية السياسية لا تُمنح مرة واحدة من قمة السلطة، بل تُبنى تصاعدياً من وحدات محلية فعلية إلى مستويات أعلى، بحيث يشعر كل مكوّن أنه شارك في صناعة الكيان الأكبر لا أنه أُلحق به.

رابعاً: العدالة الانتقالية كطريق للوجدان المشترك، لا كملحق أخلاقي

حين يدعو الكاتب إلى “مصالحة تاريخية صادقة”، فإن هذه العبارة، رغم صدقها ، تبقى نداءً أخلاقياً ما لم تُترجَم إلى آلية. الميثاق يطرح هنا بنية ثلاثية المستوى: مجالس مصالحة محلية تعالج الجراح المباشرة بين المجتمعات المتجاورة، ولجنة حقيقة وتعويض تؤسس سردية وطنية موثقة بدل السرديات المتصارعة التي يشكو منها الكاتب في مقاله نفسه، ودائرة قضائية للجرائم الكبرى تكسر حلقة الإفلات من العقاب التي غذّت العودة الدائمة إلى الهويات الأولية كملاذ للحماية من دولة لم تنصف أحداً. الكاتب محق أن الحرب “كشفت” الانقسامات ولم “تُنشئها”، لكن استمرار الانقسام بعد الحرب لن يُعالَج بخطاب وطني جديد، بل بمؤسسة عدالة يثق فيها من نهبتهم الدولة ومن هُمّشوا على يدها.

خامساً: من يبني الوجدان؟ سؤال الفاعل الغائب

أهم غياب في مقال الأستاذ زكريا هو غياب الفاعل: من الذي سيبني “المدرسة والجامعة والإعلام” التي يتحدث عنها؟ إن كان الجواب هو الدولة المركزية ذاتها التي فشلت في هذه المهمة طوال ستة عقود، فنحن نكرر الخطأ بأدوات جديدة. الميثاق يطرح “النفير” كآلية تعبئة شعبية من القاعدة، بحيث لا يكون بناء الوجدان الوطني مشروعاً حكومياً فوقياً بل فعلاً مجتمعياً متعدد المصادر، تشارك فيه المجتمعات المحلية والمهنية والأهلية في صياغة السردية الوطنية بدل أن تتلقاها جاهزة من فوق.
خلاصة
مقال الأستاذ زكريا يستحق أن يُقرأ لأنه يطرح السؤال الصحيح بجرأة نادرة: هل “الشعب السوداني” حقيقة قائمة أم مشروع مؤجل؟ لكن الإجابة عن هذا السؤال لا تكتمل بالدوران حول الفارق بين الأمة والدولة والشعب، بل بتصميم الآليات التي تحوّل التعدد من مصدر تنازع إلى مصدر تلاحم: تمثيل متوازن، وعدالة انتقالية بنيوية، وشرعية تصاعدية، وتعبئة شعبية من القاعدة. الشعب لا يُصنع بقرار، هذا صحيح. لكنه أيضاً لا يُصنع بخطاب. إنه يُصنع بمؤسسات محددة الاسم، محددة الصلاحية، قابلة للمساءلة. وهذا بالضبط ما يطرحه ميثاق النجاة وبناء الدولة كإجابة عملية على سؤال الأستاذ زكريا المشروع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..