مقالات وآراء

من خطاب الأستاذ محمود إلى عميد معهد بخت الرضا.. إلى نهضة كوريا الجنوبية: التعليم يصنع المستقبل

حسن عبد الرضي

أرسل إليَّ الدكتور علي الزير سردًا باذخًا عن تجربة كوريا الجنوبية في بناء الإنسان، فظللت أقرأه لا بوصفه قصة نجاح اقتصادي فحسب، وإنما باعتباره شهادة تاريخية على حقيقة ظل الأستاذ محمود محمد طه ينادي بها قبل أن تصبح اليوم من أبجديات علوم التنمية الحديثة: أن أعظم ما تملكه الأمة ليس ما تحت الأرض، وإنما ما فوقها؛ ليس الذهب ولا النفط ولا المصانع، وإنما الإنسان نفسه. وهنا، بالضبط، يلتقي السرد الذي نقله الدكتور علي الزير عن التجربة الكورية مع الخطاب الشهير الذي كتبه الأستاذ محمود محمد طه إلى عميد معهد بخت الرضا عن التعليم.
فالفرق بين أمة تنهض وأمة تتعثر، في جوهره، ليس دائمًا فرقًا في الموارد، وإنما فرقٌ في نظرتها إلى الإنسان. كوريا الجنوبية، الخارجة من حرب مدمرة عام ١٩٥٣، لم تكن يومها الدولة التي نعرفها اليوم. كانت بلادًا مهدمة، فقيرة، مثقلة بالجراح، قليلة الموارد، تعتمد إلى حد كبير على المساعدات الخارجية. لم تكن تملك نفطًا يملأ خزائنها، ولا ذهبًا يفيض من باطن أرضها، ولا مساحات زراعية شاسعة تستطيع أن تجعل منها قوة اقتصادية كبرى. لكنها امتلكت شيئًا أهم من كل ذلك. امتلكت رؤية. سألت سؤالًا يبدو بسيطًا، لكنه كان في الحقيقة سؤالًا غيّر مصير شعب كامل: إذا لم نملك الموارد الكافية، فما المورد الذي لا يزال بين أيدينا؟ وكانت الإجابة: الإنسان.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ مشروع طويل النفس لبناء ما يسمى اليوم بـ رأس المال البشري. لم تنظر الدولة إلى المواطن باعتباره مجرد مستهلك ينتظر الخدمات، وإنما باعتباره أصلًا استثماريًا، يمكن أن تزيد قيمته بالعلم والصحة والتغذية والتربية، ويمكن أن تهدر قيمته بالإهمال والجهل والمرض والفقر. وكان المنطق واضحًا: لا تبنِ المصنع أولًا، ثم تبحث عن الإنسان الذي يديره.
ابنِ الإنسان أولًا، وهو الذي سيبني المصنع.
وهذه، في تقديري، هي النقطة التي تجعل قصة كوريا الجنوبية تتجاوز الاقتصاد إلى الفلسفة.
فالمصنع يمكن استيراده.
والآلة يمكن شراؤها.
والتقنية يمكن نقلها.
أما العقل الذي يبتكر ويطور ويكتشف ويصنع، فلا يمكن استيراده جاهزًا.
ذلك العقل لا بد من بنائه.
وهنا تتجلى عبقرية التجربة الكورية في أنها لم تتعامل مع التعليم باعتباره قطاعًا منفصلًا عن بقية حياة الإنسان. لم تقل: نبني مدرسة ثم انتهى الأمر. وإنما نظرت إلى الإنسان باعتباره منظومة متكاملة. تغذية سليمة. صحة جيدة. طفولة آمنة. بيئة صحية. تعليم جيد. معلم محترم.
انضباط. أسرة تشارك في التربية. ثم اقتصاد يستثمر في هذا الإنسان، فيعود الإنسان فيستثمر في الاقتصاد، فتدخل الدولة في دائرة من التغذية الراجعة الإيجابية؛ كل جيل يرفع من جودة الجيل الذي يليه. وهكذا يصبح الاستثمار في الطفل استثمارًا في الرجل الذي سيكونه، وفي الأسرة التي سيبنيها، وفي الأبناء الذين سينجبهم، وفي المجتمع الذي سيشارك في صنعه. إنك، حين تستثمر في طفل اليوم، لا تستثمر في طفل واحد. أنت تستثمر في مستقبل أمة كاملة. ولعل هذا هو المعنى العميق الذي يجعلنا نستعيد اليوم خطاب الأستاذ محمود محمد طه إلى عميد معهد بخت الرضا عن التعليم. فالأستاذ محمود لم يكن ينظر إلى التعليم باعتباره مجرد تلقين للطالب مجموعة من المعلومات التي يحتاجها للنجاح في امتحان أو الحصول على وظيفة. كان يرى التعليم في أفق أوسع بكثير: تكوين الإنسان الذي يستطيع أن يعيش في عالم جديد، وأن يفكر، وأن يميز، وأن يتحمل مسؤولية الحرية.
وهنا تكمن المسافة الهائلة بين التعليم الذي يصنع موظفًا، والتعليم الذي يصنع إنسانًا.
الأول يسأل: ماذا يعرف الطالب؟ أما الثاني فيسأل: أي إنسان سيصبح هذا الطالب؟ وهذا السؤال الأخير هو السؤال الذي يبدو أن كوريا الجنوبية قد أجابت عنه عمليًا، قبل أن يصبح مصطلح هندسة رأس المال البشري من المصطلحات الرائجة في أدبيات التنمية.
لقد فهم الكوريون أن بناء الإنسان لا يبدأ عند باب المدرسة فقط. يبدأ قبل ذلك. يبدأ من صحة الأم. ومن غذاء الطفل. ومن الوقاية من المرض. ومن البيئة التي ينشأ فيها. ثم ينتقل إلى المدرسة، إلى المعلم، إلى المنهج، إلى الانضباط، إلى احترام المعرفة. فالطفل الذي يعاني سوء التغذية والمرض والفقر والحرمان، لا يمكن أن نطالبه بأن ينمو بكامل طاقته العقلية لمجرد أننا وضعنا أمامه كتابًا مدرسيًا. ولهذا فإن التعليم، في الفلسفة الحقيقية، ليس كتابًا يوضع أمام طفل. التعليم هو أن تهيئ للإنسان شروط أن يكون إنسانًا كامل القدرة على التعلم. وهذا، في تقديري، هو أحد المفاتيح التي تجعل خطاب الأستاذ محمود محمد طه إلى عميد بخت الرضا حاضرًا اليوم، لا باعتباره وثيقة من الماضي، وإنما باعتباره رؤية تتجدد كلما اكتشف العالم أن التعليم هو القضية الأولى في بناء الأمم. لقد كانت بخت الرضا نفسها، في تاريخ السودان، محاولة جادة للخروج بالتعليم من ضيق التلقين إلى رحابة التربية. لكن المأساة أن السودان، في مراحل لاحقة، لم يواصل السير في الاتجاه الذي كان يمكن أن يجعل من التعليم مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان، بل ظل التعليم يتعرض للتسييس والإهمال والتدهور، حتى صار كثير من أطفالنا يدفعون ثمن أخطاء لم يرتكبوها.
وهنا يصبح السؤال السوداني أكثر إلحاحًا: لماذا استطاعت كوريا الجنوبية أن تبني الإنسان، بينما عجز السودان عن حماية الإنسان الذي يملك كل مقومات النهوض؟
السودان ليس بلدًا فقير الموارد. بل إن مشكلته الكبرى ربما كانت، وما تزال، في أنه لم يحسن النظر إلى الإنسان باعتباره أعظم موارده.
لدينا الأرض. ولدينا المياه. ولدينا الثروة الحيوانية. ولدينا المعادن. ولدينا موقع جغرافي بالغ الأهمية. ولدينا تنوع ثقافي وإنساني هائل. لكن كل هذه الموارد يمكن أن تتحول إلى لعنة إذا لم يوجد الإنسان القادر على إدارتها إدارة رشيدة. إن الثروة التي لا يديرها عقل رشيد قد تتحول إلى سبب للصراع. والأرض التي لا يحميها الوعي قد تصبح مسرحًا للحرب. والذهب الذي لا تحكمه دولة راشدة قد يغذي الفساد. والنفط الذي لا تصاحبه مؤسسات قد يصبح وقودًا للدمار. أما الإنسان المتعلم، الواعي، الحر، الصحيح، القادر على التفكير، فهو المورد الذي يستطيع أن يحول كل مورد آخر إلى قيمة. من هنا نفهم لماذا كان الأستاذ محمود محمد طه يضع الإنسان في قلب مشروعه الفكري. فالإنسان عند الأستاذ محمود ليس مجرد تابع للسلطة، ولا مجرد رقم في سجلات الدولة، ولا مجرد يد عاملة تبحث عن أجر. الإنسان غاية. وكل مشروع لا يرتفع بالإنسان، ولا يوسع حريته، ولا ينمي عقله، ولا يصون كرامته، ولا يتيح له أن يحقق إنسانيته، هو مشروع ناقص مهما بلغت ضخامته. ولذلك فإن القضية ليست أن ننسخ التجربة الكورية كما هي. ليست القضية أن نبني كوريا أخرى في السودان. القضية أن نتعلم منطق التجربة: أن الأمم لا تُبنى بالصدفة. وأن الإنسان لا يصبح قويًا بالخطابات. وأن التعليم لا يصلح بالقرارات الموسمية. وأن بناء المستقبل يحتاج إلى دولة تنظر إلى أبعد من دورة انتخابية، وأبعد من عمر الحاكم، وأبعد من مصالح الحزب، وأبعد من الحسابات الضيقة.
كوريا بنت مشروعًا قد لا يرى أصحابه ثماره كاملة.
وهنا تكمن عظمة الفكرة.
أن تزرع شجرة وأنت تعرف أن ظلها سيكون لأطفال لم يولدوا بعد. أن تنفق على طفل اليوم، وأنت تعرف أن العائد الحقيقي قد يظهر بعد عشرين أو ثلاثين عامًا.
أن تحسن تعليم المعلم، وأنت تعرف أن ثمرة هذا التعليم ستظهر في أجيال لن تراها عيناك.
هذه هي عقلية الدولة التي تفكر في الأجيال، لا الدولة التي تفكر في الحكم. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه في السودان. إننا لا نحتاج إلى أن نسأل فقط: كم مدرسة بنينا؟
بل ينبغي أن نسأل: كم إنسانًا بنينا؟ كم عقلًا حررنا؟ كم طفلًا أنقذنا من الجهل؟ كم معلمًا أعدنا إليه كرامته؟ كم موهبة اكتشفناها؟ كم عقلًا منعناه من الهجرة؟ كم شابًا منحناه فرصة ليصنع شيئًا بدلًا من أن تمنحه الحرب بندقية؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع الأمم.
ولعل أعظم ما في رؤية الأستاذ محمود محمد طه أنها لم تكن رؤية للتعليم باعتباره وسيلة للحصول على وظيفة، وإنما باعتباره طريقًا إلى تحرير الإنسان. والإنسان الحر هو وحده القادر على أن يبني دولة حرة. والإنسان الواعي هو وحده القادر على أن يحمي الديمقراطية. والإنسان المتعلم هو وحده القادر على أن يميز بين الحقيقة والوهم. والإنسان الذي تربى على المسؤولية هو وحده القادر على أن يجعل من السلطة خدمة عامة، لا غنيمة. لهذا فإن معركة التعليم في السودان ليست معركة وزارة. وليست معركة مدارس. وليست معركة امتحانات. إنها معركة وجود. فإما أن نبني الإنسان، فنملك مفتاح المستقبل. وإما أن نهمل الإنسان، ثم نظل نتساءل، كل صباح، لماذا لا تنهض البلاد رغم كثرة مواردها.
إن كوريا الجنوبية تقول لنا، من خلال تجربتها، إن الإنسان يمكن أن يكون أعظم مشروع قومي.
ويقول لنا الأستاذ محمود محمد طه، من خلال فكره ورؤيته للتعليم، إن الإنسان هو كذلك أعظم قيمة أخلاقية. وبين المعنى الاقتصادي والمعنى الأخلاقي تكتمل الصورة.
كوريا تقول: استثمروا في الإنسان لأنه رأس مالكم الأكبر. والأستاذ محمود يقول، في جوهر مشروعه: ارفعوا الإنسان لأنه غاية التنمية وموضوعها. وبين القولين تلتقي الحقيقة الكبرى: لا نهضة بلا إنسان.
ومن المؤسف أن بعض الدول تنفق المليارات على السلاح، ثم تبخل على المدرسة. وتبني القصور، ثم تهدم عقل الطفل. وتشتري أحدث التقنيات، ثم تترك المعلم بلا كرامة. وتتحدث عن المستقبل، بينما تهمل الإنسان الذي سيصنع ذلك المستقبل. إنها مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فالأمم التي تبني الإنسان، تبني كل شيء. والأمم التي تهدم الإنسان، تهدم كل شيء، ولو بدا أنها تبني.
ولذلك، فإن الرسالة الأهم التي يمكن أن نخرج بها من سرد الدكتور علي الزير عن كوريا الجنوبية، ومن خطاب الأستاذ محمود محمد طه إلى بخت الرضا، هي أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، وإنما يبدأ من الإنسان. ابدأ بالطفل. أطعمه. احمه من المرض.
علّمه. احترم معلمه. حرر عقله. علّمه أن يسأل. درّبه على التفكير. افتح أمامه أبواب المعرفة. امنحه الحرية والمسؤولية. ثم اتركه يكبر. بعد عشرين عامًا ستجد طبيبًا. ومهندسًا.
ومعلمًا. ومزارعًا يعرف كيف يزرع. ومديرًا يعرف كيف يدير. ومواطنًا يعرف كيف يحاسب السلطة. وبعد خمسين عامًا ستجد وطنًا مختلفًا. هذه هي الهندسة الحقيقية. ليست هندسة الجسور وحدها. ولا هندسة المصانع. ولا هندسة المدن. إنها هندسة الإنسان. ولذلك، ربما كان أعظم قرار يمكن أن يتخذه السودان اليوم ليس أن يختار أي مشروع اقتصادي يبدأ به، وإنما أن يقرر أولًا: أي إنسان نريد أن نصنع؟ فإذا أجبنا عن هذا السؤال بصدق، عرفنا أي تعليم نريد، وأي دولة نريد، وأي اقتصاد نريد، وأي مستقبل نريد. أما إذا ظل الإنسان في آخر قائمة الأولويات، فلا تنفعنا كثرة الموارد، ولا وفرة الأموال، ولا كثرة الشعارات.
لقد أثبتت كوريا الجنوبية أن أمة مدمرة يمكن أن تنهض إذا أحسنت بناء الإنسان.
وأثبت الأستاذ محمود محمد طه، قبل ذلك بوقت طويل، أن التعليم لا ينبغي أن يكون مصنعًا لحفظ المعلومات، وإنما ينبغي أن يكون طريقًا إلى إنسان جديد، حر، واعٍ، قادر على أن ينهض بنفسه وبمجتمعه.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن أعظم الأعمال ليست دائمًا تلك التي ترى نتائجها بعينيك. فقد تبني مدرسة ولا ترى أول خريجيها. وقد تربي طفلًا ولا ترى الرجل الذي سيصبحه. وقد تزرع فكرة ولا تشهد اليوم الذي تتحول فيه إلى واقع. لكن هذا لا يجعل العمل أقل قيمة. بل يجعله أعظم. فالأمم العظيمة هي التي يعمل بعض أبنائها من أجل مستقبل لن يعيشوا فيه، حتى يعيش فيه أبناؤهم بكرامة. وهذا هو الدرس.
أن نبني اليوم، ولو كان حصادنا غدًا. وأن نعلم اليوم، ولو كان الثمر بعد عقود. وأن نستثمر في الإنسان، حتى لو لم نشهد بأعيننا كامل عائد الاستثمار. فالأوطان لا يبنيها الذين يسألون: ماذا سنحصد نحن؟ وإنما يبنيها الذين يسألون: ماذا سيحصد الذين سيأتون بعدنا؟ وهنا، تحديدًا، يبدأ الفرق بين أمة تفكر في السلطة، وأمة تفكر في المستقبل. وبين دولة تدير الحاضر، ودولة تبني الإنسان الذي سيصنع المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..