
إهداء
إلى محمد مدني، وعبداللطيف علي الفكي، وعادل القصاص، ومحمد خلف، وعبدالله محمد عبدالله، وإلى كل من رفض أن يترك الغياب ينتصر على القصيدة. فالشعر لا ينجو بالورق وحده، بل بالقلوب التي تحفظه، وبالأصدقاء الذين يحملون ذاكرته جيلاً بعد جيل. ولولا هذا الوفاء، لما عادت قصائد عادل عبد الرحمن لتفتح نوافذها على القراء من جديد.
إذا كان من السهل أن نتتبع أثر المكان في شعر كثير من الشعراء، فإن الأمر يختلف مع عادل عبد الرحمن. فود مدني لا تحضر في قصائده بوصفها ذاكرة يُستعاد جمالها، ولا باعتبارها فردوسًا مفقودًا يعود إليه الحنين كلما ابتعدت المسافات، وإنما تحضر بطريقة أكثر خفاءً وأشد عمقًا؛ تحضر بوصفها رؤيةً للعالم، وطريقةً في قراءة الزمن، وإيمانًا بأن الإنسان أكبر من اللحظة التي يعيشها. ولهذا، فإن البحث عن المدينة في نصوصه لا يكون في أسماء الشوارع، والبيوت، والأزقة، والميادين، بل في الطريقة التي ينظر بها إلى الحياة وهي تتشكل أمامه، وإلى التاريخ وهو يتهيأ لارتكاب أخطائه مرة أخرى.
ولعل قصيدة «مرثية للعشرة أعوام المقبلة» تقدم أوضح مثال على ذلك. فمنذ عنوانها يضعنا الشاعر أمام مفارقة غير مألوفة؛ فالرثاء، في تقاليد الشعر، يُكتب لما مضى وانقضى، أما عادل فيرثي ما لم يحدث بعد، وكأنه لا يقف في الحاضر، بل في نقطة متقدمة من الزمن ينظر منها إلى المستقبل وهو يتحول إلى ذاكرة.
يقول:
«في العشرة أعوام المقبلة
كنت أجلس وحيدًا
أمامي بقايا الحرب…
نساءٌ، وشيوخٌ، وأطفال
يحملون رؤوسهم بأيديهم
ويركضون نحوي دون أن يروني.»
هذه ليست صورةً سريالية تبحث عن الإدهاش، وليست نبوءةً بالمعنى الغيبي، وإنما حدس شاعر قرأ المجتمع قراءةً عميقة، فرأى ما كان يتخلق في داخله قبل أن يصبح واقعًا. لقد كتب هذه القصيدة في مطلع الثمانينيات، لكنها اليوم تُقرأ كما لو أنها كُتبت في الحروب التي عصفت بالوطن الذي يتقاسمه الظلاميون والانتهازيون. وهنا تكمن قوة الشعر الكبير؛ أنه لا يتنبأ بالمستقبل، بل يكشف البذور التي ستصنعه إذا تُركت تنمو في الظلام.
ومن اللافت أن الحرب عند عادل لا تبدأ بإطلاق الرصاص، بل تبدأ أولًا بانهيار الإنسان. ولذلك لا يصف المعارك، وإنما يصف آثارها في الروح. فالصورة التي تتكرر في قصائده ليست صورة المنتصر والمهزوم، وإنما صورة الكائن الإنساني الهش وهو يفقد قدرته على التعرف إلى نفسه. ولهذا تبدو قصائده، حتى في أكثر لحظاتها قسوة، دفاعًا عن الإنسان، لا احتفاءً بالمأساة.
ويتجلى هذا الحس الإنساني أيضًا في قصيدة «من مراثي منى». فهي ليست مرثية لامرأة غابت، بقدر ما هي مساءلة لفكرة الغياب نفسها. يبدأ النص بسؤال بسيط:
«أاصطفاقُ بابٍ؟
أم أنكِ التي…؟»
ومنذ هذه اللحظة يتحول الغياب إلى حضور ملتبس. كل شيء يوحي بأنها رحلت، لكن كل شيء في القصيدة يصر على أنها ما زالت هنا؛ في حركة الأشياء، وفي ارتباك الذاكرة، وفي تفاصيل الحياة اليومية. إن الفقد عند عادل لا يصنع فراغًا، بل يملأ العالم بأشكال جديدة من الحضور. ولذلك لا يبكي الراحلين، وإنما يصغي إلى الصدى الذي يتركونه في الأشياء.
وليس من المصادفة أن تأتي هذه الرؤية من شاعر نشأ في مدينة عرفت الحياة بوصفها لقاءً دائمًا بين البشر المختلفين، لا عزلة بينهم. فالإنسان في شعره لا يعيش منفصلًا عن الآخرين، بل يظل ممتدًا في ذاكرتهم حتى بعد غيابه. وهنا، مرة أخرى، لا تظهر ود مدني اسمًا، وإنما تظهر أخلاقًا؛ مدينة آمنت بالتنوع، والمدنية، والحرية الفردية، والعلاقات الإنسانية، قبل أن تؤمن بالشعارات.
ومن يقرأ هذه النصوص يكتشف أن عادل عبد الرحمن لم يكن شاعر المكان بقدر ما كان شاعر الزمن. فالأمكنة تتبدل في حياته؛ من ود مدني إلى الخرطوم، ومن دمشق إلى القاهرة، وأسمرا، ثم إلى المنافي البعيدة في أمريكا ، لكن الزمن يظل هو البطل الحقيقي في قصيدته. الماضي لا يغادر، والمستقبل يحضر قبل أوانه، والحاضر ليس إلا لحظة قصيرة بين ذاكرة لا تكف عن الاستعادة، وأفق لا يتوقف عن طرح الأسئلة.
لهذا كله، تبدو ود مدني في شعر عادل عبد الرحمن أقل حضورًا بوصفها مدينة، وأكثر حضورًا بوصفها مدرسةً في النظر إلى الإنسان. فهي التي منحته الثقة في الحياة، والقدرة على الإصغاء إلى الآخر، والشجاعة في مساءلة المستقبل قبل أن يتحول إلى حاضر. ومن هنا جاءت قصيدته مفتوحة على العالم، لا لأنها غادرت مدينتها، بل لأنها حملت المدينة في أعمق ما فيها: في وعيها المدني، وفي إيمانها بأن الثقافة ليست ترفًا، بل طريقةً للعيش الكريم.
ولهذا، كلما توغلنا في قراءة ديوانه «جسد… وقصائد أُخر»، ازداد يقيننا بأن عادل عبد الرحمن لم يكن يكتب المدن، بل كان يكتب الإنسان الذي تصنعه المدن الحرة. وتلك، في ظني، هي الهدية الكبرى التي منحته إياها ود مدني، والهدية التي ردها إليها شعرًا ومعنىً، وسيبقى أثرها طويلًا بعد أن يهدأ كل ضجيج.
يتبع



