مقالات وآراء

السودان ليس مجنونا

م. معاوية ماجد

في فضاء تتقاطع فيه إرادة الفعل مع قصور الإدراك، يبدو السلوك السياسي للوهلة الأولى أكثر عبثا مما يحتمل. قرارات تقود إلى نتائج كارثية، مواقف تستمر رغم ما يحيط بها من أدلة تناقضها، وحروب يعرف الجميع كلفتها ولا يبدو أحد قادرا على إيقافها. ومن الخارج، يسهل أن تبدو المسألة وكأنها عجز عن التفكير، أو غياب للعقل، أو استسلام لنزوات القوة والمصلحة. لكن النظر قليلا إلى ما يحدث داخل العقل يقود إلى صورة أكثر تعقيدا، وربما أكثر إزعاجا: قد لا يكون الإنسان غير عقلاني كما يبدو، وإنما قد يكون عقلانيا داخل حدود ضيقة صنعتها قدراته المحدودة والبيئة التي يتحرك فيها.
هذه الفكرة، التي تقف في قلب التحولات الحديثة في فهم العقل والسلوك السياسي، تنطلق من حقيقة بسيطة: الإنسان لا يملك معلومات كاملة، ولا وقتا غير محدود، ولا قدرة ذهنية تسمح له بفحص كل الاحتمالات ومقارنة كل النتائج الممكنة قبل أن يختار. ولذلك فإن عقلانيته ليست عقلانية الكائن الذي يرى العالم كله من أعلى، وإنما عقلانية كائن محدود المعرفة والوقت والموارد، يحاول أن يصل إلى أفضل ما يستطيع الوصول إليه داخل البيئة التي وجد نفسه فيها.

في السياسة تصبح هذه الحدود أكثر قسوة. فالقرار لا يصدر عن عقل منفرد يواجه واقعة واضحة، وإنما عن فاعل محاط بمعلومات متضاربة، ومصالح متعارضة، وضغوط، وخصوم، وذكريات، ومخاوف، وحسابات تتغير باستمرار. وما يبدو من الخارج خيارا واضحا قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى من يقف داخل المشهد. فالفاعل لا يختار من بين جميع البدائل الممكنة، وإنما من بين البدائل التي يستطيع رؤيتها وتفسيرها وتحمل كلفتها.

ومن هنا تبدأ أهمية النظر إلى الحالة السودانية من زاوية مختلفة. فالمشكلة ليست فقط أن بعض الفاعلين اتخذوا قرارات خاطئة، ولا أن بعضهم يفتقر إلى المعلومات، وإنما أن كل قرار اتخذ في بيئة محددة غيّر بدوره البيئة التي سيأتي فيها القرار التالي. الحرب لا تستهلك الموارد والأرواح وحدها؛ إنها تضيق مساحة الاختيار، وتعيد ترتيب المصالح، وتنتج مخاوف جديدة، وتخلق وقائع يصبح على الجميع التعامل معها باعتبارها معطيات قائمة، حتى لو كانت في الأصل نتائج لقرارات سابقة.
وهكذا يمكن لقرار كان في لحظة ما استجابة لخطر محدد أن يصبح بعد فترة قيدا على القرار التالي. كل خطوة تضيق مجال الحركة أكثر، وكل تنازل يصبح أكثر كلفة، وكل تراجع يمكن أن يفسر بوصفه هزيمة، وكل محاولة لإعادة النظر في الموقف قد تهدد صورة الفاعل عن نفسه وعن الجماعة التي يمثلها. فيجد العقل نفسه لا يتعامل مع واقع مفتوح، وإنما مع واقع ساهمت قراراته السابقة في بنائه.

لهذا لا يكفي أن نقول إن أطراف الصراع كانت تملك خيارات أخرى. فالخيار الموجود نظريا قد لا يكون موجودا فعليا داخل النموذج الذهني للفاعل، وقد لا يكون قابلا للتنفيذ داخل البيئة التي يتحرك فيها، وقد يبدو أكثر خطرا من الاستمرار في الطريق الذي يسير فيه. وما يراه المراقب من الخارج بديلا واضحا قد لا يظهر للفاعل من الداخل بوصفه بديلا حقيقيا.
لكن العقل لا يتعامل مع الواقع مباشرة. إنه يتعامل مع صورة يبنيها عنه. هذه الصورة تتشكل من التجربة والذاكرة والمصلحة والخوف والانتماء والمعلومات التي تصل إلى الإنسان، والطريقة التي تعلم بها تفسيرها. ومع الوقت تتحول هذه العناصر إلى نموذج ذهني يصبح بمثابة خريطة يتحرك داخلها الفرد، فيرى بعض الأشياء بوضوح، ويضع أخرى في الهامش، ويمنح أحداثا معينة أهمية استثنائية، بينما تبدو له أحداث أخرى ثانوية أو غير ذات صلة.
وهذا ما يجعل امتلاك المعلومات وحده غير كاف. فقد يمتلك شخصان المعلومات نفسها ولا يصلا إلى النتيجة نفسها، لأن كل واحد منهما يضع المعلومات داخل إطار مختلف يمنحها معناها. المعلومة لا تتحدث وحدها؛ النموذج الذهني هو الذي يحدد ما إذا كانت دليلا على الخطر أو دليلا على الطمأنينة، مؤشرا على الخيانة أو نتيجة طبيعية للصراع، خطوة نحو الدولة أو خطوة نحو الاستحواذ عليها.

في السودان، تراكمت خلال عقود نماذج ذهنية متنافسة حول الدولة والسلطة والجيش والمجتمع والهوية. ولم تبق هذه النماذج أفكارا مجردة، بل تحولت إلى طرق عملية لفهم الواقع وتحديد موقع الذات داخله. ولذلك لم تعد الدولة تعني الشيء نفسه للجميع، كما لم تعد الوطنية أو الديمقراطية أو الجيش أو المدنية مفاهيم تحمل الدلالة نفسها عند الجميع.
قد يكون الجيش، داخل نموذج ذهني معين، حارسا للدولة، بينما يظهر داخل نموذج آخر بوصفه مؤسسة استحوذت على الدولة وأعاقت تحولها الديمقراطي. وقد يظهر الدعم السريع لدى فئة باعتباره نتاجا لواقع اجتماعي وسياسي مهمش، بينما يظهر لدى فئة أخرى باعتباره تهديدا مباشرا لفكرة الدولة نفسها. ويمكن أن تتحول المدنية من مشروع لبناء دولة جديدة إلى، في نموذج ذهني آخر، غطاء لإقصاء تيار سياسي أو تفكيك مؤسسات قائمة.
ليس المقصود هنا مساواة هذه التصورات، ولا اعتبارها صحيحة بالقدر نفسه، وإنما فهم الطريقة التي يعمل بها العقل السياسي. فالفاعل لا يتصرف استنادا إلى الواقع المجرد، وإنما إلى الواقع كما يظهر داخل نموذجه الذهني. ولذلك فإن تصحيح المعلومة لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الموقف إذا كان النموذج الذي يستقبلها قادرا على إعادة تفسيرها بما ينسجم مع بنيته السابقة.
وهنا يصبح السودان الواحد سودانات متعددة داخل السودان نفسه. السودان الذي يراه العسكري قد يختلف عن السودان الذي يراه المدني، والسودان الذي يراه الإسلاموي يختلف عن السودان الذي يراه خصمه، والسودان الذي تشكل في وعي المركز قد لا يكون هو السودان الذي عاشته الأطراف، والسودان الذي خرج من تجربة جيل الثورة ليس بالضرورة هو السودان الذي تشكل في ذاكرة أجيال الانقلابات والحروب.

ومع الحرب، لا تبقى هذه النماذج ثابتة، بل تبدأ في تغذية نفسها. الحدث يؤكد النموذج، والنموذج يعيد تفسير الحدث، ثم تأتي الأحداث الجديدة لتمنح النموذج مزيدا من الأدلة التي تبدو، من داخله، مؤكدة لصحته. وهكذا تتكون دائرة مغلقة يصبح فيها الخصم، كما تتصوره أنت، سببا في سلوكه كما تراه، ويصبح سلوكه بدوره دليلا على صحة تصورك عنه.
في هذه البيئة لا تعود المعلومات المشتركة كافية لصناعة واقع سياسي مشترك، لأن المشكلة لم تعد في غياب المعلومات وحده، وإنما في غياب الإطار المشترك الذي يمنحها المعنى نفسه. يصبح الخبر أكثر من خبر؛ يصبح دليلا يضاف إلى سردية كاملة. وتصبح الصورة أو الشائعة أو التصريح جزءا من بناء ذهني أوسع يحدد مسبقا ما الذي يمكن تصديقه وما الذي يجب رفضه.
لكن العقل السياسي لا يعيش منفردا. فالإنسان لا يستطيع أن يتحقق بنفسه من كل معلومة، ولا أن يفحص كل ادعاء، ولذلك يعتمد على شبكة من الوسطاء: المؤسسات، والإعلام، والأحزاب، والخبراء، والشخصيات العامة، والجماعات التي ينتمي إليها. هؤلاء لا يقدمون المعلومات فقط، وإنما يساعدون الفرد على تحديد ما يستحق الثقة وما يستحق الشك.

ولهذا فإن كفاءة المواطن السياسية لا تتعلق بكمية المعلومات التي يمتلكها وحدها، وإنما بوجود بيئة مؤسساتية تساعده على استخدام المعلومات بصورة معقولة. لا يحتاج المواطن إلى أن يكون خبيرا في الاقتصاد والدستور والعلاقات الدولية والشؤون العسكرية حتى يتخذ موقفا معقولا؛ يحتاج إلى مؤسسات تجعل المعلومات قابلة للتحقق، وتكشف مصالح المتحدثين، وتكافئ الصدق، وتعاقب التضليل، وتمنح المصادر درجات يمكن تمييزها من المصداقية.
وهنا تظهر واحدة من أعمق مشكلات الحالة السودانية. فالمؤسسات التي يفترض أن تكون مصادر للثقة ظلت، في نظر قطاعات واسعة، موضع نزاع أو شك، ثم جاءت الحرب لتدفع هذا الانهيار إلى أقصى مداه. الإعلام فقد كثيرا من قدرته على أداء وظيفة الوسيط، والمجال العام امتلأ بمصادر متنافسة للمعلومة، لكل منها جمهورها وروايتها ومصلحتها. ومع انهيار المرجعيات المشتركة، لم تعد المشكلة فقط في أن الناس لا يعرفون، وإنما في أنهم لا يعرفون من يصدقون.
وهذه نقطة تغير طبيعة الصراع. فعندما يفقد المجتمع مصادره المشتركة للثقة، لا يعود الخبر الذي يصل إلى الناس مادة خاما يفكرون فيها، وإنما يصبح جزءا من معركة بين مصادر مختلفة للمصداقية. لا يتعامل الإنسان مع المعلومة وحدها، بل مع هوية من نقلها، وانتمائه، وتاريخه، وموقعه من الصراع. وهكذا تصبح هوية المصدر نفسها معلومة، وقد تصبح في بعض الأحيان أكثر تأثيرا من مضمون الرسالة.

من هنا تصبح الدعاية أكثر من محاولة لإقناع الناس بموقف معين. إنها محاولة لإعادة ترتيب خريطة الثقة نفسها: من يستحق أن يسمع، ومن يستحق أن يصدق، ومن يجب أن يشك فيه. وعندما تنجح الدعاية في ذلك، فإنها لا تحتاج إلى السيطرة على كل المعلومات؛ يكفي أن تتحكم في البوابة التي يمر عبرها تفسير المعلومات.
وهذه البيئة المعرفية لا تترك العقل باردا. فالإنسان يدخل إلى السياسة محملا بذاكرته وتجربته وخوفه وغضبه وأمله وشعوره بالانتماء والكرامة. وما يشعر به تجاه حدث أو جماعة أو شخص يمكن أن يصبح جزءا من الطريقة التي يفسر بها ذلك الحدث أو تلك الجماعة أو ذلك الشخص. العاطفة لا تقف دائما خارج التفكير، وإنما يمكن أن تصبح واحدة من المعلومات التي يستخدمها العقل في التعامل مع عالم معقد.

في مجتمع يعيش حربا طويلة، تصبح هذه المسألة أكثر قسوة. فالخوف من القتل، وتجربة النزوح، وفقدان المنزل، وموت الأقارب، والإهانة، والشعور بالعجز، والخوف من المستقبل، لا تبقى كلها في الماضي. إنها تتحول إلى ذاكرة عاطفية ترافق الإنسان في قراءته للأحداث الجديدة. ومع تكرار الصدمة، يصبح الإحساس بالخطر جزءا من طريقة تفسير الواقع نفسه.
قد لا يحتاج الإنسان، في مثل هذه الظروف، إلى معرفة كل تفاصيل حدث سياسي حتى يتخذ موقفا منه. يكفي أحيانا أن يربطه بتجربة سابقة أو بصورة ذهنية مستقرة أو شعور عميق بالخطر. كلمة واحدة أو صورة أو خبر عن جماعة معينة يمكن أن يستدعي شبكة كاملة من المشاعر والذكريات، فتصل الرسالة إلى العقل محملة مسبقا بمعنى يجعل بعض المعلومات مقنعة وبعضها الآخر مرفوضا قبل أن تبدأ عملية الفحص التفصيلي.
هكذا تصبح العاطفة نوعا من الاختصار المعرفي. إنها تختزل كمية ضخمة من التجارب في استجابة سريعة: هذا آمن، وهذا خطر؛ هذا يمكن الوثوق به، وهذا يجب الحذر منه؛ هذا يمثلني، وهذا يهددني. وفي الظروف العادية قد تساعد هذه الآلية الإنسان على التعامل مع عالم معقد يفوق قدرته على التحليل المستمر. لكن في بيئة مشبعة بالخوف والاستقطاب، قد تتحول الآلية نفسها إلى جزء من المشكلة، لأن الإشارة العاطفية التي تساعد على اتخاذ القرار قد تكون مبنية على تجربة حقيقية، لكنها لا تكون بالضرورة دليلا كافيا على الواقع الجديد.
وعندما ترتبط العاطفة بالهوية، يصبح الأمر أكثر تعقيدا. فالإنسان لا يدافع فقط عن رأي يعتقد أنه صحيح، وإنما قد يدافع عن جماعة يرى نفسه جزءا منها، وعن كرامة يعتقد أن التراجع عنها إهانة، وعن ذاكرة يرى أن التخلي عنها خيانة. عندها لا يعود الرأي السياسي مجرد موقف قابل للمراجعة، بل يصبح جزءا من تعريف الذات. والأدلة التي تناقضه لا تهدد الفكرة وحدها، وإنما تهدد الصورة التي يرى بها الإنسان نفسه.

كلما ازداد ارتباط الإنسان بموقفه، لم يعد تعامله مع المعلومات محايدا. لا تعود المعلومة مجرد مادة جديدة يمكن أن تغير رأيه، وإنما تصبح جزءا من معركة داخلية بين ما يعرفه وما يريد أن يظل مؤمنا به. الخبر الذي ينسجم مع موقفه يمر بسهولة، أما الخبر الذي يناقضه فيحتاج إلى تفسير، وقد يجد العقل عشرات الطرق لإعادة تأويله أو التشكيك في مصدره أو وضعه داخل سياق يجرده من أثره.
في السياسة السودانية أخذت هذه الآلية شكلا أكثر حدة لأن الحقيقة نفسها أصبحت جزءا من الصراع. لم يعد كل طرف يحتاج فقط إلى إقناع الآخرين بروايته، بل يحتاج إلى إقناع جمهوره بها باستمرار حتى يحافظ على تماسكه الداخلي. لذلك تحولت الأخبار والصور والتصريحات والانتصارات والخسائر، وحتى الشائعات، إلى مواد يعاد ترتيبها داخل روايات أكبر تمنح الصراع معنى وتبرر استمرار الموقف.
وهكذا يمكن للواقعة نفسها أن تصبح دليلا على أشياء متناقضة بحسب النموذج الذي تستقبل من خلاله. الانتصار يصبح دليلا على قرب الحسم لدى طرف، ودليلا على ضرورة التصعيد لدى الطرف الآخر. والخسارة تصبح مؤشرا على انهيار الخصم في رواية، ونتيجة لخيانة أو نقص في الدعم في رواية أخرى. في الحالتين لا تعمل الواقعة وحدها؛ الذي يمنحها معناها هو البناء الذهني الذي تدخل إليه.
لهذا لا يؤدي تراكم الأدلة دائما إلى تقارب المواقف. في البيئات المستقرة يمكن للمعلومة الجديدة أن تصحح التقدير السابق. أما في البيئات شديدة الاستقطاب فقد تؤدي المعلومة نفسها إلى مزيد من الاستقطاب، لأن الإنسان يشعر أن اعتقاده مهدد، فيزداد بحثه عن الأدلة التي تحميه، وكلما ازداد بحثه ازدادت ثقته بأن اعتقاده صحيح.
عند هذه النقطة يصبح الحوار السياسي أكثر من تبادل للحجج. فالحوار يفترض، في أبسط شروطه، استعدادا لأن تسمح المعلومات بتعديل المواقف. أما عندما تصبح المواقف مرتبطة بالهوية والوجود والمصلحة والخوف، فإن القدرة على تغيير الرأي تتحول إلى مخاطرة. قد يستمع الإنسان إلى الحجة ويفهمها، وربما يعترف بجزء من صحتها، ثم يعود إلى موقفه الأول، لا لأن الحجة لم تصل إليه، وإنما لأن كلفة قبولها أصبحت أكبر من كلفة رفضها.
فالفاعل لا يسأل فقط عما هو صحيح، وإنما عما سيحدث له إذا تصرف على أساس ما يعتقد أنه صحيح. القرار الذي قد يكون عقلانيا في ذاته قد يصبح غير عقلاني سياسيا إذا أدى إلى فقدان النفوذ أو انقسام القاعدة أو التعرض للخطر أو الظهور بمظهر المهزوم. وفي الحرب تصبح هذه الحسابات أكثر قسوة، لأن الخطأ لا يعني خسارة سياسية فحسب، وإنما قد يعني فقدان الأرض أو السلاح أو الحماية أو حتى الحياة.

لهذا فإن استمرار الحرب لا يمكن تفسيره فقط بوجود أطراف تريد الحرب. أحيانا يكفي أن تكون كلفة التراجع أعلى من كلفة الاستمرار بالنسبة إلى الفاعل. وعندما تتوزع هذه الحسابات بين أطراف متعددة، يصبح كل طرف قادرا على تبرير استمراره بأنه ينتظر اللحظة التي تجعل التراجع أقل خطرا، بينما ينتظر الطرف الآخر اللحظة نفسها. وهكذا يتحول الانتظار إلى استمرار، والاستمرار إلى واقع جديد، والواقع الجديد إلى سبب إضافي لمواصلة الصراع.
هذه إحدى النقاط التي تجعل العقلانية المقيدة مفيدة في قراءة السودان. فالعقل لا يختار بين الحرب والسلام في فراغ، وإنما يختار بين كلفتين كما يراهما في لحظة معينة. وإذا بدا له أن السلام يحمل خطرا أكبر من استمرار الحرب، فإن استمرار الحرب يصبح، من داخل حساباته، الخيار الأكثر عقلانية، حتى لو كان يؤدي في المدى الأبعد إلى تدمير الشروط التي يحتاج إليها الجميع.
المشكلة أن كل طرف يحسب كلفته الخاصة، بينما لا يوجد عقل واحد يحسب الكلفة السودانية الكلية. ما يبدو مكسبا لطرف في لحظة معينة قد يكون خسارة للدولة، وما يبدو حماية لمصلحة جماعة قد يؤدي إلى إضعاف البيئة التي تحتاج إليها الجماعة نفسها للبقاء. وهكذا تتراكم عقلانيات جزئية تنتج لا عقلانية كلية.

عند هذه اللحظة يتحول الصراع من مجموعة قرارات منفصلة إلى نظام ينتج نفسه بنفسه. قرارات كل طرف، التي يتخذها استجابة لمخاوفه ومصالحه، تغير البيئة التي يتخذ فيها الآخرون قراراتهم. يعيد هؤلاء حساباتهم، فتتغير البيئة مرة أخرى، ويعود الطرف الأول إلى حسابات جديدة. لا يعود أحد يختار من نقطة البداية، بل يختار داخل واقع صنعته اختيارات الجميع.
ومن هنا يصبح الخروج من الحرب أصعب كلما طال أمدها. فالحرب لا تستهلك الموارد فقط، وإنما تعيد تشكيل العقول والمصالح والهويات والعلاقات. تنشأ حولها شبكات من المستفيدين والخائفين والمتضررين، وتتكون روايات تبررها، وتتراكم ذاكرة جديدة تجعل التراجع أكثر تعقيدا. ومع الوقت لا يصبح الخروج من الحرب مجرد قرار بوقف القتال، وإنما محاولة لتفكيك البيئة التي جعلت القتال خيارا قابلا للتبرير.
الدولة ليست مجرد مؤسسات ومبان وقوانين، وإنما هي أيضا بيئة سياسية ومعرفية وأخلاقية يتعلم داخلها الناس كيف يتعاملون مع الاختلاف، ومن يثقون به، وكيف تحسم النزاعات، وما الذي يجعل السلطة مشروعة، وما الذي يجعل الخسارة مقبولة، وما الذي يسمح للفاعل بأن يتراجع دون أن يفقد كل شيء.

وحين تفشل الدولة في إنتاج هذه البيئة، لا يختفي العقل السياسي، وإنما يبحث عن بدائل. القبيلة تصبح مصدرا للثقة، والجماعة السياسية تصبح مصدرا للمعلومة، والسلاح يصبح ضمانة للأمن، والزعيم يصبح بديلا عن المؤسسة، والولاء يصبح أكثر أهمية من القاعدة العامة. ومع كل بديل جديد تتراجع قدرة الدولة على أن تكون المرجعية المشتركة التي تنظم الاختلاف.
ومن هنا يمكن فهم أحد أعمق أوجه الأزمة السودانية: لم يكن الصراع على الدولة صراعا على من يحكمها فقط، وإنما كان صراعا على تعريفها. كل مشروع سياسي حمل معه تصورا مختلفا عن الدولة التي ينبغي أن تكون، وعن الجماعة التي تستحق أن تمتلكها، وعن الحدود التي يجب أن تقف عندها السلطة، وعن العلاقة بين القوة والمشروعية. ولذلك لم يكن تغيير السلطة وحده كافيا لحل الأزمة، لأن النماذج الذهنية التي تنتج الصراع ظلت قادرة على إعادة إنتاج نفسها حتى بعد تغير الوجوه والمواقع.
والحرب، في هذا المعنى، ليست بداية الأزمة كلها. إنها لحظة انفجار لبنية كانت تتشكل منذ زمن طويل. وعندما ننظر إليها باعتبارها حدثا عسكريا منفصلا، يصبح من السهل البحث عن لحظة البدء، وعن المسؤول المباشر، وعن الطرف الذي يجب أن ينتصر أو يتراجع. أما عندما ننظر إليها باعتبارها نتيجة لتفاعل طويل بين عقول ومؤسسات وحوافز ونماذج ذهنية، تصبح الصورة أكثر تعقيدا، لكنها تصبح أيضا أكثر قابلية للفهم.

وهذا الفهم لا يعني بأي حال مساواة المسؤوليات أو تذويب الفروق الأخلاقية والسياسية بين الأفعال والفاعلين. ففهم المنطق الداخلي للسلوك لا يعني تبريره، وتحليل دوافع الفاعل لا يعفيه من المسؤولية عن نتائج أفعاله. بل إن العكس هو الصحيح: كلما فهمنا كيف يصبح الفعل ممكنا ومعقولا في ذهن صاحبه، أصبحنا أكثر قدرة على تحديد الآليات التي تسمح بتكراره، وبالتالي أكثر قدرة على منعه.
ولهذا لا يكفي أن نطالب الفاعلين بأن يكونوا أكثر عقلانية. فكل طرف يعتقد، في الغالب، أنه يتصرف بعقلانية بالفعل. ولا يكفي أن نطالبهم بالتنازل إذا كانت البيئة السياسية تجعل التنازل تهديدا لمصالحهم أو لمكانتهم أو حتى لبقائهم.
المطلوب أعمق من ذلك: تغيير بنية الحوافز التي تجعل بعض الخيارات تبدو ضرورية، وتوسيع مجال الخيارات التي يمكن التفكير فيها، وإعادة بناء مصادر الثقة التي يستطيع الناس من خلالها التحقق من المعلومات، وإنشاء مؤسسات تجعل التراجع ممكنا من دون أن يتحول إلى هزيمة وجودية.
فالسلام المستدام لا يقوم على أن يصبح الجميع متفقين، وإنما على أن يصبح الاختلاف أقل تكلفة من الحرب. المجتمع السياسي السليم ليس المجتمع الذي تختفي فيه المصالح المتعارضة أو النماذج الذهنية المختلفة، وإنما المجتمع الذي يستطيع إدارة هذه الاختلافات من خلال مؤسسات تجعل التنافس ممكنا دون أن يتحول إلى تهديد وجودي.
ومن هذه الزاوية، يصبح الحوار السوداني نفسه أكثر من مجرد جمع الأطراف حول طاولة. فالطاولة وحدها لا تغير النماذج الذهنية ولا الحوافز. وقد يجلس الخصوم معا ويستمر كل منهم في التعامل مع الآخر باعتباره خطرا يجب احتواؤه لا شريكا يمكن التفاوض معه. ولذلك يحتاج الحوار إلى بيئة تجعله ذا معنى: معلومات يمكن الوثوق بها، ومشاركون يملكون قدرا من الشرعية، وقواعد واضحة، وضمانات تجعل الحوار مسارا لتغيير قواعد اللعبة لا أداة لإعادة إنتاجها.
عندما تتغير هذه الشروط، يمكن للعقلانية نفسها أن تعمل في اتجاه مختلف. الفاعل الذي كان يرى أن التنازل انتحار سياسي يمكن أن يراه استثمارا في المستقبل. والطرف الذي كان يرى الآخر تهديدا وجوديا يمكن أن يراه منافسا يمكن التعايش معه. والجماعة التي كانت تحتاج إلى السلاح لحماية مصالحها يمكن أن تجد في المؤسسة العامة حماية أكثر استقرارا وأقل كلفة. والمواطن الذي كان يبحث عن الأمان داخل جماعته يمكن أن يبدأ في استعادة ثقته في الدولة.
عندها لا يكون السلام مجرد انتصار لفكرة أخلاقية على فكرة أخرى، وإنما يصبح خيارا عقلانيا.

وهذه ربما هي المفارقة التي تكشف جوهر المأساة السودانية. إذا كان استمرار الحرب ممكنا لأن بيئتها تجعلها عقلانية بالنسبة إلى أطرافها، فإن إنهاء الحرب لن يكون مستداما بمجرد إقناعهم بأن الحرب سيئة. يجب أن يصبح السلام نفسه أكثر عقلانية من الحرب، وأن يصبح التعاون أكثر فائدة من الاستقطاب، وأن يصبح التنازل أقل خطرا من التشبث، وأن تصبح الدولة أكثر قدرة على حماية مصالح الناس من الجماعات التي تنافسها على الأمن والشرعية.
عندها فقط يمكن أن ننتقل من محاولة تغيير عقول السودانيين إلى تغيير العالم الذي تعمل فيه هذه العقول.

فالبشر لا يحتاجون دائما إلى أن يصبحوا أكثر عقلانية حتى تتحسن نتائجهم. أحيانا يحتاجون إلى مؤسسات وبيئات وحوافز تجعل عقلانيتهم المحدودة تعمل في الاتجاه الصحيح.
وربما هنا تكمن المفارقة الأشد إيلاما في الحالة السودانية كلها: لم يكن السودان يفتقر إلى العقول، ولا إلى أصحاب الرأي، ولا إلى من يعرفون خطورة الطريق الذي يسير فيه. لكنه افتقر، على مدى طويل، إلى البيئة السياسية التي تجعل المعرفة قابلة للتحول إلى قرار، وتجعل القرار قابلا للمراجعة، وتجعل الاختلاف قابلا للإدارة، وتجعل التراجع ممكنا، وتجعل السلام مصلحة عملية لا مجرد أمنية أخلاقية.
لقد أنتج السودان كثيرا من العقلانيات الصغيرة التي تصارعت حول السلطة والأمن والهوية والمصلحة، لكنه لم ينجح في بناء عقلانية عامة للدولة نفسها.
وقد يكون هذا هو التفسير الأكثر قسوة للمشهد: قد يكون كل طرف مشغولا بحماية ما يراه معقولا، بينما يعمل الجميع معا على تدمير الشروط التي تجعل المعقول ممكنا.
السودان، إذن، ليس مجنونا. وربما لم تكن مشكلته الكبرى يوما في غياب العقل، وإنما في أن العقل السياسي ظل يعمل داخل بيئة تكافئ الخوف أكثر مما تكافئ الثقة، والاستحواذ أكثر مما تكافئ المشاركة، والحسم أكثر مما تكافئ التسوية، والولاء أكثر مما تكافئ المؤسسة.
ولذلك فإن الخروج من الحرب لا يبدأ فقط عندما يتوقف إطلاق النار، وإنما عندما يبدأ بناء البيئة التي تجعل التوقف نفسه قرارا يمكن للعقل أن يراه ممكنا، وآمنا، ومفيدا.
عندها فقط تتغير المعادلة: لا لأن السودانيين أصبحوا أكثر عقلانية، وإنما لأن العقلانية نفسها أصبحت تعمل لصالح السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..