
قراءة نقدية في بنية الخطاب السياسي السوداني المعاصر
على ضوء رد الأستاذ الفاتح محمد على الأستاذ محمد ضياء الدين
ورقة علمية أعدها: أحمد بطران عبد القادر
ملخص
تنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن خطاب العزلة الموجه للحزب الشيوعي السوداني عند كل منعطف بنيوي لا يمثل توصيفاً سوسيولوجياً لواقع الحزب وإنما يشكل أداة خطابية إيديولوجية وظيفتها إعادة إنتاج هيمنة خطاب التسوية على حساب الوضوح البرنامجي للقوى الجذرية
وتجادل الورقة عبر المنهج الجدلي المادي بأن معيار العزلة لا يمكن اختزاله في مقياس نخبوي إجرائي يقوم على عدد التحالفات بل يجب قياسه بمعيار أنطولوجي يتمثل في درجة تجذر القوة السياسية في البنى الاجتماعية المنتجة والكادحة في كافة ضروب الحياة
كما تعيد الورقة قراءة موقفي الحزب من
١/ لجنة إزالة التمكين
٢/ منطق التحالفات في ضوء تجربة الدولة السودانية ما بعد 2019م وتخلص إلى الدراسة الي أن الجذرية ليست نقيضاً للوحدة بل هي شرطها الموضوعي التاريخي
المقدمة: إشكالية الورقة وتأطيرها النظري
واجه الحزب الشيوعي السوداني في الفترة الماضية نقد مكثف بشكل غير طبيعي وقد تكرر في الحقل السياسي السوداني عند كل أزمة بنيوية نداء موجه للحزب الشيوعي السوداني بعنوان تجنب العزلة أيها الحزب العريق..!
ويُقدم هذا النداء في الغالب بوصفه نصيحة موضوعية من تيارا يساري تقدمية بدافع الحرص على وحدة قوى الثورة
لكن هذه الورقة تطرح سؤالاً إبستمولوجياً جوهرياً مستندة في رؤاها إلى مفهوم الصراع حول المعنى عند بيير بورديو والسؤال المنطقي هل العزلة ظاهرة موضوعية قابلة للقياس الكمي؟ أم هي بناء خطابي يهدف إلى فرض تعريف معين للشرعية السياسية وإعادة إنتاج توازن قوى محدد داخل الحقل السياسي؟
وبالتالي يهدف البحث إلى تفكيك بنية خطاب العزلة عبر تحليل حالة نموذجية تتمثل في مداخلة محمد ضياء الدين وهو رجل مناضل له كسبه العلمي ورصيد النضالي المشهود ومقاربتها بموقف الحزب الشيوعي الراسخ و المعلن والممارس عمليا في المشهد السياسي العام
في إطار سؤال أكبر هو ما هي شروط بناء مشروع وطني ديمقراطي في ظل دولة ما بعد الاستعمار؟ أو دولة ما بعد الثورة
المحور الأول تفكيك مفهوم العزلة من المعيار النخبوي البراغماتي إلى المعيار الجماهيري البنيوي
ينطلق الخطاب السائد من مسلمة براغماتية مفادها أن العزلة تساوي قلة التحالفات مع القوى السياسية الأخرى أو عدم التوافق مع الغالبية من اللافتات الحزبية
وهو معيار إجرائي يقيس الفاعلية السياسية بعدد التوقيعات في الاتفاقات أو التحالفات والقرب من مراكز صناعة القرار
ويتقاطع هذا المنطق مع ما أسماه غرامشي سياسة الكواليس التي تفصل النخبة عن قواعدها الجماهيرية المنتجة والمؤثرة والتي يعول عليها في التغيير أو هي صاحبة المصلحة فيه
في المقابل تتبنى هذه الورقة معياراً جدلياً مادياً مستنداً إلى مفهوم الكتلة التاريخية عند غرامشي وهي ان العزلة هي انفصال القوة السياسية عن كتلتها الاجتماعية الموضوعية وعن مثقفيها العضويين (بمعني أوضح تبني منهج المساومة بدلا عن المواجهة )
وبناءً عليه فإن حضور الحزب في أوساط العمال والمهنيين والمزارعين وبناء الوعي من داخل الصراع اليومي حول الخبز والأجر والحريات والحقوق هو نقيض العزلة حتى وإن كان هنالك اختلاف مع بعض النخب السياسية الداعمة لحركة التغيير بمنهجها البراغماتي
فالمعيار هنا ليس القرب من السلطة بل القرب من مجتمعات الجماهير المنتجين أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير تغييرا جذريا
الأطروحة ليست العزلة في الاختلاف مع قوى سياسية أخرى بل في فقدان الصلة الجدلية بالجماهير المنتجة وبتناقضاتها الملموسة
المحور الثاني دراسة حالة موقف الحزب الشيوعي السوداني من لجنة إزالة التمكين كنموذج للموقف الجدلي
يتم تقديم موقف الحزب من اللجنة في الخطاب النقدي بوصفه غامضاً أو متردداً
وتجادل الورقة بأن الموقف كان على العكس موقفاً جدلياً يقوم على وحدة الأضداد وفق منطق هيجل ماركس
أطروحة المبدأ تأييد قيام اللجنة كأداة ضرورية ولحظة ثورية لتفكيك بنية نظام 30 يونيو 1989 باعتباره نظاماً شمولياً مستبدا أعاد إنتاج الدولة لصالح طبقة طفيلية
نقيض الأداة نقد شكل اللجنة الإداري واشتراط سيادة حكم القانون وعدم تحويلها لأداة انتقائية وربطها بالنيابة العامة والقضاء ورفض القرارات الإدارية خارج إطار المحاكمات
وهذا يستند إلى دروس التحولات الديمقراطية في أوروبا الشرقية التي حذرت من عدالة الثورة خارج إطار القانون ونطاقه
وقد تجلى هذا الموقف في قرار عدم المشاركة في لجنة الاستئناف والذي لم يكن انعزالاً بل كان تعبيراً عن مبدأ الفصل بين السلطات ورفض الجمع بين موقع الخصم السياسي وموقع الحكم شبه القضائي
والهدف كان حماية صدقية العملية العدلية ودفعها نحو المؤسسية حتي لا يصير منهج قوي الثورة مثل منهج النظام القديم
السؤال المنهجي المطروح اليوم قبل المطالبة بالتنسيق حول عودة اللجنة يجب الإجابة عبر منهج تقييم السياسات العامة
ما هو الأساس القانوني لعودتها ؟ وما هي الضمانات المؤسسية ضد تكرار أخطاء المرحلة السابقة ؟ وهل تمت هيكلتها ضمن منظومة عدلية أم ستعود بالصيغة الإدارية نفسها؟
المحور الثالث الجذرية كمنهج تحليل مادي لا كشعار أيديولوجي
يتم تصوير الجذرية في خطاب ضياء الدين كسبب محتمل للعزلة
وترد الورقة بأن الجذرية هنا ليست خياراً ذاتياً بل هي استجابة انية موضوعية لتحليل مادي للواقع السوداني وفق مقولة لينين عن الحلقات الأضعف
ففي سياق يتشابك فيه تحالف ثلاثي بيروقراطية عسكرية و رأسمالية طفيلية وبقايا النظام القديم
فإن المرونة المطلوبة غالباً ما تعني عملياً القبول بتسويات هبوط ناعم تعيد إنتاج نفس بنية السلطة المستبدة بأشكال جديدة
وعليه فإن الجذرية هي رفض لإعادة التدوير السياسي وهي بمثابة شرط ضروري لأي تغيير بنيوي وليست انغلاقاً نحو الذات أو انعزالا عن الواقع المشهود مسرح التغيير
النتيجة تصوير الجذرية كسبب للعزلة هو قلب للمعادلة الديالكتيكية
فالعزلة تنشأ من حالة الانفصال عن الواقع الموضوعي للجماهير لا من رفض الصفقات الفوقية التي تعيد إنتاج النظام القديم بشكل اخر
المحور الرابع أزمة التحالفات من الحد الأدنى الفضفاض إلى البرنامج المشروط
تعترف الورقة بأهمية مفهومي الكتلة التاريخية والعمل الجبهوي في التراث الماركسي
لكنها تشدد استناداً إلى تجربة الجبهة الوطنية الديمقراطية في السودان 1964 1965 وتجربة الحزب نفسه في تحالفاته السابقة على أن التحالفات ليست غاية في ذاتها بل وسيلة مشروطة ببرنامج واضح وبموازين قوى تسمح بإحداث تقدم نحو الأفضل
وتستند إلى التجربة السودانية 2019 الي 2021 كدليل إمبريقي على أن التحالفات القائمة على الحد الأدنى الفضفاض تؤدي إلى:
١/ تمييع التناقض الرئيسي وإعلاء التناقضات الثانوية
٢/ إرباك الوعي الجماهيري عبر خطاب توافقي يخفي الصراع الطبقي
٣/ فتح الباب أمام قوى الثورة المضادة لالتقاط التناقضات وإعادة إنتاج نفسها بادوات قوي الثورة
الخلاصة أن مراجعة شكل التحالفات السياسية ليست انعزالاً عن الجماهير ومجتمعات التغيير بل هي تعلم من التجربة التاريخية وتراكم معرفي
الخاتمة والتوصيات
تخلص الورقة إلى أن خطاب فزاعة العزلة هو في جوهره دعوة لتقديم الوضوح البرنامجي والتحليل الطبقي قرباناً على مذبح التوافق الشكلي المفضي الي الإختلاف مستقبلا بتفجر الصراع مجددا
التوصيات
اولا / اعتماد معيار جماهيري بنيوي لقياس فعالية القوى السياسية ثانيا / ربط أي إصلاح مؤسسي بمبدأ سيادة حكم القانون واستقلال القضاء
ثالثا/ الانتقال من منطق الحد الأدنى إلى منطق البرنامج الأقصى المتفق عليه كأساس لأي عمل جبهوي لقوى الثورة
ختاما/ الجذرية ليست عزلة إذا كانت متجذرة في الجماهير وهنا يكمن الفرق ولا بد من التغيير الجذري وإن طال السفر




تحية إلى الباحث أحمد بطران… ونلتقط ما تركه في السابلة
بقلم: علي تونجا علي
تحية تقدير للباحث أحمد بطران عبد القادر، لأنه نجح في نقل النقاش بين محمد ضياء الدين (البعث) ومحمد الفاتح (الشيوعي) من مستوى السجال الحزبي إلى مستوى الأسئلة الفلسفية والمنهجية.
الكتابة الجادة تُقاس بعدد الأسئلة التي تفتحها أمام الباحثين.
فتحت الورقة في تقديري خمسة أبواب تستحق التوقف عندها.
أولها سؤال العزلة موضوع النقاش هل تُقاس بعدد التحالفات، أم بدرجة الارتباط بالبنية الاجتماعية والتاريخية للمجتمع؟
وثانيها هو سؤال الجماهير من هي الجماهير في السودان؟ وهل يمكن الحديث عن جماهير واحدة في مجتمع متعدد القوميات والثقافات والمواقع الاجتماعية؟
وثالثها سؤال التحالف، وهو الأكثر إلحاحاً في واقع الحرب الراهن هل التحالف غاية في ذاته، أم أداة لمعالجة تناقضات محددة داخل مشروع سياسي واضح؟
والسؤال القبل الاخير يتعلق بالدولة هل الأزمة أزمة أحزاب ام أزمة دولة ما بعد الاستعمار التي ما تزال تعيد إنتاج بنيتها ومركزيتها وأدواتها القديمة؟
أما الباب الخامس فهو المشروع الوطني وهو السؤال الذي لا يغيب عن أي نقاش جاد حول مستقبل السودان. ونستحضر هنا ما يطرحه محمد الجيلاني من أن سؤال المشروع الوطني ظل حاضراً في الفكر السوداني منذ نقاشات الرواد الأوائل، بدءاً بحمزة الملك طمبل، ثم محمد أحمد المحجوب، مروراً بفرانسيس دينق وجون قرنق، وصولاً إلى الحداثيين والمعاصرين. ويرى أن المشروع الوطني لا يقوم على الإرادة السياسية وحدها، وإنما على أسس تاريخية وثقافية تتشكل عبر زمن ثقافي طويل، تتراكم فيه الخبرات والقيم وأنماط العيش المشترك، فيغدو الوطن بناءً تاريخياً قبل أن يكون اتفاقاً سياسياً أو تحالفاً بين القوى.
غير أن ما تركه احمد بطران في السابلة وأحسب أنه يستحق مزيداً من التأمل، هو حديثه عن المعيار الأنطولوجي.
فالأنطولوجيا سؤالاً عن الوجود نفسه ما الذي يوجد فعلاً في الواقع السياسي السوداني؟ وما طبيعة الكيانات التي نتعامل معها؟
إن حديث الزمن الثقافي يقودنا بالضرورة إلى هذا السؤال. فما الذي تشكل عبر ذلك الزمن؟ هل تشكلت دولة وطنية بالفعل؟ أم تشكل جهاز سلطة احتكر تعريف الدولة والوطن والهوية؟ وهل ما نسميه الشعب السوداني هو معطى تاريخي مكتمل، أم مشروع لم يكتمل بعد؟
قبل أن نسأل عن التحالفات، علينا أن نسأل ما هي الدولة السودانية؟ وما هو المجتمع السوداني؟ وما هي الأمة؟ وما هي السلطة؟ وما هو الشعب؟ وهل هذه حقائق قائمة بذاتها، أم بناءات تاريخية أعادت السلطة إنتاجها عبر التعليم والإدارة والقانون والإعلام والخطاب السياسي؟
إن أزمة السودان في احد اوجهها قبل أن تكون أزمة ممارسات سياسية هي أزمة في تعريف الموجودات السياسية نفسها. فعندما يختلف السودانيون حول معنى الدولة، والوطن، والمواطنة، والمركز، والهامش، فإن الخلاف يصبح أنطولوجياً قبل أن يكون خلافاً سياسياً.
ومن هنا تأتي أهمية الأنطولوجيا السياسية؛ لأنها تنقلنا من نقد مواقف الأحزاب إلى مساءلة البنية التي أنتجت تلك الأحزاب. فربما لا تكمن الأزمة في فشل التحالفات، وإنما في أن معظم الفاعلين السياسيين يتحركون داخل التصور نفسه للدولة الذي ورثوه من دولة الاستعمار، ثم أعادوا إنتاجه بأسماء وشعارات مختلفة.
ولذلك، فإن تطوير هذا المبحث الأنطولوجي يمثل خطوة أساسية في بناء فكر سياسي سوداني . فالإجابة عن سؤال ما السودان؟ تسبق الإجابة عن سؤال كيف نحكم السودان؟ والإجابة عن سؤال من هو الشعب؟ تسبق الإجابة عن سؤال من يتحالف مع من؟ والإجابة عن سؤال ما طبيعة الدولة؟ تسبق أي مشروع للإصلاح أو الانتقال أو السلام.
إن المشروع الوطني، في هذا المعنى، لا يبدأ بوثيقة سياسية، ولا بتحالف انتخابي، ولا باتفاق لتقاسم السلطة، وإنما يبدأ بإعادة تعريف الوجود السياسي للسودان نفسه، وتحرير مفاهيم الدولة والوطن والهوية والمواطنة من إرث الهيمنة الذي راكمته دولة ما بعد الاستعمار. وعندها فقط يصبح التحالف تعبيراً عن مشروع وطني، لا بديلاً عنه، ويصبح السلام نتيجة لإعادة تأسيس الدولة، لا مجرد هدنة بين المتحاربين.
لعل هذه هي القيمة الكبرى التي فتحتها ورقة أحمد بطران فهي لم تدفعنا فقط إلى إعادة التفكير في التحالفات فقد دفعتنا ربما من غير قصد، إلى العودة إلى السؤال الأكثر تأسيساً في الفكر السياسي السوداني: ما الذي يوجد حقاً باسم السودان، وما الذي ينبغي أن يوجد حتى يصبح المشروع الوطني ممكناً؟