مقالات وآراء

ومن هنا يُحلّق فينيقنا؟!

ثمة أشياء لا تموت: قد تنهار الدولة، وتُهدم المدن، وتتساقط الرايات، لكن شيئًا في القاع يظل حيًّا: هو الذات السودانية بخصائصها الفريدة.

تلك التي لا تسكن القصور، ولا تُختصر في دستور أو قانون.

إذا عادت عاد الوطن، وإذا غابت صار الوطن خريطة بلا روح.

لذلك فالسؤال، بعد كل هذا الدمار، ليس: كيف نبني السودان؟ إنما هو: كيف يستعيد السودان ذاكرته وذاته الأولى؟

ومن أين سيبدأ بعثه من جديد؟

ربما كان في السودان سرٌّ لا يُرى من فوق، سرٌّ يقول بلغة العارفين: «كُنِ الأدنى تكنِ الأعلى فينا»، ويقول أيضًا:

«لن تُبصرَنا بمأقٍ غيرِ مآقينا».

كأن هذا السودان لا يُفتح من أعاليه، لكن من أعماقه؛ لا يُرى من القصور العاليات، إنما في مقامات الصالحين.

لا يُفهم من ضجيج السياسة، لكنه يتصاعد مع أبخرة أطعمة التكايا.

فـ«الأدنى» هنا ليس الأدنى منزلة، لكنه الأدنى قربًا:

قربًا من الطين، من الخبز، من الجائعين، من الغرباء، من المعذبين في الأرض، من الإنسان العاري قبل أن تكسوه الألقاب.

وهناك، من هذا القرب، يولد العلو.

على قواعد تشبه وصايا لقمان: لا تُصعِّر خدك للناس، ولا تمشِ في الأرض مرحًا، واقصد في مشيك، واغضض من صوتك.

المهم، لعل السودان لم يحفظ دينه في الصحائف والكتب؛ بل حفظه في الموائد، وفي يدٍ تعجن، وفي بابٍ يُفتح للفقراء، وفي لقمةٍ لا تسأل صاحبها من أين جاء.

وفي عبارة تقول: «ما في دين بدون عجين».

هي عبارة بسيطة تبدو مغرقة في شعبيتها، لكنها تختصر فلسفة كاملة:

تقول: إن الإيمان، إن لم يتحول إلى خبز، فأين سيقع أثره؟

وأن العجين هو بالضبط الدين، حين يهبط في الجوف، وينزل من الفم إلى أسفل البطن، مثقاله كجبل أحد وفق المعيار النبوي.

ثم تأتي العبارة الأخرى،

كأنها الجناح المقابل لتلك:

«الما عندو محبة، ما عندو الحبة».

فالعجين يُطعم الجسد، والمحبة ترطب الأكباد.

وبينهما عاش التصوف السوداني في أعمق وأبهى صورة:

لا هروبًا من العالم، لكن إصلاحًا للنفوس بأدب الطريق وبعلم أهل السلوك.

فالعرفان، في آخر أمره، ليس ما تعرفه عن الله، لكن هو ما يتجسد في تعاملك مع الغير، من أثر حضور معرفتك تلك بالله.

ومن هنا تتصل الخيوط:

بوابات السماء الأربعة، جبال البركل ومرة والتاكا وتوتيل، النيلان وثالثهما الجامع، القباب والتكايا والتقاقيب والموائد.

هي كلها ليست جغرافيا مبعثرة، إنها ذاكرة واحدة تتنفس من رئة واحدة.

جبال تشير بوصلتها إلى السماء، ونهر يشق أرض الصدق، ومسيد يصل الإنسان بالإنسان، والإنسان بالله.

إذ حين جاءت الحرب وظننا أن كل شيء قد انهار، عادت التكايا في أكثر من غلاف.

وعاد القدر، عاد العجين، عاد من يطعم، ومن يداوي، ومن يؤوي.

كأن الحرب، وهي تحاول تفكيك السودان، كشفت عن عظمه الأول.

كشفت أن الدولة قد تتعطل، لكن الرحمة الاجتماعية لا تموت بسهولة.

وهنا يظهر دور هذه السجادات والمسايد من جديد.

هي ليست بناءً من طين، ولا أثرًا من الماضي، بل حالًا من أحوال الروح.

فتعريف المسيد هو أن يكون بابًا أوسع من الخصام، ومائدة أوسع من القبائل، وقلبًا أوسع من الخوف.

ولهذا يمكن أن يكون هو مستودع البعث، وأن تكون التكية شبكة للحياة، والتقابة محرابًا للمعرفة، ومجلس الصلح حارسًا للدم.

ليس ذلك بإعادة الماضي كما كان، إنما باستعادة جوهره الحي.

فالماضي ليس كله تراثًا ينبغي أن يُعاد: فبعضه بذرة، وبعضه رماد.

لكن الحكمة هي أن نعرف الفرق بين البذرة والرماد.

عمومًا، فالفينيق السوداني لا ينهض في هيئة حكومة جديدة، ولا دستور جديد، ولا اتفاق جديد.

هذا الفينيق سيحلق حين يستعيد قلبه.

حين يرى أخاه إنسانًا قبل أن يراه خصمًا.

حين تتجرد القبائل من سيوفها، والدين من رايات حروبه، والسياسة من فقه غنائمها، والدولة من أوثانها.

حينها يبدأ البعث.

لكنه لن يحلق بجناح واحد.

جناحاه الأولان:

العجين والمحبة.

العجين: هو خبز وماء ودواء ومدرسة وفرص عمل، والمحبة: أن يكون الإنسان غاية لا وسيلة، أن تحب له كل ما تحب لنفسك.

ثم جناحاه الأبعد: الأرض والسماء.

الأرض: النيل والطين والجروف.

والسماء: هي معنى؛ أن القوة أمانة، وأن الوطن ليس ملكًا لأحد، وأن الله لا يُستدعى كشعار لتبرير ظلم أحد.

ثم جناحان آخران: هما الذاكرة والنسيان.

أن نتذكر المائدة، وننسى الثأر.

وأن نتذكر القيم وننسى الغنائم.

نتذكر الشيخ الذي أطعم، وننسى الشيخ الذي حرّض.

لهذا لن تبدأ استعادة السودان يوم تصمت المدافع فقط، فذلك صمت النار.

أما البعث الحقيقي فيبدأ يوم يستعيد السوداني قدرته

على رؤية الآخر إنسانًا.

عندها يعود الوطن، لا إلى خرطومه، لكن إلى روحه.

وعندها سنفهم أن المسيد ليس مكانًا نعود إليه، بل حالًا نعود إليه.

باب مفتوح، قدر يغلي، خبز يُقسم، غريب يجد موضعًا في القلب، وقلب لا يحتاج إلى إذن كي يحب.

إذ حين يتحول هذا الحال إلى مجتمع، يولد العمران.

وحين يولد العمران، تولد الدولة من جديد؛ لا سلطة فوق الناس، بل في صورة من صور تراحمهم.

ولهذا لا أرى الفينيق السوداني طائرًا يخرج من الرماد ثم يترك الأرض وراءه، أراه طائرًا يحمل الأرض ذاتها معه.

يحمل ذاكرة الأجداد ولا يحمل أحقادهم.

يحمل الدين ولا يحمل كرابيج الشيوخ.

يحمل القبائل كشفرات تعارف، ولا يجعلها سجنًا، يحمل الدولة ولا يجعل منها صنمًا.

ثم يحلق، من المكان الذي ظل حيًّا حين ظننا أن كل شيء قد مات:

من التكايا، من الموائد.

من قلوب كأفئدة الطير.

هناك، في تلك المسافة القصيرة بين يدٍ تعجن ويدٍ تمتد، كان السودان مختبئًا عبر القرون.

وهنا ظل إكسير حياته كلها.

إذ حين يحلق هذا الطائر فوق الحريق، لن يكون السؤال: إلى أين سيذهب؟ ومن أي مقام كان قد غاب؟

ربما كانت الإجابة في تلك الإشارة الأولى:

«لن تُبصرَنا بمأقٍ غيرِ مآقينا».

فالسودان لن يستعيد ذاته بعين مستعارة، لن يرى خلاصه في مرآة الآخرين.

وعندها فقط تكتمل المفارقة: كُنِ الأدنى تكنِ الأعلى فينا.

إذ ربما كان حلم السودان، في كل هذا الغياب، أقرب إلينا مما كنا نظن.

 

تعليق واحد

  1. العجين والمحبة والجدار: حين يحتاج الفينيق إلى جهاز عصبي
    قراءة في مقال «ومن هنا يُحلّق فينيقنا؟!» للجميل الفاضل، على ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة

    د. على عبدالله الخليفة طه

    يكتب الجميل الفاضل في «ومن هنا يُحلّق فينيقنا؟!» نصًّا لا يشبه أدبيات التحليل السياسي المعتادة عن السودان؛ فهو لا يبدأ من الدولة لينزل إلى المجتمع، بل يبدأ من التكية والمسيد والمائدة ليصعد منها نحو سؤال البعث. وهذا بالضبط ما يمنح النص قوته: أنه يمسك بما تُخطئه المشاريع المؤسسية غالبًا ، أن الشرعية لا تُصنع في القمة، بل تُستمد من القاع الذي ظل حيًّا حين ظننا أن كل شيء قد مات.
    وقراءة هذا النص في ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة لا تعني قياسه إلى الميثاق أو الحكم عليه بمعاييره؛ فهذا نص من طبيعة أخرى، شعرية-روحية، بينما الميثاق أداة مؤسسية-سياسية. لكن بين الاثنين قرابة حقيقية تستحق أن تُستكمل لا أن تُصادَم: فما يصفه الجميل الفاضل بلغة القلب، يحاول الميثاق أن يترجمه إلى آلية لا تخون ما وُصف.

    ١. موضع القوة: الأدنى كمصدر للشرعية

    الجملة المحورية في النص، «كُنِ الأدنى تكنِ الأعلى فينا» ، ليست زخرفًا صوفيًّا، بل تشخيص سياسي دقيق وإن جاء بلغة العرفان. فالفينيق، كما يصفه الكاتب، «لا يحلّق في هيئة حكومة جديدة، ولا دستور جديد، ولا اتفاق جديد»؛ إنه يحلّق حين يستعيد قلبه. وهذا يوازي بدقة لافتة ما يسميه الميثاق الشرعية الوظيفية الصاعدة: أن الشرعية تُبنى من الأطراف إلى المركز، لا العكس، وأن أي هيكل سياسي يُفرض من فوق دون جذر في «الأدنى»، في التكية، في المائدة، في الجوار، سيبقى خريطة بلا روح، بتعبير النص نفسه.
    بهذا المعنى، فإن النص لا ينفي الحاجة إلى بناء مؤسسي، بل ينفي إمكانية أن يكون البناء المؤسسي بديلًا عن استعادة هذا القرب الإنساني الأول. وهذا بالضبط الشرط الذي يحاول الميثاق أن يحققه حين يجعل الركيزة الرابعة، التمثيل الإقليمي الموزون بمؤشري السكان والتهميش التاريخي ، أداة لضمان ألا يظل «الأدنى» مجرد استعارة أخلاقية، بل حصة فعلية في القرار.

    ٢. موضع الفجوة: من يحمي التكية حين تصبح موردًا؟

    غير أن النص يصف التكايا والموائد كأنها ستنجو بفطرتها من الحرب، وأن «الحرب، وهي تحاول تفكيك السودان، كشفت عن عظمه الأول». وهذا صحيح في جزء منه، لكنه يتجاوز سؤالًا أخطر: أن الحرب السودانية الأخيرة لم تكتفِ بمحاولة تفكيك التكية، بل حاولت في مواضع كثيرة ابتلاعها ، تحويل الكرم إلى شبكة تجنيد، والمائدة إلى أداة ولاء مسلح، والإغاثة الأهلية نفسها إلى ساحة نفوذ متصارع عليها. هذا ما يسميه الميثاق الفجوة السادسة: اقتصاد البوابات، حيث يتحول الاقتصاد الموازي ، بما فيه صور الكرم والإطعام الأهلي حين تُصادَر ، إلى فاعل ذاتي الاستدامة يقاوم أي بعث حقيقي.
    من هنا فإن «شبكة الحياة» التي يتحدث عنها النص بحاجة إلى ما يحميها لا فقط إلى ما يمجّدها. وهذا ما يوفره الجدار المؤسسي: الفصل بين طبقة الحركة السياسية وطبقة العمل المدني-التنفيذي، بحيث لا تتحول التكية أو غرفة الاستجابة الطارئة إلى ذراع لحزب أو فصيل، بل تبقى وفية لمنطقها الأول: بابًا أوسع من الخصام.

    ٣. من الأمنية إلى الآلية: الذاكرة والنسيان

    من أجمل ثنائيات النص: «أن نتذكر المائدة وننسى الثأر، أن نتذكر القيم وننسى الغنائم». لكن هذه الثنائية، إن تُركت أمنية أخلاقية بلا آلية، تنكسر أمام أول مطالبة بالعدالة من ضحية لم تُنصف. فمن يقرر ما يُتذكَّر وما يُنسى؟ ومن يضمن ألا يتحول «النسيان» إلى عفو مجاني لمن حرّض؟
    هذا هو بالضبط موضع العدالة الانتقالية الثلاثية في الميثاق: مجالس الصلح المحلية هي الترجمة المؤسسية الحرفية لـ«تذكر الشيخ الذي أطعم» ، إذ تُدار المصالحة من ذات المكان الذي وصفه النص، من التكية والمسيد، لا من فوق. ثم تأتي لجنة الحقيقة والجبر لتحفظ الذاكرة من أن تنقلب انتقامًا، بتوثيقها لا بطمسها. وأخيرًا غرفة الجرائم الكبرى بلا عفو، لتكون الضمانة بأن «تذكر القيم ونسيان الغنائم» لن يعني إفلات من حرّض بلا حساب. بهذا الترتيب الثلاثي فقط يمكن للنسيان أن يكون شفاءً لا تواطؤًا.

    ٤. النفير: حين يصبح العجين جهازًا لا فعلًا عفويًّا

    يصف النص العجين بأنه «خبز وماء ودواء ومدرسة وفرص عمل» ، وهو بذلك يتجاوز الرمز الديني إلى وصف شبه مؤسسي للخدمة الأساسية، وإن لم يسمِّه كذلك. وهنا يلتقي النص مع ما يسميه الميثاق النفير الوطني الكبير: الآلية التي تأخذ منطق التكية من فعل تلقائي محلي إلى قدرة مدنية-تنفيذية منظمة على مستوى الدولة، دون أن تفقد روحها الأولى ودون أن يبتلعها الجدار المؤسسي في طبقة سياسية. فالنفير هو، إذا صح التعبير، الجهاز العصبي الذي يحمل نبض «العجين والمحبة» من القرية إلى مستوى الدولة، دون أن يحوّله شعارًا فارغًا في الطريق.

    خاتمة: القلب والجهاز

    لا يحتاج نص الجميل الفاضل إلى تصحيح؛ فهو يصف بدقة شعرية نادرة ما يجب أن يُبعث. لكن بين وصف القلب وبين ضمان ألا يُستَغل هذا القلب من جديد، بالحرب، أو بالنسيان القسري، أو باقتصاد الظل ، مسافة تحتاج إلى آلية. والميثاق، في نهاية الأمر، لا يطمح إلى أن يكون بديلًا عن هذا القلب، بل جهازًا عصبيًّا لا يخونه: يحمل الشرعية من الأدنى، ويحمي المائدة من أن تُصادَر، ويحوّل الذاكرة إلى عدالة لا انتقام، ويجعل من العجين نفيرًا يبلغ كل بيت لا وليمة عابرة.
    «لن تُبصرَنا بمأقٍ غيرِ مآقينا» — وربما كانت الآلية أيضًا لا تُستعار، بل تُستنبت من نفس التربة التي نبتت منها التكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..