مقالات وآراء

عادل عبد الرحمن… الشاعر الذي حمل العالم في قصيدة (3)

بعد أن تتضح ملامح المشروع الشعري لعادل عبد الرحمن، يصبح من الضروري أن نغادر الحديث العام عن تجربته، وأن نقترب من القصائد نفسها.
فالنقد الحقيقي لا يكتفي بإطلاق الأحكام، وإنما يختبرها داخل النص، لأن القصيدة وحدها هي الوثيقة التي يبقى عليها الشاعر بعد رحيله.
ولعل قصيدة «هذه مائدتي، والدعوة غير عامة» تقدم المفتاح الأول لفهم هذا العالم.
فمنذ عنوانها يبني الشاعر مفارقة تستوقف القارئ؛ فالمائدة، في الوعي الإنساني، رمز للمشاركة والضيافة، لكنه يعلن أن الدعوة ليست عامة.
غير أن القصيدة لا تلبث أن تقلب هذا المعنى رأسًا على عقب، إذ تتسع المائدة شيئًا فشيئًا حتى تضم فقراء الأرض جميعًا.
وما يبدو في البداية فعلًا فرديًا، يتحول إلى مشروع إنساني جماعي، لا يجتمع فيه الناس حول الطعام، بل حول الأمل، وحول الرغبة في إعادة بناء العالم.
ولذلك لا يدعو الشاعر ضيوفه إلى الاحتفال، وإنما إلى تقاسم الشقاء، وكأن العدالة لا تبدأ بتوزيع النعيم، بل بالاعتراف المشترك بالألم.
إنها رؤية أخلاقية عميقة، تذكّرنا بأن الإنسان لا يصبح إنسانًا لأنه سعيد، وإنما لأنه قادر على مشاركة الآخرين محنتهم.
ومن هنا تكتسب القصيدة بعدها الإنساني، وتتحرر من أي قراءة سياسية ضيقة، رغم أنها لا تخفي انحيازها للفقراء والمهمشين.
ويتجلى هذا المنحى بوضوح في قوله:
«لننظف أسناننا من الجوع، والمرض، والحنق.»
إنها صورة تبدو لأول وهلة غريبة، لكنها تكشف قدرة الشاعر على تحويل اللغة اليومية إلى رؤية شعرية.
فالجوع هنا ليس حالة بيولوجية، بل أثر يلتصق بالإنسان كما يلتصق الغبار بالجسد، ولا سبيل إلى الخلاص منه إلا بفعل جماعي يعيد للإنسان كرامته.
وهكذا تتحول التفاصيل الصغيرة إلى رموز كبرى، دون أن تفقد بساطتها أو صدقها.
ثم ترتفع القصيدة إلى ذروتها حين يعلن:
«اسمي المستقبل.»
وهذه ليست عبارة شاعرية للتأثير، بل إعلان فلسفي كامل.
فالشاعر لا ينتظر المستقبل كما ينتظره الناس، بل يسكنه، ويجعله جزءًا من هويته.
ولذلك لا يتحدث عن الغد بوصفه زمنًا مجهولًا، وإنما باعتباره مسؤولية أخلاقية تقع على الإنسان نفسه.
هنا تتحول القصيدة من حلم فردي إلى بيان إنساني مفتوح، لا يخاطب السودانيين وحدهم، ولا الافارقة والعرب وحدهم، وإنما يخاطب الإنسان حيثما كان.
ومن القصائد التي تكشف البعد الكوني في تجربة عادل عبد الرحمن، تأتي «كيف الحال أيها العالم»، وهي في تقديري واحدة من أكثر نصوصه نضجًا واتساعًا.
فمنذ السطر الأول لا يخاطب وطنًا أو مدينة أو حبيبًا، بل يخاطب العالم كله، وكأنه يريد أن يضع الإنسان أمام مرآة وجوده.
غير أن اللافت في هذه القصيدة أن العالم لا يظهر بوصفه فكرة مجردة، وإنما بوصفه شبكة من العلاقات بين الماء، والنساء، والأمهات، والبحار، والأنهار، والحروب، وهيروشيما، وأمريكا، والإنسان العادي.
وليس من المصادفة أن يبدأ القصيدة بإعلان إيمانه بالماء.
فالماء، في أغلب الثقافات، أصل الحياة، لكنه عند عادل عبد الرحمن يصبح أيضًا أصل الأخلاق.
إنه يؤمن بالماء لأنه يؤمن بالحياة، ثم يعدد، في حركة شعرية متدفقة، كل ما يهدد هذه الحياة، من الحروب إلى الكوارث الطبيعية، ومن استبداد السلطة إلى جنون التكنولوجيا.
وهنا لا تبدو القصيدة احتجاجًا سياسيًا، بقدر ما تبدو دفاعًا عن الوجود الإنساني نفسه.
واللافت أن الشاعر، رغم هذا السواد كله، لا يقع في اليأس.
فهو لا يكتب قصيدة نهاية العالم، بل قصيدة مقاومة العالم.
ولذلك يظل الإنسان حاضرًا، لا بوصفه ضحية، وإنما بوصفه الكائن الوحيد القادر على إعادة المعنى إلى الأشياء.
ومن هنا يمكن فهم عبارته الختامية، حين يقذف الكرة الأرضية بعيدًا، فإذا بها لا تسقط في الفراغ، بل «تهوي في القلب».
وكأن العالم، مهما اتسع، يظل في النهاية مسؤولية الإنسان، لا مسؤولية الجغرافيا.
وهنا تكمن، في تقديري، إحدى أهم سمات مشروع عادل عبد الرحمن.
فهو لا يكتب عن العالم من خارجه، ولا يتأمله من برج الشاعر المعزول العاجي ، بل يعيش داخله، ويتورط في آلامه، حتى تصبح القصيدة نفسها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من إنسانية الإنسان.
ولهذا فإن قراءة شعره لا ينبغي أن تتوقف عند جمال الصورة، أو طرافة الاستعارة، أو فرادة اللغة، وإنما يجب أن تنفذ إلى السؤال الأكبر الذي ظل يكتبه، بصيغ مختلفة، طوال تجربته: كيف يمكن للإنسان أن يبقى إنسانًا، في عالم يزداد كل يوم قدرة على إنتاج الخراب؟
ولعل هذا السؤال، أكثر من أي شيء آخر، هو الذي يمنح قصائده حياتها المستمرة، ويجعلها قابلة للقراءة اليوم، كما ستكون قابلة للقراءة بعد سنوات طويلة في المستقبل ، لأن الخراب يتغير في أشكاله، أما مقاومة الإنسان له، فتبقى واحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..