مقالات وآراء

تجميع الكليات النظيرة في المدن الآمنة… رؤية عملية لإنقاذ جامعات دارفور

د . مهدي تاج الدين عبدالنور

لم تعد قضية جامعات دارفور مجرد أزمة تعليمية عابرة فرضتها الحرب، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية رأس المال البشري والحفاظ على استمرارية مؤسسات التعليم العالي في أصعب الظروف. فالحرب التي اندلعت في السودان منذ عام 2023 ألحقت أضراراً جسيمة بجامعات الإقليم، حيث تعرضت المباني للتدمير والنهب، ونزح آلاف الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعاملين، الأمر الذي أدى إلى تعطيل العملية التعليمية وحرمان أعداد كبيرة من الشباب من مواصلة تعليمهم الجامعي. وقد اضطرت وزارة التعليم العالي إلى نقل عدد من جامعات دارفور إلى ولايات آمنة حتى تستمر الدراسة بصورة مؤقتة.
ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن المرحلة الراهنة تتطلب التفكير في حلول أكثر كفاءة واستدامة، ومن أبرزها مشروع تجميع الكليات النظيرة التابعة لجامعات دارفور المختلفة داخل مجمعات أكاديمية مشتركة في المدن الآمنة، بما يحقق الاستخدام الأمثل للموارد ويضمن استمرار العملية التعليمية بأقل تكلفة ممكنة.
إن المقصود بتجميع الكليات النظيرة هو أن تدرس جميع كليات الطب التابعة لجامعات دارفور في مجمع طبي واحد، وجميع كليات الهندسة في مجمع هندسي واحد، وكليات الزراعة في مجمع زراعي، وكليات التربية والآداب والاقتصاد والقانون والعلوم في مجمعات متخصصة، مع احتفاظ كل جامعة باستقلالها الإداري وأساتذتها ولوائحها الأكاديمية وشهاداتها الجامعية.
ويمثل هذا النموذج أحد أكثر الحلول واقعية في ظل الظروف الحالية، إذ يتيح الاستفادة المشتركة من القاعات الدراسية والمعامل والمكتبات والمستشفيات التعليمية والورش الهندسية، بدلاً من تكرار إنشاء البنية التحتية لكل جامعة على حدة، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة.
كما يسهم هذا النموذج في معالجة النقص الحاد في أعضاء هيئة التدريس، حيث يمكن للأساتذة تقديم المحاضرات لطلاب أكثر من جامعة داخل المجمع نفسه، مع تنظيم الجداول بصورة تحقق العدالة والكفاءة. كذلك يتيح إنشاء معامل ومراكز بحثية ذات مستوى أفضل، لأن تجميع الإمكانات المالية والبشرية يرفع من جودة البيئة الأكاديمية.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن إنشاء مجمعات مشتركة يقلل بصورة كبيرة من تكاليف التشغيل، سواء في الجوانب الإدارية أو الخدمات أو الصيانة أو الأمن أو النقل، ويوجه الموارد المحدودة نحو تحسين جودة التعليم بدلاً من تكرار الإنفاق على مرافق متشابهة.
أما بالنسبة للطلاب، فإن هذا النظام يوفر بيئة جامعية أكثر استقراراً وأمناً، ويضمن انتظام الدراسة وتقليل فترات التوقف، فضلاً عن توسيع فرص التفاعل العلمي بين طلاب الجامعات المختلفة، الأمر الذي يعزز روح المنافسة والتبادل الأكاديمي.
وليس المقصود من هذا المقترح إلغاء هوية جامعات دارفور أو دمجها في جامعة واحدة، وإنما هو دمج وظيفي مؤقت في استخدام البنية التحتية، إلى أن تسمح الظروف الأمنية بعودة كل جامعة إلى مقرها الأصلي بعد إعادة الإعمار. وقد أثبتت تجربة استضافة بعض الجامعات السودانية لجامعات دارفور خلال الحرب أن التعاون المؤسسي يمكن أن يحافظ على استمرار الدراسة رغم الظروف الاستثنائية.
ولإنجاح هذه المبادرة، ينبغي أن تتولى وزارة التعليم العالي إنشاء لجنة عليا تضم مديري جامعات دارفور وخبراء التخطيط الأكاديمي والهندسي، تتولى إعداد خارطة للكليات النظيرة، واختيار المدن المستضيفة، ووضع خطة موحدة لاستخدام القاعات والمعامل، وتنظيم الجداول الدراسية، وتوفير السكن الجامعي، مع الاستفادة من التعليم الإلكتروني في المقررات النظرية.
كما أن نجاح المشروع يتطلب دعماً من حكومة السودان، وحكومات الولايات المستضيفة، والقطاع الخاص، والمنظمات الدولية المهتمة بالتعليم، باعتبار أن الاستثمار في الجامعات هو استثمار مباشر في مستقبل السلام وإعادة الإعمار والتنمية.
إن مستقبل دارفور لن يُبنى بالسلاح وحده، بل سيبنيه الطبيب والمهندس والمعلم والباحث والاقتصادي الذين يتخرجون من جامعاتها. وكل يوم يتأخر فيه استقرار التعليم العالي هو خسارة جديدة للوطن وللإقليم. ومن هنا فإن إنشاء مجمعات للكليات النظيرة في المدن الآمنة يمثل حلاً عملياً وواقعياً، يحافظ على مؤسسات التعليم العالي، ويمنع ضياع أجيال كاملة، ويهيئ الجامعات للعودة إلى ديارها فور استقرار الأوضاع، لتكون شريكاً أساسياً في إعادة إعمار دارفور والسودان بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..