مقالات وآراء

إلى متى يستمر ليل الميدان؟ دلالات السيطرة على بارا وأم سيالخ ومعضلة السلام المؤجل

محمد صالح محمد

مقدمة: جغرافيا الدم… وحكاية البندقية التي لا تطعم ناصداً
تتواتر البيانات العسكرية وتتسارع وتيرة النبض الميداني في السودان لتعلن تباعاً عن سقوط مناطق ومدن واسترجاع أخرى؛ فاليوم يُقال بحماس العسكر وبيانات غرف العمليات: “حررنا بارا، وحررنا أم سياله” وغيرها من مناطق شمال كردفان، وغداً تتردد أصداء العناوين ذاتها لتشمل مناطق أخرى مثل أو غيرها من القرى والمدن التي تحولت إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار العاجلة.
لكن، خلف ضجيج المدافع وغبار المعارك يقف سؤال استراتيجي ووجودي يثقل كاهل الواقع: ثم ماذا بعد؟ وهل التغيير الخريطي السريع والسيطرة على رقعة هنا وهناك كفيلان بحسم صراع وُلد من رحم أزمة بنوية عميقة؟ أم أن الحرب في جوهرها ونتائجها قد تجاوزت الميدان العسكري لتصطدم بصخرة واحدة لا مفر منها: آمال المواطن البسيط في السلام؟
أولاً: دلالات الميدان المتحرك… السيطرة لا تعني الحسم
إن قراءة العقلية العسكرية والسياسية للأطراف المتقاتلة تكشف عن ظاهرة لفتت انتباه المحللين، وهي الاعتماد على استراتيجية “الكر والفر” وإحراز انتصارات تكتيكية سريعة لرفع الروح المعنوية وإثبات الحضور. السيطرة على مدن استراتيجية مثل بارا أو محاور مثل أم سياله وصولاً إلى المناطق المجاورة مثل جبرة الشيخ وأم قرفه، تحمل بلا شك دلالات عسكرية تتعلق بتأمين خطوط الإمداد، وإعادة تمركز القوات، وتوسيع طوق الحماية.
غير أن التحليل السياسي المحض يؤكد مراراً وتكراراً أن السيطرة الجغرافية في حروب المدن والحروب الأهلية لا تعني بالضرورة الحسم النهائي. تاريخ الصراعات المعاصرة مليء بالأمثلة حيث تستنزف الجيوش والفصائل قواها في معارك السيطرة على الجغرافيا بينما تتبخر الشرعية السياسية والاجتماعية على الأرض. إن تكرار سيناريو “اليوم حررنا وغداً سنحرر” يخلق حالة من “الاستنزاف الدائري”، حيث يتحول النصر العسكري إلى عبء إداري واقتصادي وأمني في ظل غياب رؤية سياسية لإدارة ما بعد المعركة.
ثانياً: وهم الحسم العسكري.. قراءة في مآلات الصراع
تُخطئ أطراف النزاع إذا ما ظنت أن الحرب يمكن أن تُحسم بضربة قاضية أو بفرض أمر واقع عسكري بالكامل. فالسودان، بتعقيداته الديموغرافية، وتداخلاته القبلية، ومساحته الشاسعة ليس ساحة يمكن حسمها بمعادلة “غالِب ومغلوب”.
الجانب العسكري البحت: ينتج دماراً شاملاً وبنية تحتية منهارة، ويخلق بيئة خصبة لنمو التطرف وتغذية النعرات الجهوية.
الجانب السياسي: يظل غائباً أو مغيباً لصالح لغة السلاح، حيث يتم إفشال أي مسار تفاوضي تحت ذريعة “تغيير موازين القوى على الأرض”.
إن المراهنة على الحسم العسكري المطلق هي مراهنة على سراب؛ فكلما طال أمد المعارك وكلما سقطت مدينة أو قرية جديدة كلما تباعدت الشقة بين الفرقاء، وأصبح الوصول إلى تسوية سياسية شاملة أشبه بالمستحيل.
ثالثاً: المواطن البسيط.. الضحية الدائمة والباحث الأوحد عن السلام
بعيداً عن البيانات العسكرية، والخطابات الحماسية، والتحليلات الاستراتيجية الصماء، يكمن الجوهر الحقيقي للأزمة: المواطن البسيط.
هذا المواطن الذي لا يعنيه كثيراً من رفع العلم في بارا أو من تقدم في أم سياله وغيرهامن المدن بقدر ما يعنيه:
متى يتوقف صوت الرصاص؟
كيف يؤمن لقمة عيش أطفاله في ظل انعدام سبل الحياة؟
ومتى يعود إلى بيته الذي هُجر منه قسراً؟
لقد تحولت آمال المواطن البسيط في السلام إلى أمنية بعيدة المدى يتم قمعها باستمرار على مائدة الحسابات العسكرية الضيقة. إن استمرار الحرب يعني مزيداً من النزوح، والفقر، والمرض، وتمزيق النسيج الاجتماعي الذي استطاع السودانيون الحفاظ عليه لعقود طويلة. إن السلام ليس مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار أو هدنة هشة، بل هو مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للإنسان السوداني وكرامته.
أين المخرج؟
إن معادلة “ثم ماذا بعد؟” تفرض على الجميع – قوى سياسية، وعسكرية، ومدنية – وقفة جادة مع الذات. إن التمترس خلف خيار الحسم العسكري لن يورث إلا رماداً، والانتصارات التكتيكية في بارا وأم سياله وغيرها من المدن والقرى لن تمنح شرعية لأي طرف إن لم تقترن بمشروع حقيقي لوقف نزيف الدم.
آن الأوان لإعلاء صوت العقل، وتقديم تنازلات مؤلمة حقناً للدماء، وإدراك أن السلام هو النصر الوحيد الممكن في هذه الحرب التي خسر فيها الجميع، وأن آمال المواطن البسيط في العيش بسلام وأمان يجب أن تكون هي البوصلة الوحيدة التي توجه خطى السياسيين والعسكريين على حد سواء.

تعليق واحد

  1. إلى متى يستمر ليل الميدان؟ دلالات السيطرة على بارا وأم سياله ومعضلة السلام المؤجل

    هذا هو العنوان الصحيح خطأ إملائي من الكيبورد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..