هل هكذا تُبنى العدالة التأسيسية؟ قراءة نقدية في تفكيك الدولة وتجويف القانون
احمد بطران عبد القادر

الميلانو الميلانو
هل هكذا تُبنى العدالة التأسيسية؟
قراءة نقدية في تفكيك الدولة وتجويف القانون
قراءة مقال الأستاذ الصادق علي حسن
بين وعد التأسيس وحقيقة الانهيار:
يطرح الأستاذ الصادق علي حسن سؤالاً وجودياً في وجه سلطة (تأسيس) المزعومة:
هل هكذا تُبنى العدالة التأسيسية؟
إنه ليس سؤالاً سياسياً عابراً ولا رداً تكتيكياً على حدث آني إنه سؤال فلسفي مؤسس عن جوهر السلطة وعن معنى الدولة ذاتها فالتأسيس ليس خطاباً إنشائياً ولا وثيقة تُرفع في مؤتمر صحفي لكن التأسيس هو فعل إنشاء العقد الاجتماعي الذي ينقل الإنسان من فوضى ( اللادولة ) إلى نظام دولة القانون والحقوق القائمة على المواطنة الدولة المدنية الديمقراطية بالمفهوم الحداثي المعاصر
أما ما يجري في مناطق سيطرة الدعم السريع وسلطة تأسيس المزعومة فهو النقيض المطلق لهذا المعنى إنه تجسيد حي لما سماه الفيلسوف جورجو أغامبن ( دولة الاستثناء ) حالة يصبح فيها تعليق القانون هو الأصل ويتحول جهاز السلطة من حامٍ للحقوق إلى مصنع للخوف ومهدِر لكرامة الإنسان وهذا ما يحدث بالضبط في أماكن سيطرة الدعم السريع وسلطة تأسيس المزعومة إنه واقع أشبه بعهد الاقطاع وعصور الظلام
وبذلك لا يكون تأسيس مشروع دولة بل يكون مشروعاً لهدم الدولة القائمة في ظل سلطة مسلوبة بواسطة عصابة انقلاب ٢٥اكتوبر٢٠٢١م
أولاً: التأصيل النظري حول معايير الدولة والشرعية في القانون الدولي
لقد قام النظام الدولي الحديث منذ صلح وستفاليا 1648م على ثلاثة أركان جوهرية لا تقوم دولة بدونها ولا يُعترف بكيان سياسي إلا بتحققها:
1. الركن الإقليمي البشري : إقليم جغرافي محدد وشعب دائم مستقر عليه
2. الركن السيادي: سلطة عامة تحتكر العنف المشروع وتحتفظ بحق الدفاع عن كيان الدولة ومكوناتها الاجتماعية
3. الركن المعياري الدستوري: نظام قانوني معلن ومستقر يخضع له الحاكم والمحكوم على السواء برضا عام يحفظ الأمن والاستقرار والحقوق والرعاية والالتزام بالقانون الذي هو فوق الجميع
وتقوم شرعية الدولة على مستويين متلازمين لا ينفصلان:
شرعية المنشأ: وهي رضا المحكومين والعقد الاجتماعي الحر الذي توافقوا عليه عمليا ونشأ من الاعراف والعادات والتقاليد التي سادت فيه واصبحت من سمات ثقافتهم الموروثة
شرعية الممارسة : وهي خضوع السلطة ذاتها للدستور والقانون العام
وبغياب الركن الثالث تنهار الدولة ويبقى ما تبقى مجرد جهاز سيطرة مسلح لا شرعية له ولا اعتراف به مسألة الخروج عليه مسألة وقت وأمر رفضه ومناهضته قائم
ثانياً: تشريح بنية اللاقانون في مناطق سيطرة الدعم السريع وسلطة تأسيس المزعومة
يؤكد الأستاذ الصادق علي حسن أن السمة البارزة في مناطق سيطرة تأسيس هي الغياب التام لأي نظام قانوني بمعايير الدولة القطرية الحديثة وهذا الغياب يتجلى في أربعة تجليات كارثية:
1. التجلي الجنائي: إعدام مبدأ الشرعية
القاعدة الذهبية للقانون الجنائي الحديث هي ( لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص سابق واضح )
لكن تهمة ( التعاون والتخابر مع بورتسودان) هي تهمة مطاطة بلا أركان ولا تعريف حيث قد تصبح صورة في هاتف أو حضور ورشة حقوقية أو رأي مخالف مبرراً كافياً للزج بالإنسان في غياهب السجون لسنوات بلا محاكمة ولا مراعاة حتي لحقوق الإنسان أو حقوق المتهمين كما حسمها القانون الدولي والإنساني المعاصر و هذا هو التعريف الحرفي للاعتقال التعسفي الذي تجرمه المادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية
2. التجلي الإجرائي: إلغاء القضاء وتأليه الأمن
حبس الآلاف لشهور وسنوات في سجن دقريس الموصوف (بـغوانتانامو أفريقيا) وفي سجن كوريا سيء السمعة دون عرض المعتقلين على نيابة أو قاض هو إعلان صريح بإلغاء السلطة القضائية
وهذا ما وصفه ميشيل فوكو بالانتقال من المجتمع القضائي إلى المجتمع التأديبي الذي يحكم بالرعب لا بالحكم
3. التجلي الأخلاقي والقانوني الدولي: جريمة العقاب الجماعي
حالة الأستاذة ماجدة حسن عضو هيئة محامي دارفور والمحتجزات معها منذ فبراير 2026م نموذج صارخ فالإبقاء عليها رغم مرضها المزمن بهدف الضغط على زوجها في المقيم في بورتسودان هو عقاب جماعي مكتمل الأركان
وهو فعل مجرم بنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م التي تحظر صراحة التدابير الانتقامية والعقاب الجماعي بحق المدنيين وكيف لمن يريد تأسيس دولة العدل والحرية أن تكون ابهي ممارساته خرق القانون الدولي والإنساني؟
4. التجلي الجوهري: إعادة إنتاج المواطن العدو
أخطر ما تمارسه هذه السلطة هو إعادة تعريف المواطن فلم يعد المواطن صاحب حق أصيل في الحياة والكرامة بل صار متهماً بالأصل ومشتبها به حيث أصبح الانتماء الجغرافي أو صلة القرابة او الرأي المخالف كلها تتحول إلى جريمة
وهذا نفي تام لفكرة المواطنة التي يقوم عليها أي مشروع لبناء الدولة
ثالثاً: نقض الشرعية لماذا سلطة تأسيس ( سلطة متمردة ومعدومة الوجود)؟
من منظور القانون الدولي والفلسفة السياسية تفشل سلطة تأسيس المزعومة فشلاً ذريعاً في كل اختبارات الشرعية:
معيار الشرعية
مقتضى القانون الدولي واقع سلطة تأسيس المزعومة ليست لها شرعية فلم تحوز علي الاعتراف الدولي وليست لديها حدود جغرافية معلومة كل هذا غياب تام فهي سلطة أمر واقع متمردة علي سلطان الدولة السودانية وعلي شعبها وعلي الشرعية الدولية وقائمة علي فوهة البندقية
الشرعية الدستورية: لا يوجد دستور ولا قانون معلوم ومعترف به ولم يشكل وبرلمان يمثل إرادة الشعب و لا فصل بين السلطات الثلاث بل حكم بالمراسيم والقضاء تابع للأمن
الشرعية التداولية:
رضا الشعب وحرية الرأي الحكم قائم علي الإكراه والاعتقال وإسكات الصوت المناهض وهنا وجب علينا أن نشير ونؤكد إن الدولة السودانية دولة ذات سيادة تأسست بإعلان استقلالها في العام 1956م ونالت الاعتراف الدولي بحدودها الجغرافية المعلومة والمحمية بالقانون الدولي
وبالتالي فإن “تأسيس” ليست سلطة بديلة بل هي سلطة متمردة على الدولة السودانية وعلى إرادة شعبها وعلى الشرعية الدولية
وعليه فإن الحديث عن (عدالة تأسيسية) في ظل هذه السلطة القائمة علي العنف ومخالفة القانون هو تناقض لغوي ومنطقي فلا عدالة بلا قانون ولا قانون بلا دولة ولا دولة بلا شعب حر
رابعاً: شروط التأسيس الحقيقي هو العودة إلى الدولة والدستور
إذا كان الهدف تأسيساً حقيقيا للدولة السودانية فإن الطريق يبدأ بإلغاء السلطة الموازية و إنهاء الحرب وانتهاج التفاوض بالعودة إلى المسار المدني الديمقراطي ومخاطبة جذور الأزمة السودانية التي تفجر الصراع بفضلها حتي وصلنا الي حافة التقسيم والتلاشي وحتى ذلك الحين على سلطة تأسيس المزعومة أن تفكك بنية الخوف في مناطق سيطرتها وتراعي حقوق الإنسان عبر:
1. الإفراج الفوري: عن كل المعتقلين بتهم جزافية بلا أساس قانوني وعلى رأسهم الأستاذة ماجدة حسن ومناهل مصطفى وإشراقة عبد الرحمن ومواهب إبراهيم وازدهار عبد الرحمنوأو تقديمهم لمحاكمة علنية عادلة علما انه لا يحق لها ذلك
2. ميثاق للحقوق والحريات: عليها الالتزام بميثاق يجرم الاعتقال التعسفي ويكفل حرية التعبير والتنظيم ويخضع الأجهزة الأمنية لسلطة القضاء
3. شفافية أماكن الاحتجاز : السماح لكل المنظمات الحقوقية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيارة سجن دقريس وكوريا وكافة أماكن الاحتجاز
4. عقد اجتماعي جديد: قائم على الفيدرالية والمواطنة المتساوية والاعتراف بتعدد وتنوع الشعب السوداني والذي يتحقق باستعادة الحياة الدستورية للبلاد
الحكم الفصل:
تقول هانا أرندت: حيثما يغيب القانون يسود العنف
إن سلطة تأسيس المزعومة تضع السودانيين أمام خيارين لا ثالث لهما:- إما تأسيس لنظام استبدادي جديد يتزيا بجلباب الثورة و ينتهك الحقوق والحريات بإسمها ولا يسمح بمعارضته أو مناقضته وإما الاستمرار في دوامة الحرب وتفكيك الدولة السودانية التي ينال شعبنا العظيم من أجل إعادة بنائها علي أسس العدل والحرية والحقوق والمواطنة والكرامة الإنسانية وفق منظومة القانون الدولي والإنساني ومرجعية الدستور
إن مقال الأستاذ الصادق علي حسن هو وثيقة اتهام تاريخية في وجه زعماء سلطة تأسيس المزعومة فالأوطان لا تُبنى بالمعتقلات ولا بالتهم الفضفاضة واهدار كرامة الإنسان والحط من قدره إنما تُبنى الاوطان بإطلاق سراح الأبرياء وحفظ حقوقهم التي كفلتها القوانين الدولية وباحترام الرأي والرأي المخالف وبخضوع البندقية لسلطة القانون فالقانون فوق الجميع
وحتى يحدث ذلك تبقى الإجابة واحدة لا تحتمل التأويل:
( كلا ليس هكذا تُبنى العدالة التأسيسية)



