مقالات وآراء

رجل الأمة مصطفانا

أحمد بطران عبد القادر

للكلمة أمانة وشرف وسلاح
للكلمة أمانة وشرف وسلاح فعال يتجاوز أثره مدى الزمان
هاتفني أخي وصديقي وزميلي بالدراسة في جامعة السودان متسائلاً: أين أنت؟
أجبت: في طريقي إلى الجامعة
قال: أنشا الله معاك ناس
فأجبت: بنعم
فنقل لي الخبر الفاجعة
الخبر المؤلم
انتقال العملاق *مصطفى سيد أحمد* إلى الرفيق الأعلى

فانهد كياني
وثقلت قدماي
وبكينا جميعاً
وخيم الحزن
وضاقت الأرض علينا بما رحبت
يومها زرفنا الدموع السخينة

واليوم
واليوم أكتب في زمن الحرب عن هذا الرجل
القامة الوطنية الصادقة
الرجل الأمة
الرجل الإنسان

وقلبي منفطر ومثقل بحزن نبيل
حزن يشبه صوتك يا مصطفانا
حزن لا يبكي على رحيل فنان طالما تجملت أماسينا بأغنياته الخالدة
بل يبكي على غياب وطن
وتوقف مشروع يحمل رؤية ومعنى مختلف

كان مصطفانا رجل إنسان
أحببناه بصدق
أحببنا كلماته وألحانه وكل اختياراته

رجل لم نستطع يوماً أن نفصل بينه وبين الحبيبة والحبيب الوطن
فقد تغنى للحبيبة كما تغنى للوطن
بنفس الرعشة ونفس الإحساس الذي نعيشه
ونفس الوجع الذي نعاني
ونفس القداسة التي كسوناها للوطن والحبيبة

من أغنياته تعلمنا أن الرمزية لا تأتي من كتب البلاغة
بل تستدعيها من دواخلك في لحظة ميلاد الفرح أو الحزن أو الخوف المكتف خيل الشرف

كان ود المقبول يحفر في ذاتك بخيال خصب
فتخرج الوردة من التراب
وتخرج قمر الزمان من السحاب
كما تخرج البنت الحديقة من صبر امرأة تنتظر ندى الميعاد

كانت رؤيته في اختياراته حميمة وعميقة
تجعلك تحب الوطن وتحب إنسانه وتحب نباته
وكل شيء فيه في معية مصطفى يزداد جمالاً وإشراقاً

أحببنا عم عبد الرحيم وشاركناه الحلم بثوب جديد رغم أنف الزمن وقساوته ومرارة الحرمان
لأم الحسن كما صبرنا معها على الحال الحزين
كما أحبنا سحنات أولادنا السمر لنمسح بهم أحزان الزمن

من كلماته تعلمنا ألا نقبل مساساً بالوطن ولا بأمجاده
لأن المساس بالوطن أضحى عندنا مساساً بالحبيبة
والمساس بالحبيبة مساس بالجمال
وكله مساس بالروح وبالثورة

يا مصطفى
يا مصطفى
ما بين الألف والياء عمر طويل
وعمرك أنت صار عندنا العمر كله فهو قنديل الحياة وفانوس النفوس
فأنت أصبحت المنهج الذي نقيس به الصدق
والبوصلة التي نعرف بها أين يقف الحق
وأين يختبئ الجمال
وكيف يكون الفن رسالة قدسية تجمل الحياة

وفي حوار صحفي متأخر معك قلت:
“ما زلت في بداية تجربتي الفنية… وما بين الألف والياء عمر طويل يغني للإنسان والإنسانية”

لم تكن هذه الجملة مجرد تعبير عن التواضع
بل كانت إعلاناً عن منهج فلسفي ورسالة تعبر عن مشروع وجودي ممتد
غايته تشكيل وعي الإنسان السوداني وربطه بثلاثية: *الوطن والجمال والثورة*

ومن هنا جاءت عداوة أشباه الرجال لك
دعاة المشروع الحضاري المزعوم الذي يعبر عن خواء روحي ومعرفي وفقر وقصور
فأنت بحسك الوطني الغيور أدركت باكراً أنه مشروع استبداد وفساد وقهر للآخر
بأدوات عنف ليس آخرها البندقية
المعلم والمتمرد
تخرجت يا مصطفى معلماً وظللت تعتز بذلك قائلاً:
“انتو قايلني جاي صعلوك؟ في النهاية ح أرجع للطباشيرة”

لكنك لم تعد إلى الفصل الدراسي الذي تحده أسوار الخوف
لكنك حوّلت المسرح والفضاء العام إلى فصول دراسية
والعود إلى طباشير
والجمهور كله إلى تلاميذ
وما زلنا ننهل من فيض حسك الدفاق
صراع المؤسسة
في واقعة تراجيكوميدية شهيرة ذهبت للتسجيل فوجدت الاستديو محجوزاً لمغنية لتسجل عشرين أغنية دفعة واحدة
وعرض عليك مدير الإذاعة التسجيل بشرط غناء “التش تش حلاوة لبن”
فرفضت وغادرت قائلاً: “سأغني للإذاعة حين تصبح ملكاً للشعب السوداني”
ونحن ما زلنا نحلم بجية النوارس في ذلك اليوم
يوم الفرح الكبير

هذا الموقف يكشف جوهر الصراع بين سلطة تريد تدجين الفن
وفنان إنسان يحمل رسالة الحرية والوعي والجمال

ثلاثية المشروع الفني
فقد بنيت مشروعك الفني على ثلاث ركائز متداخلة:

*الوطن كهم يومي*
كما في “عم عبد الرحيم” و”أم الحسن” اختزلت الوطن في معاناة المواطن البسيط
وقدمت تعريفاً شعبياً للتضامن والعرفان

*الوطن كجمال*
كما في ألبوم “البت الحديقة” 1995 بتوزيع الموسيقار يوسف الموصلي
قدمت خمس أغنيات صارت مدارس:
“البت الحديقة، وقمر الزمان، ويا ضلنا، وكوني النجمة، ولو كنت معايا”
قاومت القبح الرسمي بعبق الورود وضي القمر وسحنات أولادنا السمر

*الوطن كثورة*
للحرية والتحر
تؤس لواقع مرضي وتعيد تعريف الأشياء وتحفظ كرامة الإنسان
لذلك ختمت خلاصة تجربتك مع أدعياء المشروع الحضاري المزعوم بحكم قاطع:
“إن الفن والمسرح لن يزدهرا ما لم يسقط المشروع الحضاري”
كنت تقصد به مشروعاً سياسياً ثقافياً قائماً على احتكار الخطاب الديني وتسليعه وتسييس الذوق العام
شهادة الدوش
من عرفوا قدرك احتفوا بك في حياتك قبل الرحيل
وكان الشاعر الرجل الإنسان المشهور *عمر الطيب الدوش*
صاحب ملحمة “الساقية” التي تغنى بها الفنان الكبير *حمد الريح*
يرى فيك الامتداد الطبيعي لصوت الأرض والإنسان

وقد كانت أمنية الدوش أن تتغنى بـ “الساقية”
لما رآه فيك من صدق الرؤية وقدرة على حمل هموم الوطن والإنسان السوداني

أزمة الذوق المؤسسي
ظهرت أمامك في فعل لجنة إجازة النصوص بالإذاعة والتلفزيون
حيث أبرزت أدوات القهر عندما رفضت إجازة أغنية “يا ضلنا” للشاعر يحيى فضل الله
بحجة أن “الوقت لم يحن بعد ليستوعب المستمع هذا المستوى من الغناء”

هذا المنطق يكشف عقلاً معيارياً يتعامل مع المتلقي كقاصر
ومع الفن كقالب جامد
وهو ذات العقل الذي عرض عليك المقايضة بالأغنية الهابطة
التي تدلل على مستوى الانحدار الأخلاقي والانحطاط الذي وصلناه في زمن الهوس الديني

مصطفى في الجامعة – فضاء مقاومة
شكلت الجامعات السودانية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي ساحة صراع ثقافي وفكري حاد
ورفض صارم وحاسم للدولة الدينية التي شرعوا في فرض أدبياتها علينا
وهي ضد موروثنا الثقافي والاجتماعي وحتى الديني الذي نعرف

ومع سيطرة جماعات الهوس الديني على النشاط الطلابي في معظم الجامعات السودانية
أصبح من الصعب استضافة الأصوات المخالفة التي تغني للحرية والوعي والجمال
وتحمل رسالة ومضمون توقظ الشعب من غفوته وتعلي في ضميره قيم النضال

في هذا السياق كان *مسرح جامعة القاهرة فرع الخرطوم* ملاذاً للحرية
كنا نأتي بك لتغني لنا بصوتك الرخيم لنحيا
وتحيا فينا جزوة النضال

في تلك الليالي لم تكن تغني فقط
بل كنت تلقي محاضرة في معنى أن يكون الفنان حراً
التف حولك الطلاب والطالبات من كل التيارات
لأنك خاطبت فيهم ضمير الإنسان والضمير الحر

مأساة وطن
يوم 17 يناير 1996 لم يمت فنان
بل مات جزء من الوجدان السوداني وأنهد كيان الأمة

فقد خرجت الخرطوم عن بكرة أبيها تبكيك في عز وشموخ وحزن نبيل
وشارف بعض الشباب من محبيك على الانتحار تعبيراً عن فداحة الفقد
لكن تذكروا الرسالة والحلم
وأن الرواكيب الصغيرة تبقى أكبر من مدن
مدن الفرح لا مدن الخوف فعاد لهم الرشد وتعاهدوا علي إكمال المسير في مشوار الخلود

اعترف شعراء الثورة وطلاب الحقيقة بمكانتك وقدسيتك وأنك رجل أمة
فقد رثاك *أزهري محمد علي* كصديق ومعلم
وبكاك حتى أبكانا *محمد الحسن سالم حميد*
بكى الحزن النبيل الذي ترجم وجع الهامش
*عز الدين القُدال* نعى الصوت الذي لم يساوم

الإرث والسؤال المصطفوي
بعد هذه العقود العجاف منذ رحيلك
لا يزال أهل الثقافة والفكر والفن يحتفون بك
ويذكرون مآثرك ومفاخرك التي ما زلنا نتغنى بها شعراً وحكمة ونثراً

في المقابل ظهر نموذج من النجوم التي لا تملك في رصيدها عدد أصابع اليد من الأغنيات
لا كماً ولا كيفاً
ويحيط به البودي قاردات

الفارق هو الفارق بين الرسالة والقذارة
بين من يرى في الأغنية عمراً من الألف إلى الياء
وبين من يراها ترينداً مدته 15 ثانية

ولم يزل هنالك سؤال أخلاقي مطروح على كل من امتهن الفن حرفة:
هل تغني للوطن والجمال والثورة؟
أم تغني للتفاهة والقبح؟
وشتان ما بين من يبكيه الشعب ويشيعه بالدعوات
ومن يبكي منه الشعب ويشيعه باللعنات

*رحم الله مصطفى سيد أحمد “ود المقبول”*
لم تمت
أنت ما زلت تُدرّس في جامعة الوجدان السوداني
وما زلنا لا نأنس إلا بأغنياتك الخالدة وسيرتك العطرة
إلى رحاب الله في الخالدين

تعليق واحد

  1. شكراً أحمد بطران على هذا المقال ، ونسأل الله أن يبني للأستاذ مصطفى سيد أحمد عنده بيتاً في الجنة.
    إذا قصدت بـ “ودالمقبول” جد/لقب الراحل، الأستاذ مصطفى سيد أحمد فهذا شيء لا علم لي به ولكن إذا قصدت مكان الميلاد/المنشأ فاسمح لي أن أصحح المعلومة، فهو من قرية “ود سُلفاب” بجزيرتنا المِعطاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..