مقالات وآراء

الشخصية التي حكمت السودان.. ولم تترشح يومًا

م. معاوية ماجد

حين اختارت المؤرخة الفرنسية لور كاتسارو أن تكتب عن المثقفين والعزاب والعاهرات في فرنسا القرن التاسع عشر، لم يكن هدفها أن تؤرخ لحياة شخصيات هامشية، ولا أن تقدم دفاعًا أخلاقيًا عن أنماط من العيش أثارت كثيرًا من الجدل في زمانها. كان سؤالها أعمق من ذلك بكثير. فقد انطلقت من فرضية تقول إن التاريخ لا تصنعه المؤسسات وحدها، ولا الملوك ولا الحكومات ولا الثورات فحسب، وإنما تصنعه أيضًا الشخصيات الاجتماعية التي تنشأ على هامش المجتمع، ثم تتحول، ببطء ومن دون أن يشعر أحد، إلى قوة تعيد تشكيل الأفكار والقيم والصورة التي يرى بها الناس أنفسهم والعالم من حولهم.
ولعل أجمل ما في هذا الطرح أنه يحررنا من عادة قديمة في قراءة التاريخ، وهي اختزاله في أسماء الأشخاص وتعاقب الحكام. فكم من حاكم مر على دولة ثم غادرها، بينما بقيت الشخصية الفكرية التي يمثلها حاضرة بعد رحيله، تنتقل من جيل إلى آخر، ومن حزب إلى آخر، ومن نظام إلى آخر، حتى ليبدو وكأن الأشخاص يتغيرون بينما تظل البنية العميقة التي تحكم سلوكهم ثابتة لا تكاد تتبدل.

هذه الفكرة دفعتني إلى التفكير في السودان، لا بوصفه سلسلة من الانقلابات أو الحكومات أو الاتفاقيات التي انتهت جميعها إلى الطريق المسدود نفسه، وإنما بوصفه تجربة سياسية يمكن قراءتها من زاوية مختلفة. فربما أخطأنا، طوال عقود، حين ظللنا نبحث عن المسؤول في الأشخاص، بينما كان المسؤول الحقيقي يختبئ في الشخصية التي يعيد أولئك الأشخاص إنتاجها، مهما اختلفت أسماؤهم، أو انتماءاتهم، أو الشعارات التي رفعوها.
منذ الاستقلال، تعاقبت على السودان حكومات مدنية وأنظمة عسكرية، وصعدت أحزاب تقليدية وحركات أيديولوجية وتنظيمات مسلحة، وامتلأت الساحة السياسية بخطابات متناقضة؛ هذا يتحدث باسم الدين، وذاك باسم الديمقراطية، وثالث باسم الثورة، ورابع باسم الهامش، حتى بدا للمراقب أن البلاد عاشت تجارب متعددة لا يجمع بينها شيء. غير أن التأمل الهادئ يكشف مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فبرغم اختلاف الرايات، كانت النهايات تتشابه على نحو يثير الدهشة، وكأن الجميع كان يسير، من حيث يدري أو لا يدري، وفق المنطق ذاته.
وهنا يبرز سؤال أراه أكثر أهمية من سؤال: من حكم السودان؟ وهو: ما الشخصية التي حكمت السودان؟

قد يبدو السؤال غريبًا لأول وهلة، لأننا اعتدنا أن ننسب السلطة إلى أفراد أو أحزاب أو مؤسسات. لكن التجربة السودانية توحي بأن السلطة كثيرًا ما كانت مجرد الواجهة، أما ما كان يتحكم في مسارها فعلًا فهو نمط ذهني أعمق، ظل حاضرًا في معظم المنعطفات التاريخية، حتى عندما تبدلت الوجوه والبرامج والمرجعيات.

فهل كانت الشخصية التي حكمت السودان هي شخصية العسكري الذي يرى في القوة الطريق الأقصر إلى الاستقرار؟ أم شخصية السياسي الذي لا يرى في الدولة إلا غنيمة انتخابية؟ أم رجل الدين الذي يخلط بين المقدس والعمل السياسي؟ أم زعيم القبيلة الذي يقرأ الوطن من حدود جماعته؟ أم المثقف الذي يتوهم أنه الوصي على المستقبل؟

قد تبدو كل هذه الإجابات صحيحة إذا نظرنا إلى مرحلة بعينها، لكنها تعجز عن تفسير الصورة الكاملة. فكل واحدة منها تفسر جزءًا من الأزمة، لكنها لا تفسر لماذا أعادت البلاد إنتاج الأزمة نفسها كلما انتقلت السلطة من يد إلى أخرى، ولماذا انتهت مشاريع متعارضة فكريًا إلى نتائج تكاد تكون متطابقة في مآلاتها.
ولذلك، ربما يكون الوقت قد حان للبحث عن الشخصية التي كانت تقف خلف الجميع، لا باعتبارها فردًا، وإنما باعتبارها بنية ذهنية تسكن الأفراد، وتمنحهم الطريقة نفسها في النظر إلى السلطة والوطن والآخر. وربما عند هذه النقطة فقط، يصبح من الممكن أن نفهم لماذا ظل السودان يدور في الحلقة نفسها، حتى وهو يبدل حكامه، ويغير شعاراته، ويكتب دساتير جديدة، ويخوض ثورات جديدة. إذا كان من السهل تحميل الجنرالات مسؤولية ما انتهى إليه السودان، فإن ذلك لا يفسر لماذا تكررت الأزمة نفسها في الفترات التي غاب فيها العسكر عن الحكم. وإذا بدا مغريًا إلقاء اللوم على الأحزاب السياسية، فإن هذا لا يجيب عن السؤال نفسه: لماذا تصرفت أحزاب تختلف في مرجعياتها الأيديولوجية، وفي قواعدها الاجتماعية، وفي شعاراتها، بطرائق متقاربة عندما اقتربت من السلطة؟ وحتى حين يُعزى الفشل إلى الإسلام السياسي، أو إلى اليسار، أو إلى الطائفية، أو إلى الحركات المسلحة، يبقى شيء ما عصيًا على التفسير؛ إذ كيف انتهت مشاريع متناقضة في أفكارها إلى إنتاج الدولة نفسها، بأدوات مختلفة ولغة مختلفة؟
ذلك لأننا، في تقديري، انشغلنا طويلًا بقراءة اللافتات، ولم نلتفت إلى العقل الذي كان يحملها. فقد تعاملنا مع كل تجربة سياسية باعتبارها بداية جديدة، بينما كانت تحمل في داخلها البذور نفسها التي حملتها التجارب السابقة. تغيرت الشعارات، وتبدلت المفردات، وتغيرت أسماء الخصوم، لكن العلاقة بالسلطة بقيت تكاد تكون واحدة، والعلاقة بالمجتمع لم تختلف كثيرًا، بل حتى العلاقة بالحقيقة نفسها ظلت أسيرة المنطق ذاته.

ذلك المنطق يقوم على افتراض بسيط، لكنه بالغ الخطورة؛ وهو أن الحقيقة لا بد أن تكون ملكًا لطرف واحد، وأن هذا الطرف، متى امتلكها، أصبح من حقه أن يحتكر قيادة الدولة والمجتمع، وأن ينظر إلى مخالفيه لا بوصفهم شركاء في الوطن، بل عقبات ينبغي تجاوزها أو خصومًا ينبغي إقصاؤهم. ومن هنا تبدأ المأساة، لأن السياسة تتوقف عن كونها فنًا لإدارة الاختلاف، وتتحول إلى معركة لإلغاء الاختلاف.
عند هذه النقطة، لا يعود مهمًا كثيرًا اسم الأيديولوجيا التي يتحدث بها هذا العقل. فقد يرتدي عباءة الدين، فيدعي احتكار التفسير الصحيح للإسلام، ومن ثم احتكار حقه في إدارة الدولة. وقد يرتدي عباءة الوطنية، فيصور نفسه الحارس الوحيد للوطن، ويجعل كل معارض مشروعًا للخيانة. وقد يتحدث بلغة الثورة، فيمنح نفسه حق تعريف الثورة، ثم يبدأ في استبعاد كل من لا يطابق تعريفه. وقد يتحدث باسم الديمقراطية، لكنه لا يقبل بها إلا إذا جاءت بنتائج ترضيه. إن الوجوه تتغير، أما البنية الذهنية فتبقى كما هي.

ولهذا أعتقد أن الشخصية التي حكمت السودان، ولم تترشح يومًا، ليست العسكري، ولا الإسلامي، ولا الطائفي، ولا اليساري، ولا زعيم القبيلة. إنها شخصية المحتكر؛ ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يتصور وطنًا لا يكون هو مركزه، ولا حقيقة لا يكون هو مالكها، ولا مستقبلًا يشارك في صنعه آخرون يختلفون معه.

وشخصية المحتكر لا تُقاس بانتمائها الحزبي، وإنما بطريقة تفكيرها. فهي ترى التعدد ضعفًا، والتسوية هزيمة، والتوافق تنازلًا، والنقد مؤامرة، والمعارضة خطرًا ينبغي التخلص منه. ولذلك فإنها، حين تصل إلى السلطة، لا تنشغل ببناء مؤسسات قادرة على الاستمرار، بقدر ما تنشغل ببناء منظومة تضمن استمرارها هي. وحين تغادر السلطة، تترك وراءها دولة منهكة، لأن كل ما بُني كان مرتبطًا بوجودها، لا بوجود الوطن.
وربما لهذا السبب لم يكن السودان ينتقل، في كثير من الأحيان، من مشروع وطني إلى مشروع وطني آخر، وإنما كان ينتقل من احتكار إلى احتكار، ومن يقين مغلق إلى يقين آخر أكثر انغلاقًا. كان الناس يظنون أنهم يغيّرون النظام، بينما كانت الشخصية الحاكمة للنظام تعبر بهدوء من مرحلة إلى أخرى، وتعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة، حتى أصبح التاريخ السياسي السوداني يبدو، في كثير من لحظاته، وكأنه رواية تتغير فيها أسماء الأبطال، بينما يبقى الكاتب واحدًا. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بوجود هذه الشخصية، وإنما بكيفية تشكلها. فالشخصيات السياسية لا تهبط من السماء، ولا تنشأ بمعزل عن التاريخ، بل هي حصيلة تراكم طويل من الأفكار والمؤسسات والتجارب التي تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل. وإذا أردنا أن نفهم لماذا استطاعت شخصية المحتكر أن تصبح الفاعل الأكثر حضورًا في الحياة السياسية السودانية، فعلينا أن نعود إلى اللحظة التي بدأ فيها السودانيون يتعاملون مع الدولة، لا باعتبارها عقدًا بين مواطنين متساوين، وإنما باعتبارها غنيمة ينبغي الفوز بها قبل أن يفوز بها الآخرون.
لقد وُلدت الدولة السودانية الحديثة وهي تحمل تناقضات عميقة لم تُحسم يومًا. فمنذ الاستقلال، لم يتفق السودانيون على سؤال الدولة قبل أن ينشغلوا بالسؤال المتعلق بالسلطة. لم يُحسم معنى المواطنة، ولا طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، ولا شكل توزيع السلطة والثروة، ولا الكيفية التي يمكن بها إدارة التنوع الهائل الذي يميز السودان. وحين تغيب القواعد التي يتفق عليها الجميع، يصبح الصراع على السلطة صراعًا على تعريف الدولة نفسها، لا على إدارتها فقط.
في مثل هذه البيئات، لا يعود الوصول إلى الحكم مجرد انتقال سلمي للمسؤولية، وإنما يتحول إلى معركة وجودية. فالطرف الذي يصل إلى السلطة يشعر بأنه لا يدير الدولة، بل يعيد تأسيسها وفق صورته الخاصة، والطرف الذي يغادرها لا يرى في خروجه خسارة انتخابية، بل انهيارًا للمشروع الذي يؤمن به. وهكذا تتآكل المسافة بين الدولة والحزب، وبين الوطن والجماعة، وبين المؤسسات والأشخاص، حتى يصبح سقوط السلطة، في نظر أصحابها، سقوطًا للوطن نفسه.
ومن هنا بدأت شخصية المحتكر تجد بيئتها الطبيعية. فهي لا تعيش في الدول التي تمتلك مؤسسات راسخة بقدر ما تعيش في الدول التي لم تحسم بعد قواعد اللعبة السياسية. وكلما ضعفت المؤسسات، ازداد الإغراء بالاعتماد على الأفراد. وكلما تراجع القانون، تقدم الولاء. وكلما غابت الثقة بين المكونات الوطنية، ارتفع صوت من يعد الناس بأنه وحده القادر على إنقاذ البلاد. وفي كل مرة، كان المجتمع يصفق للمخلّص الجديد، غير مدرك أنه يفسح الطريق، مرة أخرى، للشخصية نفسها.
ولعل أخطر ما في هذه الشخصية أنها لا ترى نفسها محتكرة أصلًا. فهي تؤمن، بصدق كامل أحيانًا، بأنها تتحرك دفاعًا عن الوطن أو الدين أو الثورة أو الشعب. وهذا ما يجعلها أكثر خطورة من المستبد التقليدي؛ لأن المستبد يعرف، في كثير من الأحيان، أنه يدافع عن سلطته، أما المحتكر فيتوهم أنه يدافع عن الحقيقة ذاتها. ولذلك يصبح أي اعتراض عليه اعتراضًا على الوطن، وأي نقد له نقدًا للمقدسات التي يرفعها، وأي اختلاف معه دليلًا على الجهل أو الخيانة أو سوء النية.
وليس من الصعب أن نعثر على هذه الشخصية في محطات مختلفة من التاريخ السوداني. سنجدها عند من اعتقد أن الديمقراطية مجرد وسيلة توصله إلى السلطة، فإذا وصل إليها أغلق الباب خلفه. وسنجدها عند من حمل السلاح بدعوى تحرير الهامش، ثم لم يحتمل وجود رأي آخر داخل الهامش نفسه. وسنجدها عند من رفع شعار الشريعة، ثم تعامل مع الدولة وكأنها ملك خاص لجماعته. وسنجدها أيضًا عند من تحدث باسم الحداثة أو المدنية، لكنه لم يتردد في نزع الوطنية عن كل من خالفه. إن اختلاف المرجعيات لا يلغي التشابه في البنية النفسية، لأن الاحتكار، في جوهره، لا ينتمي إلى أيديولوجيا بعينها، بل يستطيع أن يسكن أي أيديولوجيا، إذا فقدت تواضعها الفكري.

وهنا، في تقديري، تكمن المأساة الحقيقية للسودان. فالتاريخ السياسي للبلاد لم يكن سلسلة من الصراعات بين أفكار متنافسة بقدر ما كان سلسلة من الاحتكارات المتعاقبة. كانت كل مرحلة تعلن أنها جاءت لإنهاء احتكار المرحلة السابقة، لكنها ما تلبث أن تبني احتكارها الخاص، حتى إذا انهارت، ورثها احتكار جديد، وهكذا ظل السودان يدور في دائرة مغلقة، تتغير فيها الوجوه، بينما يبقى المنطق الذي يحكمها ثابتًا.

لهذا السبب، ربما نكون قد أخطأنا حين اعتقدنا أن مشكلتنا تكمن في اختيار الحكام، بينما كانت المشكلة الأعمق تكمن في الشخصية التي نصنع بها الحاكم، ثم نعيد صناعته مرة بعد أخرى. فالحاكم، في نهاية المطاف، ليس إلا التعبير الأكثر وضوحًا عن الثقافة السياسية التي أنتجته، وإذا بقيت هذه الثقافة على حالها، فإن تغيير الأشخاص لن يكون أكثر من تبديل للممثلين، بينما يظل النص نفسه يُعاد عرضه على المسرح، جيلاً بعد جيل. إذا صح هذا التشخيص، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: من يجب أن يحكم السودان؟ وإنما: أي عقل ينبغي ألا يحكم السودان مرة أخرى؟ فالأمم لا تتقدم لأنها عثرت على قائد استثنائي، وإنما لأنها بنت قواعد تجعل حتى القائد العادي عاجزًا عن احتكار الدولة أو اختزالها في شخصه أو جماعته. وما يميز الدول المستقرة ليس أنها خلت من الطامحين إلى السلطة، بل أنها أقامت من المؤسسات والثقافة السياسية ما يجعل الطموح الشخصي خاضعًا لحدود المصلحة العامة.
ولعل هذا هو الدرس الذي لم يتعلمه السودان بعد. فقد انشغلنا، في كل منعطف تاريخي، بالبحث عن البديل، ولم ننشغل بما يكفي ببناء البيئة التي تمنع أي بديل من التحول إلى محتكر جديد. كنا نستبدل الأشخاص، لكننا نترك الثقافة السياسية التي أنجبتهم على حالها؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن تتكرر المأساة بأسماء مختلفة، وأن يتحول ضحايا الأمس، في بعض الأحيان، إلى ممارسي السلوك نفسه عندما امتلكوا القوة.

إن شخصية المحتكر لا تهزمها أيديولوجيا مضادة، لأن الاحتكار قادر على ارتداء أي أيديولوجيا. ولا يهزمها انقلاب على انقلاب، لأن الانقلاب، مهما كانت شعاراته، يظل ابنًا لفكرة ترى أن الخلاص يأتي من إرادة فئة واحدة. ولا تهزمها انتخابات وحدها، إذا كانت القوى المشاركة فيها ما تزال تؤمن، في أعماقها، بأن الفوز يمنحها حق احتكار الوطن. إن المعركة الحقيقية ليست بين اليمين واليسار، ولا بين المدني والعسكري، ولا بين المركز والهامش، بل بين ثقافتين سياسيتين؛ ثقافة ترى الدولة ملكًا لمن يصل إليها، وثقافة ترى الدولة أمانة لا يملكها أحد.
ولذلك، فإن المستقبل الذي يحتاجه السودان ليس مستقبلًا تنتصر فيه جماعة على أخرى، وإنما مستقبل تنتصر فيه فكرة على عادة راسخة في التفكير. الفكرة هي أن الوطن أكبر من أي حزب، وأوسع من أي عقيدة سياسية، وأبقى من أي قائد، وأن الحقيقة في المجال العام لا يملكها أحد كاملة، بل تتكون بالحوار، وتتطور بالنقد، وتحتمي بالمؤسسات، لا بالأشخاص. وما لم يتحول هذا الفهم إلى جزء من الوعي السياسي السوداني، فإن البلاد ستظل تنتقل من أزمة إلى أخرى، حتى وإن تبدلت الدساتير، وتعاقبت الحكومات، وارتفعت شعارات جديدة.
وربما لهذا السبب، فإن التحدي الأكبر الذي ينتظر السودان بعد الحرب لن يكون إعادة بناء الجسور والطرق والمباني، على أهميتها، بل إعادة بناء العقل السياسي نفسه. فإعمار المدن مهمة هندسية، أما إعمار السياسة فهو مهمة ثقافية وأخلاقية وفكرية تبدأ من الاعتراف بأن الوطن لا يمكن أن يقوم على فكرة الامتلاك، وإنما على فكرة المشاركة. وكل مشروع وطني لا ينطلق من هذه الحقيقة، سيجد نفسه، عاجلًا أو آجلًا، يعيد إنتاج الحلقة التي يدّعي أنه جاء لكسرها.
وهنا أعود إلى السؤال الذي أثارته لور كاتسارو، وإن كان في سياق مختلف تمامًا. فإذا كانت قد قرأت تاريخ فرنسا الحديث من خلال شخصيات اجتماعية بدت، لأول وهلة، بعيدة عن مركز السلطة، فإن التجربة السودانية تدعونا إلى قراءة تاريخنا من خلال الشخصية التي انتقلت، في صمت، بين الحكومات والأحزاب والانقلابات والثورات، حتى أصبحت الفاعل الأكثر حضورًا، والأقل ظهورًا في الوقت نفسه.
تلك الشخصية لم تظهر في بطاقة اقتراع، ولم تؤسس حزبًا واحدًا بعينه، ولم ترتدِ زيًا سياسيًا ثابتًا. كانت، في كل مرة، تغير اسمها وشعارها وحلفاءها، لكنها تحتفظ بجوهرها: الاعتقاد بأن الوطن لا يتسع إلا لها، وأن الحقيقة لا يحق لأحد أن ينازعها فيها.
وربما لهذا كله، فإن الشخصية التي حكمت السودان… لم تترشح يومًا.

‫2 تعليقات

  1. أصدق ما قيل في توصيف الفجيعة الوطنية عبر ما مر به الوطن ، ليت أصحاب الرأي الحر يتولون التعقيب علي هذا الطرح العميق . لله درك يا معاوية.

    1. شكرا جزيلا على كلماتك الكريمة. ما أسعدني في تعليقك أنك تجاوزت الإشادة بالنص إلى جوهر الفكرة نفسها؛ فالمقال لم يكن محاولة لإدانة أشخاص بقدر ما كان محاولة لفهم آليات حكم أوصلت السودان إلى ما وصل إليه. وأتمنى، كما تفضلت، أن يفتح هذا الطرح بابا لحوار جاد يشارك فيه أصحاب الرأي والفكر، لأن الأوطان لا تخرج من أزماتها إلا بالنقاش الحر والشجاع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..