مقالات وآراء

سعادة والي الشمالية: لقرية الأركي قضايا

د. عبدالرحيم عبد الحليم محمد

لم يكن ظهري متصلبا من كرسي (العظمة) الذي كان يهزك هزا في زمن غابر وأنت ترتاد كامل الطريق بين أم درمان والشمالية على صهوة لوري (بدفورد) جبار، كرسي (العظمة) اسم ساخر أطلقه الأهالي على آخر كرسي في مؤخرة البص المتهالك تلجأ إليه عندما لا تجد مقعداً مناسباً ومع المطبات والاهتزاز يهتز جسمك حتى تخال أن هيكلك العظمي كله آخذ إلى التفكك، تلك لواري من النوع الذي عناه ضميرنا الشعبي مشيداً بمهارة السائق وقوة عزمه في وقت لم يكن فيه (شريان الشمال) شيئاً مذكورا:
جر كوزو النيسان شخر
لا مساعد جرا لا حفر
أقول متحدثاً بنعمة الله، إنني كنت على متن كرسي عظمة آخر قبل عدة سنوات على بص فخم له تكييف وتلفاز وإن احتفظ بنغمة بوري اللواري القديمة التي تشعل في أوصالك معاني الوجد وذكريات الحنين وتذكرك برمال أم الحسن موناليزا الصحراء والشاي المر المركز الذي يعينك على التأمل في النجم العابر والبقاء مستيقظا على ظهر اللوري حتى تبلغ مقصدك مرهقا وفرحانا.
2
لقد طوى الله عني بعداً وكفاني وعثاء السفر بعد غيبة طويلة تارة في الخليج العربي وتارة على ساحل المحيط الهادي في الغرب الأمريكي، عدت ياسيدي إلى القرية التي ترعرعت فيها طفلاً وتلميذاً وصياداً وزارعاً وطنباراً… قرية الأركي من أعمال مركز مروي إحدى قرى عمودية جلاس وأحد منابع التالين الذاكرين والشعراء والغاوين ورجال الأدب والسياسة والمسؤلين من وزراء وسفراء، وقبل كل ذلك الأولياء والصالحين. إن الأركي سيدي الوالي لها بعدها الشاسع في عمق التاريخ النوبي والعربي فمن معانيها الخصوبة أو الأرض الخصبة الودود وقد رفدت بلادنا بقادة تنفيذيين وروحيين ووزراء وسفراء وأطباء ومهندسين.
3
هذه القرية هجرها الناس منذ أن هجّر الفيضان الذي حلّ بها عام 1988 الناس إلى أطراف المدن، ومع ذلك لم تلن قناة لأهلها ولم يقعد بهم تبدل الزمن والأحوال عن التشبث بالحياة، بدأوا بعون ذاتي وإقليمي فعمروا المسجد وأعادوا إليه طعم الأذان، وأقاموا بجهدهم صهريج المياه ودعموه بالطاقة الشمسية بجهد مخلصين من ابناء القرية وعون آخرين من خارجها من الجهات المهتمة والداعمة فبدأت الحياة تدب في القرية ، وتوالت عودة كثير من الذين هاجروا منها إعماراً وزراعة، ليحل عهد جديد من الخضرة والنماء بسواعد شبابها الذين عقدوا العزم على أن يقولوا بأنه لا مستحيل تحت الشمس.
4
إن القرية التي هجرها سمارها منذ عقود، تبدو لولا جهود إعادة إعمارها هنا وهناك أنها هدف مستحيل للتنمية والحياة.. زحف هائل من أشجار الدوم والمسكيت التي غزت المكان منذ عام 1988، ونخل عجوز هرم عرّش حزنه واستطال عطشه وانعدم إثماره، اشجار كثيفة تسد مداخل القرية وطفيليات لا حصر لها تبدد شمل النائمين بما ينبعث منها من قوارض وحشرات، وكأنها ليست القرية التي كانت تأتيها في الستينيات فرق رش الجمكسين وإصحاح البيئة وقتل الناموس، وترتادها عربات الإسعاف حاملة شعار وزارة الصحة بأزيزها الموحي وخدماتها الشافية الكافية. لقد أنشأ أثر قيام السد واقعاً خطيراً هدّد حياة الأهالي في الأركي وعبر قرى منحنى النيل بغزو الأصلة والثعابين الضخمة وتعديها على أمن الناس والتهامها المريع لحيواناتهم التي طالما اعتمدوا عليها في اقتصادهم المعيشي.
5
مسؤولون كُثر سيدي الوالي تعاقبوا على هذه الولاية يهزون عصيّهم اللامعة ويهشون بها على جموع الجماهير ويدشنون بها الحملات التي لم يكن لهذه القرية أبداً منها نصيب. وهذه القرية صابرة تنتظر دعم القادرين على إتمام التنمية والتنبيه لمقتضيات الانتاج واحتياجات مناطقه بشراً وزرعاً وضرعاً. أنها قرية ترقد مطمئنة صابرة ليست بمبعدة من خاصرة جبل الصلاح كلناكول تشكو لطوب الأرض من أشجار شرسة غزت المكان وثعابين هائلة كثعابين سحرة موسى وأعجاز نخل منقعر وهرم سد المنافذ، وغابات مسكيت بغيضة عقدت على العزم على إلغاء القرية معنى وحاضراً. الأهالي لا حول مادي ولا تقني لهم ينتظرون قمحاً ووعداً وتمني في وطن كان من المأمول له وفيه ومنه أن يملأ بطون سكان العالم خيراً وعنبا وفرحاً..
فليكن للقرية في عصاتكم مآرب للتنمية والحياة فقد أقبل الناس على قريتهم بعزم أكيد فهل أنتم مقبلون؟ .. إن القرية تختنق والأرض الخصيبة في الانتظار لخدمات الإزالة والشتول والتقاوى والصحة العامة والطرق الترابية المناسبة فتعلو السنابل ويندثر الحزن والمسغبة والشكوى وطول الانتظار، إنهم يحتاجون لرفع طاقة محولهم الكهربائي إلى 200 حتى تصحو الأرض وتفيق السنابل من غفوتها بعد أن يحس الناس أن حولهم مسؤلون يدركون أن نهضة الشمالية تبدأ من إنسانها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..