حادثة برمنغهام.. سقوط الرمزية الزائفة

عبدالرحيم محمد سليمان
الاعتداء على عمران عبدالله مستشار حميدتي فى برمنغهام اثناء الاحتفال باليوم العالمي لتراث وثقاقة البرقو الصليحاب يقراء فى اطار الصراع الوجودي بين الوهم ونظم القيم الاجماعية المتجذرة فى ثوابت الدين والتاريخ.
فعندما حضر عمران للاحتفال الذي كان يفترض ان يكون لوحة للسلام والتلاحم ، احتج الحضور وتعالت الاصوات وتحول الاستهجان الى اعتداء جماعي كاد ان يؤدي بحياته لولاء تدخل العقلاء.
وبديهي حدوث مثل هذا الموقف بالنظر الى طبيعة التركيبة النفسية والاجتماعية لمكون البرقو الصليحاب اعرق القبائل واكثرها جنوح للسلام والتسامح الاجتماعي،القبيلة التى لايحبذ ابناؤها الخوض في مستنقعات الصراعات القبلية والجهوية الضيقة ويترفعون عن حب الظهور والجري وراء الالقاب البراقة والزعامات المصطنعة،فالبرقو يُعرف عنهم الاتقان والامانة والتفاني العالي والاخلاص فى العمل العام بعيدا عن اضواء البهرجة ، متدينون بالفطرة وملتزمون بثوابت الاسلام التي تجعلهم ينظرون للسلطة نوع من الشقاوة والابتلاء العظيم لمن حملهما بغير حقهما ، وفي مقابل هذه السجايا النبيلة كان عمران عبدالله استثناء من القاعدة وحالة اوجدها اختلاط النسب فكان عطاء اللقيا هذا العمران البعيد عن الروح والوجدان الاصلي للبرقو الصليحاب وهو مايبرر محاولاته بشتى الطرق ان يكون اسم لامع ورمز تاريخي يتجاوز حجمه الحقيقي داخل القبيلة، متسلقا على اعتاب السلطة والسياسة (عبر بوابات التمرد)، متخندقا في هذه الصفوف التى لا تنسجم مع البنية الاخلاقية والروحية لمحيطه الاجتماع، لذلك فان ماحدث لعمران في برمنغهام ليس مجرد حادثة غضب عابرة، بل هو اسقاط عفوي لرمزية زائفة،لقد اثبت ابناء البرقو الصليحاب في المهجر ان الولاء للقيم والمبادئ يعلو على صلة الدم والقبيلة لاسيما حين يتعلق الامر بالمواقف المصيرية، وان من يسعى الى تنصيب نفسه زعيم على حساب ارث اهله وتاريخهم المسالم سينتهي به المطاف منبوذا ومكروها من نفس اهله قبل خصومه.




إن محاولة تفسير الاعتداء الذي وقع في برمنغهام على أنه “إسقاط عفوي لرمزية زائفة” أو أنه نتيجة طبيعية لصراع بين القيم والولاءات، هو تفسير يحمل إشكالات كبيرة، لأنه يخلط بين الاختلاف السياسي أو رفض المواقف العامة وبين شرعنة العنف وأخذ الحق باليد.
أولاً، يجب التأكيد على أن الحادثة وقعت في بريطانيا، وهي دولة تقوم على مبدأ راسخ هو سيادة القانون. ففي المجتمع البريطاني لا يُترك تقييم الأشخاص أو محاسبتهم للأفراد أو الجماعات مهما كانت مبرراتهم أو حجم غضبهم، بل تُترك هذه المهمة للمؤسسات العدلية المختصة. فالاعتراض على شخص أو موقف سياسي حق مشروع، أما الاعتداء الجسدي فهو جريمة لا يبررها انتماء قبلي أو موقف سياسي أو غضب جماعي.
ثانياً، المقال يحاول تقديم الاعتداء وكأنه تعبير عن “وعي جمعي” أو دفاع عن قيم اجتماعية، لكن هذا المنطق يحمل خطورة كبيرة؛ لأن أي جماعة يمكن أن تدّعي امتلاك الحقيقة أو تمثيل القيم ثم تستخدم ذلك لتبرير الاعتداء على الآخرين. المجتمعات المتحضرة لا تقاس بقدرتها على معاقبة من تختلف معهم، بل بقدرتها على ضبط النفس واحترام القانون حتى في لحظات الغضب.
ثالثاً، إذا كان هناك خلاف حول مواقف عمران عبدالله السياسية أو علاقته بأي جهة أو شخصية عامة، فإن الرد الطبيعي في دولة القانون يكون عبر النقاش، البيانات، النقد، المقاطعة، أو اللجوء إلى الجهات القانونية، وليس عبر الاعتداء. فالفكرة لا تُهزم بالضرب، والرأي لا يُواجه بالعنف، وإنما بالحجة والوعي والطرق السلمية.
رابعاً، إن محاولة ربط تصرف فرد أو موقف سياسي بقبيلة كاملة أو تصوير قبيلة بأنها صاحبة صفات أخلاقية مطلقة، ثم وصف شخص آخر بأنه “استثناء” أو نتيجة “اختلاط النسب”، هو خطاب يحمل تعميماً غير منصف ويعمق الانقسامات الاجتماعية. القبائل والمجتمعات تتكون من أفراد متنوعين، ولا يجوز استخدام الهوية الاجتماعية كسلاح لإدانة شخص أو تبرير الاعتداء عليه.
خامساً، من المفارقات أن المقال يتحدث عن قيم السلام والتسامح والتدين، بينما الاعتداء الجسدي يتناقض مع هذه القيم. فالقيم الحقيقية لا تظهر فقط عندما نتعامل مع من نتفق معهم، بل تظهر أكثر عندما نختلف مع من نرفضه. التسامح ليس أن نحترم من يشبهنا، وإنما أن نحتكم للقانون عندما نختلف مع الآخرين.
سادساً، في بريطانيا تحديداً، فإن من يعتقد أنه تعرض للإساءة أو أن شخصاً ما ارتكب فعلاً مخالفاً للقانون، فإن الطريق الصحيح هو الشرطة والمحاكم، وليس تشكيل “محكمة جماعية” في مكان عام. لأن السماح بهذا المبدأ يعني فتح الباب للفوضى، حيث يصبح الأقوى أو الأكثر عدداً هو صاحب الحق، وهذا يناقض جوهر الدولة الحديثة.
إن رفض أي شخص أو انتقاد مواقفه السياسية لا يحتاج إلى عنف، بل يحتاج إلى موقف واضح وحوار مسؤول. أما الاعتداء فهو لا ينتصر لقيمة ولا يحمي تراثاً ولا يدافع عن مجتمع، بل يضع مرتكبيه تحت طائلة القانون ويضر بصورة المجموعة التي يُنسب إليها الفعل.