مقالات وآراء

جريح يريد رؤية أمه ووزير يريد السلطة!

من حكايات الحرب المؤلمة ...

احمد حمدان

الحروب لا تبدأ يوم تنطلق الرصاصة الأولى، بل تبدأ يوم يفقد الناس قدرتهم على رؤية الإنسان في وجه الإنسان.. لذلك، حين دخل الرجل المسؤول إلى العنبر، لم يكن يدخل غرفة في مستشفى، بل كان يدخل آخر ما تبقى من أحلام أولئك الفتيان الذين خرجوا من مناطقهم ذات صباح، يحملون بنادق أكبر من أعمارهم، ويظنون أن الطريق إلى البطولة معبّد بالأناشيد.

كان الممر طويلاً، كأنه لا يريد أن ينتهي.. الجدران مطلية بالأبيض، لكن البياض بدا متعباً، كوجه شيخٍ غسلته السنون أكثر مما غسلته المياه.. وكانت رائحة المطهرات تختلط برائحة الدم القديم، تلك الرائحة التي لا تفارق البلاد منذ زمن بعيد، كأن السودان صار يحتفظ في ذاكرته برائحة الجراح أكثر مما يحتفظ برائحة المطر.

تقدّم الرجل بخطوات محسوبة.. حوله رجال يفسحون الطريق، وعدسات تتسابق إلى وجهه الذي تعلوه الابتسامة الماكرة.. كان يمضي بالابتسامة نفسها التي عرفها الناس عنه منذ سنوات، ابتسامة لا تكبر ولا تصغر، لا يغيّرها موت ولا حياة، كأنها قناع التصق بوجهه حتى نسي صاحبه أنه يرتديه.

لم يخلع بزته العسكرية منذ وقت طويل.. ربما لأنه اعتادها، وربما لأنها أصبحت جلده الثاني، أو لعلها آخر ما يربطه بالحكاية التي يرويها للناس كل يوم عن الحرب، والكرامة، والانتصار القريب.

وقف الرجل المسؤول أمام سرير في آخر العنبر.. كان الجندي يرقد هناك كغصن كسره الهواء قبل أن يكتمل اخضراره. عيناه غائرتان، وشفته اليابسة ترتجف كلما حاول أن يتنفس. كان صغيراً إلى درجة يصعب معها تصديق أنه حمل بندقية يوماً.. لا بد أن أمه كانت، قبل أشهر قليلة فقط، توقظه لصلاة الفجر، وتعاتبه لأنه يطيل النوم، أو تسأله إن كان قد تناول فطوره.

كم يحتاج الدجالون من الوقت ليسرقون ابناً من حضن أمه؟

أدار الرجل المسؤول جسده إيذاناً بالمغادرة من العنبر الذي اختلطت فيه رائحة الدم بالدواء.. في تلك اللحظة امتدت يد نحيلة، لا تكاد تقوى على حمل نفسها، وأمسكت بطرفه.. كانت يداً باردة، لكنها كانت مليئة بالحياة..

توقف الرجل.. نظر إلى اليد أولاً، ثم إلى صاحبها، كما ينظر المرء إلى غصن شجرة علق بثوبه مصادفة.. قال بصوت خافت يخفي ضجره: “ماذا تريد؟”

ظل الجندي صامتاً لحظات.. كان يبحث عن الهواء أكثر مما يبحث عن الكلمات.. ثم خرج صوته مكسوراً، كأن كل حرف يمر أولًا فوق الجرح:

“أنا… تعبان.. أريد أمي.”

ساد الصمت.. ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الزمن نفسه يتردد في مواصلة السير.. حتى الأجهزة التي كانت تراقب نبضه بدت كأنها تخفض صوتها رهبةً أو تأثراً واحتراماً للجملة.. لا أدري!!

ردد الرجل المسؤول الكلمات ببرود، وكأنه يختبر صداها لا معناها “تعبان.. وتريد أمك.”

ثم مضى.. وبقيت الجملة معلقة في العنبر.

لم يكن الجندي يطلب دواءً جديداً، ولا رتبة عسكرية، ولا وساماً! كان يريد أمه فقط.. وفي الحروب، حين يعود الرجال إلى طلب أمهاتهم، تعرف البلاد أنها بلغت أقصى درجات التعب.

منذ سنوات طويلة، والسودان يشبه شجرة سنط عجوزاً تقف وحدها في الفلاة.. كلما أينعت أغصانها، جاء موسم جديد يحمل الفؤوس.. جيل يورث الحرب للجيل الذي يليه، كما يورث الأرض أو أسماء العائلة.. يكبر الأطفال وهم يحفظون أسماء البنادق أكثر مما يحفظون أسماء الطيور، ويعرفون طرق النزوح قبل أن يعرفوا الطرق إلى المدارس.. تتعلم الأمهات كيف يودعن أبناءهن بلا بكاء، لأن البكاء نفسه صار رفاهية في بلد يطرق الموت بابه كل صباح.

صار الناس يتحدثون عن المدن كما يتحدثون عن موتاهم.. الخرطوم، الجنينة، نيالا، الأبيض.. هذه ليست أسماء أماكن فحسب، بل أسماء جراح مفتوحة، لكل واحدة منها حكاية بيوت تهدمت، أو أسواق نُهبت، أو أسرة كاملة ذهبت إلى الآخرة في لحظة، أو أمهات ما زلن ينتظرن ابناءً خرجوا ولم يعودوا.

ربما لا يعرف التاريخ أسماء أولئك الجنود الذين ناموا في عنابر المستشفيات.. لكن التاريخ، مثل النيل، لا يحتفظ إلا بما يرسخ في قاعه.. وسيبقى في قاع هذه الحرب صوت واحد، أخف من الرصاص، وأصدق من الخطب، وأبقى من الشعارات.. صوت شاب أنهكه النزيف، ولم يطلب وطناً جديداً، ولا نصراً، ولا هزيمة لأحد.

قال فقط “أريد أمي”

ولعل السودان كله، بعد كل هذه السنوات، لم يكن يقول شيئاً آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..