مقالات وآراء

بيت يتسع لوطن

م. معاوية ماجد

لم أذهب إلى بيت الدكتور الواثق لأكتب مقالا. ذهبت لألبي دعوة كريمة. لكنني غادرت وأنا أحمل نصا ظل يكتب نفسه في ذاكرتي، قبل أن أكتبه على الورق.
ثمة بيوت تدخلها فتشعر أنك زائر، وبيوت أخرى تدخلها فتشعر أنك عدت إلى شيء كنت تفتقده. كان بيت الدكتور الواثق كمير، في ضاحية المعادي بجنوب القاهرة، من النوع الثاني. لم يكن الاتساع في الجدران، بل في الروح التي تسكن المكان، وفي تلك القدرة النادرة على أن يجتمع تحت سقف واحد ما فرقت بينه السياسة سنوات طويلة.
ما إن يعبر الزائر باب المنزل حتى يستقبله ممر هادئ ينتهي إلى صالة استقبال، كأنها المقدمة الطبيعية لما ينتظره في الداخل. على الجدران لوحات ومنحوتات اختيرت بعناية، لا لتملأ الفراغ، بل لتعلن منذ اللحظة الأولى أن الجمال هنا جزء من الحوار، وأن الذائقة ليست ترفا منفصلا عن الفكر. الإضاءة المسلطة على كل لوحة بدت وكأنها لا تضيء الأعمال الفنية فحسب، بل ترحب بالقادمين في حالة سودانية خالصة، حيث يمتزج الدفء الإنساني بالثقافة، وتسبق الألفة كل حديث.
إلى الجانب الشمالي من وقفة الداخل يمتد سلم ينحدر إلى مستوى أدنى من المنزل. لم أره مجرد حل معماري، بل بدا لي وكأنه استعارة كاملة؛ دعوة هادئة إلى مغادرة علو الذات، والنزول نحو الآخرين. هناك، تتسع صالة رحبة، لا بجدرانها، وإنما بما تختزنه من ذاكرة. صور ووثائق تستعيد محطات من سيرة الدكتور الواثق، وصحبته للدكتور جون قرنق، فلا تبدو مجرد مقتنيات معلقة، بل شواهد على مرحلة كاملة من تاريخ السودان، ما تزال تلقي بظلالها على الحاضر.
وفي الركن الأبعد من المجلس، حيث يهدأ الضجيج وتخف الحركة، ينتصب مقعد يبدو كأنه اختار صاحبه قبل أن يختاره صاحبه. أمامه حاسوب محمول، ومصباح تنحني قامته في رفق، كأنه يميل ليهمس بفكرة جديدة، وكوب ماء بارد لا يكاد يغيب عن المكان، يؤدي مهمة صامتة؛ يخفف حرارة الأفكار وهي تتزاحم، ويمنح صاحبها هدنة قصيرة بين خبر عاجل وآخر. وعلى الطاولة تستريح علبة سيجار، يخرج منها سيجار يشعله الدكتور الواثق بين حين وآخر، فتتصاعد دوائر الدخان في الهواء، لا كأثر عابر، وإنما كأنها تحمل توتر اللحظة، ونظرة مسافرة إلى مستقبل يحكي عنه ما أكثر مما تقوله الكلمات.
غير أن البيوت، مهما بلغت أناقتها، لا تكتسب قيمتها من الجدران، وإنما ممن يجلسون إليها. وما إن أخذ كل منا مكانه، حتى بدأ المكان يتراجع قليلا إلى الخلف، ليترك المشهد لشيء أكبر من الأثاث واللوحات والذكريات.
ولم يكن دفء المكان وحده ما يلفت الانتباه، بل دفء الاستقبال أيضا. فمنذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن الدكتور الواثق لم يكتف بأن يفتح بيته لضيوفه، وإنما حرص أن يفتح لهم قلبه كذلك. كان قد أوصى القائمين على خدمتنا بأن يحيطوا المجلس بعناية لا تنقطع؛ فما إن يمضي وقت يسير، حتى يعود أحدهم في هدوء وأدب، يسأل إن كنا نرغب في مزيد من القهوة أو الشاي أو العصائر، أو يقدم صنفا آخر من المأكولات، وكأن الضيافة هنا لا تؤدى بوصفها واجبا، بل تعاش بوصفها ثقافة.
وفي كل مرة كنا نظن أن المائدة قد قالت كلمتها الأخيرة، كانت تعود لتذكرنا بأن الكرم السوداني لا يعرف كلمة “يكفي”. لم يكن ذلك إلحاحا يثقل الضيف، بل اهتماما رقيقا يسبقه إلى حاجته، حتى ليخيل إليك أن المضيف لا يطمئن إلا إذا اطمأن ضيفه.
عندها أدركت أن أجمل ما في الكرم ليس وفرة ما يقدم، وإنما الرسالة التي يحملها. فالبيت الذي يتسع للناس على مائدته، يسهل عليه أن يتسع لهم في الحوار أيضا. ولعل هذا ما جعلني أرى الضيافة، في تلك الأمسية، امتدادا طبيعيا لشخصية الدكتور الواثق؛ فكما كان سخيا في الإصغاء، كان سخيا في الضيافة، وكما اتسع مجلسه للأفكار، اتسعت مائدته لأصحابها. وهناك، بدا لي أن تفاصيل الاستقبال لم تكن سوى ترجمة صامتة لعنوان المقال كله: بيت يتسع لوطن.
كان من بين الحاضرين أيضا الأستاذ ربعي سراج، مقدم “السودان بودكاست”. وقد جاء وهو يحمل دعوة للدكتور الواثق لتسجيل حلقة جديدة في البرنامج، غير أن الحديث سرعان ما تجاوز حدود الترتيب لذلك اللقاء، واتسع إلى سؤال أكبر: كيف يمكن تحويل التجارب السودانية، بكل تعقيداتها، إلى ذاكرة حية تحفظها الأجيال؟

دار حديث شيق عن “السودان بودكاست”، وعن أهمية أن تتحول التجارب السياسية والثقافية إلى شهادات موثقة، لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تكشف الإنسان الكامن خلفها. وتناول النقاش أسماء شخصيات تستحق أن تروى قصصها، لا لأنها كانت في قلب الحدث فحسب، بل لأنها تساعد على فهمه. وحدثنا ربعي عن حلقات سجلها مع الأديبة زينب بليل، والمخرج أمجد أبو العلا، وغيرهما، كما تبادلنا الرأي حول شخصيات أخرى تستحق أن تجد مكانها في هذا الأرشيف الحي، لأن التاريخ لا تصنعه الوقائع وحدها، بل تصنعه أيضا أصوات الذين عاشوها.
استوقفتني تلك الفكرة كثيرا. فالأوطان لا تبنى بالسياسة وحدها، وإنما تبنى أيضا بالذاكرة. وحين تضيع الذاكرة، يصبح التاريخ عرضة لأن يكتبه آخر من بقي واقفا، لا من عرف الحقيقة. وربما لهذا السبب بدا لي أن ما يفعله ربعي، ومن يسيرون في هذا الدرب، يتجاوز حدود العمل الإعلامي إلى مسؤولية وطنية؛ فتوثيق الذاكرة ليس انشغالا بالماضي، بقدر ما هو استثمار في المستقبل.
بعد ذلك، عاد الحديث، على سجيته السودانية الجميلة، يتنقل بين السياسة والأدب، وبين الذكريات والقفشات، ثم يعود، من تلقاء نفسه، إلى السودان؛ ذلك الضيف الذي لم يكن يجلس على أحد المقاعد، لكنه كان الأكثر حضورا في المجلس. جمعتني تلك الأمسية بالدكتور الواثق كمير، والدكتور المحبوب عبدالسلام. رجلان جاء كل منهما من طريق مختلف، وحمل كل منهما تجربة فكرية وسياسية لا تشبه الأخرى، لكن الحرب التي مزقت السودان بدت وكأنها أعادت ترتيب الأسئلة أمام الجميع. لم يعد السؤال: من كان أكثر صوابا؟ بل: كيف يمكن لوطن بهذا القدر من الجراح أن يجد طريقه إلى المستقبل؟
من يعرف الدكتور الواثق من خلال كتبه أو مشاركاته العامة، يعرف باحثا انشغل طويلا بقضايا السلام والدولة والتحولات السياسية. أما في مجلسه، فتكتشف وجها آخر للرجل؛ هدوء لا يخلو من الدعابة، وإنصاتا لا يقل حضورا عن الكلام.
لم يكن الدكتور الواثق هادئا بالمعنى الذي يلتبس بالمسالمة. فهو هادئ في نبرته، لكنه صريح في موقفه، وحاد في نقده حين يقتضي الأمر، ولا يتردد في مهاجمة الأفكار التي يراها مضرة بالبلاد. يجمع بين إنصات الباحث ووضوح صاحب الرأي، فلا يحتمي بالغموض، ولا يرفع صوته ليقنع الآخرين. ولذلك لم يكن حديثه عن السودان حديث رجل يحن إلى الماضي، ولا حديث رجل استسلم للحاضر، وإنما حديث من لا يزال يؤمن أن هذا البلد، رغم كل ما أصابه، يستحق أن يُفكر فيه بعقل لا يغلبه الانفعال.
وخلال الجلسة اقترح أحدنا أن نلتقط صورة جماعية توثق تلك الأمسية. وقفنا جميعا، لكن المصور بدا مصمما على أن يبحث عن الزاوية المثالية. انتقل من مكان إلى آخر، وطلب منا الانتظار أكثر من مرة، حتى طال الأمر. وما إن التقط الصورة أخيرا، حتى علق الدكتور الواثق، بابتسامته الساخرة التي لا تخطئها العين:
“دي صورة… ولا حلة كوارع؟”
انفجر المجلس ضاحكا.
لم تكن الجملة مجرد قفشة سودانية عابرة، وإنما كانت نافذة صغيرة على شخصية الرجل. ففي لحظة مثقلة بأحاديث الحرب والسياسة والمستقبل، استطاع أن يرد المجلس إلى بساطته الإنسانية، وأن يذكرنا بأن خفة الروح ليست نقيضا لعمق الفكر، بل قد تكون أحد شروطه.
أما الدكتور المحبوب عبد السلام، فقد بدا لي ممثلا لتجربة مختلفة. فالرجل الذي خرج من قلب الحركة الإسلامية، لم يخرج منها ناقما، وإنما خرج حاملا أسئلة ثقيلة. والمراجعة، في تقديري، ليست أن يغير الإنسان موقعه، وإنما أن يمتلك الشجاعة الكافية لإعادة النظر في يقين كان جزءا من تكوينه الفكري.
في حديثه لم أجد رغبة في تصفية الحساب مع الماضي، بقدر ما وجدت رغبة في فهمه. وكان ذلك، في نظري، أكثر قيمة من كثير من الخطابات التي تكتفي بإدانة ما مضى أو تمجيده. فالأمم لا تتقدم لأنها تنسى أخطاءها، وإنما لأنها تتعلم منها.
أكثر ما شد انتباهي في تلك الأمسية، لم يكن اتفاق الرجلين، ولا اختلافهما. فقد بدا لي أن كليهما، رغم اختلاف المنطلقات، قد تجاوز المرحلة التي يعتقد فيها أن خلاص السودان يمكن أن يأتي على يد تيار واحد، أو فكرة واحدة، أو زعيم واحد. كانت الحرب، بكل مآسيها، قد فرضت على الجميع قدرا من التواضع الفكري لم يكن متاحا في سنوات الاستقطاب الحاد.
وأنا أصغي إليهما، كنت أشعر أنني لا أستمع إلى شخصين فقط، بل إلى تجربتين طويلتين، قطعتا مسافات مختلفة، ثم التقيتا، ولو جزئيا، عند السؤال نفسه: كيف أخفق السودان، بكل ما يملكه من تنوع إنساني وثقافي، في أن يصنع دولة تتسع لجميع أبنائه؟
غير أنني، وأنا أتابع الحوار، كنت أحمل سؤالي الخاص.
لم أكن مشغولا بإصدار الأحكام على التجارب، ولا بإعلان انتصار فكرة على أخرى. كنت منشغلا بشيء أعمق من ذلك. فمنذ سنوات، وأنا أزداد اقتناعا بأن أزمة السودان ليست في قلة المبادرات، ولا في ندرة العقول، ولا حتى في تضارب النوايا، وإنما في الطريقة التي نفكر بها في السياسة نفسها.
لقد انشغلنا، لعقود طويلة، بالسؤال: من يحكم؟
لكننا لم نتوقف طويلا أمام سؤال أكثر أهمية: كيف نبني دولة تجعل الحكم نفسه أقل كلفة على الوطن، وأكثر خضوعا للمؤسسات، وأقل ارتباطا بالأشخاص؟
ذلك، في تقديري، هو السؤال الذي أهملناه جميعا.
فكل مشروع سياسي جاء وهو يعتقد أنه يحمل الإجابة النهائية. وحين اصطدم بالواقع، لم يراجع أدواته، وإنما اتهم الواقع بأنه لم يفهمه. وهكذا ظل السودان يدور في الحلقة نفسها؛ تتغير الشعارات، وتتبدل الوجوه، لكن طريقة التفكير بقيت، في جوهرها، كما هي.
كنت أنظر إلى الدكتور الواثق، فأرى خبرة رجل عايش محاولات السلام، وعرف تعقيدات الدولة، وأدرك أن السياسة ليست مجرد مواقف، وإنما فن إدارة الواقع قبل إدارة الأحلام.
وأنظر إلى الدكتور المحبوب، فأرى شجاعة رجل لم يخش مراجعة أفكاره، ولم يعتبر الاعتراف بالمراجعة هزيمة، بل علامة على أن الفكر الحي هو الذي يملك القدرة على مساءلة نفسه.
وفي داخلي، كنت أزداد يقينا بأن السودان يحتاج اليوم إلى خطوة أخرى؛ لا تلغي التجارب السابقة، ولا تبدأ من الصفر، وإنما تبني عليها جميعا، بعد أن تتعلم من نجاحاتها وإخفاقاتها.

تعليق واحد

  1. تتمة المقال:

    إن الأوطان لا تتقدم حين تنتصر مدرسة فكرية على أخرى، وإنما حين يصبح الوطن نفسه أكبر من المدارس جميعا.

    ولعل الحرب، على قسوتها، وضعتنا أمام حقيقة لم يعد ممكنا الهروب منها؛ وهي أن أيا من القوى السودانية، منفردة، لم يعد قادرا على ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، أو احتكار المستقبل.

    وإذا كان في تلك المأساة معنى يمكن أن نتعلمه، فهو أن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج خصوماته القديمة، وإنما إلى إعادة إنتاج طريقته في التفكير.

    طوال سنوات، ظللت أؤمن بأن الانتقال من نقد الواقع إلى صناعة المستقبل لا يبدأ بتبديل الحكومات، وإنما بتبديل المنهج الذي ننظر به إلى السياسة والدولة والمجتمع. فالأفكار التي لا تراجع نفسها، تتحول مع الزمن إلى سجون، مهما كانت نوايا أصحابها نبيلة.

    لهذا خرجت من تلك الأمسية أكثر اقتناعا بأن الحوار، حين يتحرر من الرغبة في الانتصار، يصبح قادرا على أن ينتج شيئا أثمن من الاتفاق؛ يصبح قادرا على إنتاج الفهم.

    وربما كان ذلك هو أجمل ما حملته معي من بيت الدكتور الواثق.

    لم أحمل إجابات جاهزة، ولم أغادر وأنا أظن أن الطريق قد أصبح واضحا. خرجت وفي ذهني يقين واحد: أن السودان لن يعبر إلى غده إذا ظل كل تيار منشغلا بإثبات أنه كان على حق، أكثر من انشغاله بالسؤال: ماذا يحتاج الوطن الآن؟

    وعندما هممت بالمغادرة، التفت إلى البيت مرة أخيرة.

    لم يعد مجرد منزل في ضاحية المعادي، ولا مجرد مكان احتضن لقاء جميلا. أصبح، في ذهني، رمزا لفكرة أكبر؛ أن الوطن الذي نحلم به ليس هو الذي تتشابه فيه الأصوات، وإنما الذي تجد فيه الأصوات المختلفة مكانا تتحاور فيه باحترام، وتختلف فيه بلا خصومة، وتلتقي فيه على ما هو أكبر من الجميع.

    ولعل الوطن، في نهاية المطاف، يجب أن يكون الفكرة الكبرى التي تنتظم كل الأفكار، والبيت الواسع الذي يجد فيه الجميع مكانا يليق بهم.

    وربما لهذا السبب غادرت بيت الدكتور الواثق وأنا أشعر أن تلك الأمسية لم تكن مجرد حوار بين رجال ينظرون إلى السودان من زوايا مختلفة، بل كانت، في جوهرها، محاولة هادئة لحماية ذاكرته من النسيان. فالأوطان التي تفقد ذاكرتها، لا تخسر ماضيها فحسب، وإنما تضطر، في كثير من الأحيان، إلى إعادة دفع ثمن أخطائها.

    لهذا ظل عنوان تلك الأمسية يرافقني طوال الطريق:

    بيت يتسع لوطن.

    ولعل الأوطان، في نهاية الأمر، لا تبدأ من الخرائط، ولا من الدساتير، ولا من خطابات الساسة. إنها تبدأ من بيوت كهذا البيت؛ تُفتح أبوابها للحوار، وتتسع صدورها للاختلاف، ويغادرها الناس وهم يحملون أسئلة أكثر مما حملوا من أجوبة… لأن الأسئلة الصادقة، في كثير من الأحيان، هي البداية الوحيدة الممكنة لكل وطن يبحث عن مستقبله.

    م. معاوية ماجد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..