
ثمة أشياء لا تعلن عن قيمتها وهي بيننا؛ شجرة تمد ظلها كل يوم حتى نظن أن الظل جزء من الأرض، أو سقف يحمينا من المطر حتى ننسى أنه يحمل عن كواهلنا ثقل السماء. وحده الغياب يملك تلك القدرة القاسية على إعادة تعريف الأشياء، وإظهار مكانتها الحقيقية.
وهكذا كان محمد عبد السلام المحبوب.
لم يكن من الرجال الذين يطلبون الضوء، ولذلك لم يكن يحتاج إليه ليُرى. كان حضوره الهادئ، وأثره الممتد في الناس، كافيين لأن يعرفه كل من اقترب منه، دون أن يحتاج يومًا إلى الضوء… ليُرى.
لم يكن من أولئك الذين يطاردون الظهور، ولا ممن يحرصون على أن تسبق أسماؤهم أفعالهم. كان يؤمن، في صمت، أن قيمة الإنسان ليست فيما يقوله عن نفسه، وإنما فيما يقوله الناس عنه بعد أن يغادر المكان. ولذلك عاش عمره كله وهو يوزع الخير كما توزع الأشجار ظلها؛ بلا ضجيج، وبلا انتظار لثناء.
كان العمود الفقري لأسرته، لا لأنه الأكبر سنًا فحسب، بل لأنه كان الأكبر حضورًا في الشدائد، والأوسع صدرًا حين تضيق الصدور، والأقرب إلى الجميع عندما تتفرق المسافات. كانت له تلك الموهبة النادرة التي لا تمنحها الجامعات ولا تصنعها الوظائف؛ موهبة أن يكون ملاذًا للناس، وأن يجعل من النصيحة فعلًا من أفعال المحبة، لا استعراضًا للمعرفة.
كلما جلست إليه، وامتد الحديث بيننا في شؤون الفكر والسياسة والحياة، اكتشفت رجلًا واسع الثقافة، عميق القراءة، شديد التواضع. ومع ذلك، كان كثيرًا ما يستشهد بأقوال شقيقه الأصغر، الدكتور المحبوب عبد السلام، بمحبة لا تخطئها العين. لم يكن ذلك انتقاصًا من نفسه، وإنما كان ثمرة بيتٍ لم يكن العلم فيه مدعاةً للمفاخرة، بل سبيلًا إلى التواضع. كان يرى في أخيه امتدادًا لوالدهما، ذلك الرجل الواسع الاطلاع في شتى العلوم، فكأن حديثه عنه كان، في جانب منه، حديثًا عن الأب الذي ظل حاضرًا في الذاكرة.
وكان يستحضر كذلك شقيقته الكبرى، زينب عبد السلام، التي كانت من الرعيل الأول الذي اقتحم المجال الأدبي وكتبت القصة القصيرة، في زمن لم يكن الطريق فيه معبدًا للنساء المبدعات. أما والدتهم، الحاجة اللقية على الحسن، فكانت امرأة مختلفة؛ جعلت بيتها في أم درمان قبلة للأهل، وملاذًا لأبناء الأسرة الذين جاءوا إلى الخرطوم طلبًا للعلم، حتى صار البيت عنوانًا للكرم قبل أن يكون عنوانًا للسكن، وللألفة قبل أن يكون جدرانًا وسقفًا.
ولعل الإنسان لا يكون ابن أسرته بالدم وحده، وإنما بما يحمله منها من أخلاق. ومحمد عبد السلام حمل إرث ذلك البيت كله، ومشى به بين الناس.
وفي أبوظبي، حيث عمل سنوات في بلدية أبوظبي، ترك أثرًا لا يزال حيًا في ذاكرة من عرفوه. فهناك أعمال تنتهي بانتهاء أصحابها، وهناك أعمال تبقى لأن أصحابها يودعون فيها شيئًا من أرواحهم. وما زال كثيرون يذكرون اسمه بكل خير، لأنه لم يكن يؤدي وظيفة، بل كان يؤدي رسالة في حسن التعامل، وإتقان العمل، واحترام الناس.
وفي النادي السوداني بأبوظبي، ذلك المكان الذي كانت تلتقي فيه أطياف السودان كلها، كان محمد عبد السلام أكبر من أي انتماء ضيق. كان الأخ حين يحتاج الناس إلى أخ، والصديق حين تضيق بهم الغربة، والأب حين يفتقدون دفء العائلة. ولذلك بقي اسمه حاضرًا في المجالس، مقرونًا بالدعوات الصادقة والذكريات الجميلة.
ثم جاءت الحرب، ذلك الزلزال الذي لم يفرق بين البيوت والذكريات. غادر محمد عبد السلام أم درمان مع أسرته إلى القاهرة، شأن آلاف السودانيين الذين حملوا أوطانهم في حقائب صغيرة، وتركوا خلفهم أعمارًا كاملة تنتظر موعد العودة.
وحين بدأت بشائر الاستقرار تلوح في الأفق، وشرع الناس يترددون بين الانتظار والعودة، كان من أوائل الذين عقدوا العزم على الرجوع إلى السودان. لم يكن يرى الوطن مكانًا نعود إليه عندما يصبح كاملًا، بل كان يؤمن بأن الوطن هو الملاذ الذي ينبغي أن يرتكن إليه الإنسان، وأن الطريق إليه، مهما أثقلته الجراح، يظل أقصر الطرق إلى النفس. كان يناجي المسافة الممتدة بين المنفى والدار أن تبسط ظلها على ربوع الوطن، وأن يعود الناس إلى بيوتهم آمنين، وأن تستعيد المدن دفء ترحابها القديم.
لكن الوطن الذي عاد إليه لم يكن هو الوطن الذي حمله في ذاكرته. كانت آثار الحرب أكبر من أن تختصرها الصور، وأفدح من أن تستوعبها الروايات. رأى الخراب بعينيه، وتجول بين الأماكن التي كانت عامرة بالحياة، فإذا بها مثقلة بالصمت والغياب. وكانت تلك الصدمة أثقل مما يحتمله قلب أحب هذا البلد بكل ذلك الصفاء.
لم يطل به المقام بعد عودته. أخذ الإعياء يتسلل إلى جسده، حتى لزم مستشفى آسيا بضاحية الشهداء في أم درمان، إلى أن فاضت روحه إلى بارئها، راضية مرضية بإذن الله تعالى، بعد أن عاد إلى الأرض التي أحبها، وكأن قلبه كان يؤجل رحيله حتى يطمئن أن خطوته الأخيرة ستكون على تراب السودان.
كان يملك من المؤهلات والخبرة والاتزان ما يكفي لأن يكون في مقدمة المشهد العام، لكنه اختار طريقًا آخر؛ طريق التأثير الهادئ. لم يكن يبحث عن المنصة، بل عن الفكرة. ولم يكن يطلب الميكروفون، بل كان يمنح رأيه لكل من طلب المشورة، وكأن المعرفة عنده أمانة يجب أن تؤدى، لا سلعة تعرض.
وكم من شخص خرج من عنده بفكرة أنضج، أو قرار أصوب، أو طريق أوضح، دون أن يعرف الناس أن خلف ذلك النجاح رجلًا جلس في الظل، وقال كلمة صادقة، ثم مضى.
لهذا، فإن رحيل محمد عبد السلام ليس خسارة لأسرته وحدها، ولا لأصدقائه وحدهم، بل خسارة لذلك النوع النادر من الرجال الذين لا تصنعهم المؤسسات، ولا تمنحهم الألقاب قيمتهم، لأن قيمتهم كانت كامنة في إنسانيتهم نفسها.
رحل رجل لم يكن يحتاج إلى الضوء ليُرى، لأنه كان هو نفسه ضوءًا خافتًا؛ لا يخطف الأبصار، لكنه يهدي القلوب. ومثل هذا الضوء لا ينطفئ برحيل صاحبه، بل يبقى ممتدًا في أثره، وفي دعوات الناس له، وفي كل إنسان كان له معه موقف، أو نصيحة، أو يد امتدت بالخير دون أن تنتظر مقابلًا.
رحم الله محمد عبد السلام رحمة واسعة، وجعل ما زرعه من خير، وما بثه من علم في التواصل، وما تركه من مودة، نورًا يسبقه إلى جنات النعيم.
أما نحن، فلعل أفضل ما يمكن أن نقوله بعد رحيله، أن بعض الرجال لا يبدأ حضورهم الحقيقي إلا يوم يكتشف الناس حجم الفراغ الذي تركوه وراءهم.

