نصيحة لأبنائنا من الجنسين .. من هم في العشرينات من العمر او أقلّ !!

سيد محمود الحاج
نصيحة من شيخ تجاوز السبعين ، فأنا و من هم في سنّي قد لا تطأ أقدامنا أرض الوطن ثانية ما دمنا متنقلين بين المنافي ، و قد نُقبر فى ثرىً غير ثرى أرضنا الطيبة ما بقيت نار هذه الحرب مستعرة ، الحرب التي كلما سعت أطراف لإخماد جذوتها ، إنبرت رُسل الشرّ لتصبّ مزيداًمن الزيت عليها حتى لا تنطفىء ، ففي النار حياة لأولئك و في السلام فناءهم .. و من هنا يصعب التكهن بنهاية هذا الإقتتال ، لكن لا ريب أنّ لكل شيء نهاية مهما طال بقاؤه ،و هذا قانون الطبيعة ، فلا شيء يدوم و لا شيء يبقى على حاله مهما طال به الأمد ، فالصخر يتصدّع و الحديد يبلى و الأنفس تذوي .. نعم ستقف الحرب سوى بإنتصار طرف على آخر او بهزيمة كليهما ، و نأمل نهاية الشرّ عاجلاً و ليس آجلاً !!
فلتعلموا يا أيها الأبناء أن جيلنا و أجيال سبقتنا و أخرى بعدنا ، هي أجيال مغيّبة و عمياء لا ترى النور إلّا من خلال زاوية ضيّقة جدا ، حدّدها من أراد لهم ألّا يروا غير ما يرى !! و برغم ما ناله البعض منّا من علم إلّا أن الوعي قد غاب عنّا تماما بفعل الموروثات التي شكّلت عقليتنا و ثقافتنا و التي جعلت أيدي الأسياد ممدوةً لتقبيلها .. تلك الأيدي التي لا تعطي شيئاً لكنها تأخذ كل شيء .. و في هذا تساوى المتعلم منّا و الجاهل و العاقل و غير العاقل . فلئن وجدنا للجاهل عذراً ، فأي عذر نجده لمن تعلّم و ما الذي جعله في هذا الوضع غير نفوذ القبيلة و الشيوخ و الأسياد الذين جعلوا أنفسهم أوصياء علينا في عتمة عقولنا ليصبحوا أسياداً بلا سؤدد و شيوخاً يجهلون عن الدين أكثر مما يعرفونه .. إستغلوا الجهل في زمان كان فيه من يعرف حرفاً و كأنه أوتي الدنيا بحذافيرها .. و من هذا المنطلق سار ركبهم في فراغ العقول ، فأصبحت الكلمة كلمتهم و القرار قرارهم ، يتماهون مع كل حاكم حتى لو كان مستعمراً .. يقدسونه و يسبحون بحمده و يضربون له الطبول ، و ما على الأتباع و الرعية سوى الخضوع و الإنحناء له كما هم منحنون .. و قد ظللنا و للأسف نسير في ذات الطريق بلا وعي ، غير مدركين حقيقة أن غياب الوعي و الظلام سيّان ، وهكذا ضللنا الطريق فأضعنا حقوقنا و كدنا أن نضيّع وطناً أعطانا كل شيء دون أن نبادله ذرة عطاء ، بل على النقيض ، فقد ظللنا نقتطع من جسده لأجل تحقيق مصالحنا الشخصية سُلطة كانت أم جاهاً أم غير ذلك !!
نصيحتي لكم يا أجيال الغد ، و أنتم من ينتظره الوطن للأخذ بيده و أنتشاله من بين الركام .. أنصحكم بأن تتسلحوا بالوعي وحده .. لا بالبنادق و لا البيادق ، فالمجد يؤتى بالوعي و العلم ، و العزّة تؤتى بوحدة الصّفوف و الصمود أمام الباطل، و صعود القمم يتطلّب نكران الذات و التسلّح بالقيم و المُثل العليا ، و في جميعها يبقى الوعي هو القاسم المشترك فبدونه يتساوى العلم و الجهل كما يتساوى النور و الظلام … ألقوا بعيداً بكل موروث وجدتموه ، فما ترثونه منّا سُمٌ زعافٌ و إن كانت رائحته كالمسك او كان لونه كألوان الورود او كان مذاقه عسلاً ، و هذا ما قتلنا و نحن أحياء ، فلا نريد لكم أن تسيروا على ذات النهج الخاطىء الذي لن يوصلكم للوجهة التي نريد لكم الوصول إليها .. تلك التي توصلكم إلى وطن يتساوى فيه الجميع .. وطن لا يرتفع فيه صوتٌ غير صوت الإلفة و التآلف فلا يُسمع فيه للكراهية و العنصرية صوتاً ، فنحن أبناء السودان .. السودان صاحب الإسم فلا البيضان و لا الحمران .. نعم السودان و هذا إسمٌ أطلقه علينا العرب لا المستعمر التركي و لا البريطاني و هو خطٌ فاصل بيننا ينبغي عليكم أن تعوه تماما .. فالإسم كان صفة تميّزنا دونهم إلّا أنّ بعضنا أصرّ و مازال يصرّ على أنهم من نسل لا يُعلى عليه على الرغم من أنّ بشرتنا و صفاتنا و ثقافتنا تثبت غير ذلك !!
نحن ماضون و نتمنى أن يمضي في ركبنا كل موروثاتنا غير الحميدة و ألّا يبقى منها شيء حتى لا يعكّر صفو الحياة التي نتمناها لكم .. حياة تجعل كلاً منكم يتقبّل الآخر و تذوب فيها كل الخلافات… تخالطوا و تمازجوا و انصهروا في بوتقة واحدة إسمها السودان .. تناسوا المرائر السابقة .. ضعوا كل الموروثات في الغربال و خذوا منها ما يروقكم و ما ترونه مناسباً و ألقوا بعيداً بكل ما يتخلف على سطح الغربال .. كوّنوا أحزاباً جديدةً و حبّذا لو كان حزباً واحداً إسمه الوطن .. ألقوا بعيداً بأشعارنا و أغانينا و نثرنا المنثور و كل ما لا يتناسب مع سودانكم الجديد .. تحرروا تماما من تلك العاطفة الهوجاء و أجعلوا العقل والوعي من يقودكم .. أنزعوا صورة القبيلة و القبلية و مرادفاتها و ضعوا في إطارها صورة الوطن الواحد.. ساعتها ستقفون على حقيقة المواطنة و ستنعمون بخيرات الوطن الوفيرة .. زرعٌ و ضرعٌ .و ماءٌ و أرضٌ لو غُرس فيها الحجر لأنبت قمحاً و وعدا و تمنّي ، فهي أرضٌ حُبلى بكنوز تتوق لمثلها كافة الأمم .. لا تلتفتوا إلى الوراء و لو مسافة شبر ففي كل شبر تتخطّوه تكمن حيّة تعيق سيركم صوب الفجر و في كل شبر أمامكم خير و بركة وضياء باهر ينتظر مقدمكم … لا تذكروا من سيرة جيلنا و ما سبقه و ما بعده شيئاً حتى لا تنتقل إليكم عدوى الخنوع و الخضوع و الخوف من قول الحقيقة فجرثومة كل وباء لم تزل تسبح في دمنا .. و أحذروا ثم أحذروا مكر و خداع كل من يأتي ليستعطفكم بإسم الدين و لا أشك في أنكم في حاجة لوصيتي بعد أن بتّم على يقين بأن فاقد الشيء لا يعطيه !!
و ختاماً لا نملك إلّا أن ندعو لكم بالتوفيق و السداد و أنتم تسيرون صوب الفجر الجديد لبناء سودان تستحقونه و يستحقّكم و تفخرون به و يفخر بكم و معاولكم تنهال على رذايا الأمس فلا تبقي منها شيئا !!




كفيت و وفيت وربنا يطول عمرك ويحفظك وتشهد سوداننا المنشود يقوده ويتقدمه شبابنا متسلحين بالعلم والوعي بعيدا عن الغيبيات والموروث القاتل
تسلم يا الشاعر و ليت ذلك يلقى آذاناً صاغية من جيل الغد ولك شكري و تقديري