طموح لا يشيخ لثورة ديسمبر: السودان من قاعدة هرم ماسلو الي قمته

وهذا هو بالضبط ما فهمته ثورة ديسمبر العظيمة. وما فهمته أيضاً قوى الظلم والعدوان والحرب المضادة.
وتعتبر الحرب الدائرة في السودان وكذلك الازمات المعيشيه التي تخللتها اداة او وسيلة الذهنية الريعية لابقاء الشعب مشغولا فقط بكيفية (البقاء علي قيد الحياة) وبتلبية ابسط متطلباته بينما يتواصل نهب ثرواته.
وكان وما زال طموح الثورة هو اعادة صياغة التاريخ وصناعة التغيير بالصعود من قاع الهرم إلى قمته. ولم تخرج الملايين في ديسمبر من أجل رغيف العيش بل خرجت لأنها رفضت أن تعيش مرة اخري محبوسة في أسفل هرم ماسلو حيث الاكتفاء فقط بمتطلبات الانسان الاساسية.
وما زالت جذوة ثورة ديسمبر مشتعلة في قلوب وأفئدة الشباب رغم المؤامرات المستميتة لمقايضة الامن والامان بلقمة العيش. وهذا ينسجم تماماً مع مقولة فرانكلين روزفلت (من يضحي بالحرية من اجل الامن لا يستحق كليهما).
ووفقاً لهرم ماسلو فان الحاجات الاساسية لاي مجموعة بشرية تتكون من ثلاث طبقات متسلسلة علي شكل هرمي:
-في اسفل الهرم الحاجات الفسيولوجية والأمن. وفي السودان ثار الشعب لأن “العيش” صار ذلاً مع غياب أبسط حقوق الإنسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فضلاً عن صفوف الخبز، وانقطاع الدواء، وانهيار الامن، واتساع لدائرة التهميش .
-في منتصف الهرم: نجد الحاجة للانتماء والتقدير. ثار الشعب لأن حق الحياة بسلام صار بالولاء لا بالحق الاساسي . لأن الشاب السوداني صار بلا اي امل في المستقبل ، ولأن المرأة تحولت من ايقونة الثورة الي ايقونة للفقر والقهر والتهميش ولأن القبيلة صارت أهم من الدولة والقانون.
-في القمة: تحقيق الذات والحرية وهذا هو جوهر شعارات الثورة الثلاث: الحرية، السلام، العدالة.
الحرية: ليست فقط لاحترام حقوق الانسان الفردية والجماعية بل ايضاً حق المواطن أن يصوغ مستقبله ويشارك في بناء دولته كما تعني أن يفكر المواطن ويقول ويبدع بلا خوف.
والسلام : ليس مجرد وقف لاطلاق النار او اتفاق لتقسيم الثروة والسلطة بل يتجاوز ذلك الي معالجة الجذور للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي حبست السودان في هذه الحلقة المفرغة.
العدالة: أن تُقاس بقدرك لا بلونك السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي ولا قبيلتك. والعدالة ايضاً تتضمن مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية والتي من شانها معالجة الانتهاكات الجارية و السابقة لحقوق الانسان الاساسية ورد الحقوق الخاصة والعامة وجبر الضرر.
وبمعنى آخر: طموحات الثورة السودانية وفقاً لشعارها الخالد “حرية، سلام، وعدالة” كانت وما زالت بناء دولة المؤسسات والسلام الدائم.
دولة لا يحكمها فرد ولا حزب ولا بندقية، بل يحكمها الدستور والقانون والمؤسسات. دولة يكون فيها السلام ليس هدنة مؤقتة، بل عقد اجتماعي دائم.
باختصار: الثورة كانت وما زالت مشروعاً وطنياً كاملاً لنقل السوداني من (إنسان يبحث عن البقاء) إلى (إنسان يبحث عن المعنى) من أسفل الهرم إلى قمته.
ثانياً: سلاح الحرب – إعادة الشعب إلى قاع الهرم:
ومن هنا جاءت الحرب. ليس لأن هناك خلافاً على بنود الاتفاق الإطاري .
الحرب استراتيجية معروفة ومقصودة لوقف قطار الثورة و لإعادة السودانيين قسراً إلى قاع هرم ماسلو. كيف؟
عندما تشتعل الحرب يختفي كل شيء فوق الأمن والمأكل كما هو مشاهد اليوم.
هذه هي الاستراتيجية: أشغل المواطن بإطعام بطنه وحماية ظهره، حتى ينسى أنه كان يحلم بوطن.
عندما تكون في قاع الهرم، تصبح أي تسوية تقول لك “سنوفر لك الكهرباء او الخبز” تبدو مغرية، حتى لو كانت على حساب حريتك.
ثالثاً: لماذا فشلت الخطة؟ لأن الثورة فهمت اللعبة وتدرك تماماً حجّم وابعاد المؤامرات الداخلية والخارجية .
الذين أشعلوا الحرب ظنوا أن الجوع والخوف وفقد الارواح والاستقرار كافية لكسر الإرادة. لكنهم نسوا شيئين:
– أن السوداني ذاق القمة مرة ومن خرج في ديسمبر وفي ساحة الاعتصام وهتف “حرية سلام وعدالة” عرف أن هناك حياة أعلى من صف العيش. ومن ذاق الكرامة لا يرضى بالذل حتى لو جاع.
– أن إرادة الشعوب لا تُقاس ببطونها فالتاريخ يقول: الهند استقلت وهي جائعة. وجنوب أفريقيا انتصرت وهي محاصرة. والشعب السوداني نفسه أسقط ثلاثة انظمة عسكرية في أكتوبر وأبريل وديسمبر وهو في ظروف أسوأ.
لأن الإنسان عندما يقرر أن يصعد الهرم، لا يستطيع أحد أن يرجعه بالقوة. قد يُبطئه، قد يجرحه، لكنه لا يستطيع أن يقتل الحلم.
رابعاً: طريق العودة إلى القمة – من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام
إذا كانت الحرب أداة لإرجاعنا للقاع، فإن السلام والبناء هو أداة صعودنا للقمة. وهذا لن يتم بالشعارات فقط.
الانتقال يحتاج إلى 3 جسور:
1. جسر الأمن : جيش واحد، شرطة واحدة، تحت سلطة مدنية منتخبة. لا سلام بلا أمن.
2. جسر الاقتصاد المنتج : ننتقل من ” العقلية الريعية” إلى ” عقلية إنتاج”. زراعة، صناعة، طاقة شمسية. نُشبع الحاجات الأساسية بكرامة لا بذل.
3. جسر القانون : وهذا هو الأهم. دستور، انتخابات، قضاء مستقل.
وهنا ينبغي القول مرة اخري بان الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية WTO يمثل “دستور اقتصادي” يمنع عودة اقتصاد التمكين والاحتكار الذي يعيدنا للقاع وهو الدليل بان الحرب لن تهزم حلما.
نعم، الحرب اليوم تشغل الناس بالبحث عن الماء والدواء وأساسيات الحياة.
نعم، الحرب اليوم تجعل الحديث عن “الحرية والعدالة” يبدو رفاهية.
لكن الحقيقة التي لا تقبل النقاش هي: أن من أشعلوا الحرب هم أنفسهم أسرى قاع الهرم. أسرى الخوف والسلطة والغنيمة. والدليل هو التشبث المهووس بالسلطة فوق اشلاء الوطن المكلوم. وهذا يجسد تماماً مقولة غاندي المشهورة (كثيرون حول السلطة… وقليلون حول الوطن).
أما هذا الشعب الذي فقد كل شيء وقدم الشهداء، وذاق اللجوء، والجوع، والتشريد، ثم قرر أن يواصل… فهذا شعب قرر أن يصعد.
قد يطول الطريق. وقد نضطر للقتال اليوم من أجل “رغيف” اليوم.
لكننا لن ننسى أبداً أننا خرجنا من أجل “وطن” الغد. وطن عنوانه دولة المؤسسات والسلام الدائم.
من أسفل هرم ماسلو إلى قمته… هذا هو طريق الثورة. وطريق لا رجعة عنه.




استكمال لا مصادمة
قراءة في مقال: «طموح لا يشيخ لثورة ديسمبر: السودان من قاعدة هرم ماسلو إلى قمته»
بقلم الأصل: فضل محي الدين الطاهر
تعقيب: د. علي عبدالله الخليفة طه، إطار ميثاق النجاة وبناء الدولة
أولاً: قوة التشخيص
يقدّم المقال استعارة نفسية موفقة حين يوظّف هرم ماسلو لتفسير آلية الحرب كأداة لإعادة السودانيين قسراً إلى قاع الاحتياجات الأساسية. هذا التوصيف ينسجم مع تحليل الميثاق لاقتصاد الحرب كفاعل ذاتي الاستدامة، إذ تعمل “الذهنية الريعية” على إشغال المواطن بالبقاء اليومي بينما يتواصل نهب الثروة.
كذلك يصيب المقال حين يربط شعارات الثورة الثلاثة، الحرية، السلام، العدالة ، بقمة الهرم، وحين يستحضر شواهد تاريخية (الهند، جنوب أفريقيا، ثورات أكتوبر وأبريل وديسمبر) لتأكيد أن إرادة الشعوب لا تُقاس ببطونها. هذا الجانب الوجداني ضروري ومطلوب: فالمشروع الوطني يحتاج إلى قصة تُحرّك الناس قبل أن يحتاج إلى بنية تُنظّمهم.
ثانياً: موضع الفجوة ، من الاستعارة إلى الآلية
يختم المقال بدعوة إلى ثلاثة “جسور”: الأمن، الاقتصاد المنتج، والقانون. لكنه يقف عند تسمية الجسور دون أن يحدد من يبنيها، وبأي تسلسل، وبأي ضمانة مؤسسية تمنع تكرار الدورة ذاتها: نظام يسقط، ثم عسكرة جديدة، ثم عودة الشعب إلى القاع. هذه هي بالضبط الفجوة التي تتكرر في الخطاب الثوري السوداني بين سلامة التشخيص الأخلاقي وغياب الآلية التنفيذية ، وهي الفجوة التي صمم الميثاق مكوناته لسدها.
ثالثاً: الجسور الثلاثة في ضوء آليات الميثاق
جسر الأمن
دعوة المقال إلى “جيش واحد، شرطة واحدة، تحت سلطة مدنية منتخبة” تحتاج إلى آلية فصل فعلية لا مجرد نية سياسية. هنا يقدّم الميثاق:
• الجدار المؤسسي: فصل بنيوي بين طبقة الحركة السياسية وطبقة التنفيذ المدني، بحيث لا تتحول أي قوة أمنية أو حزبية إلى وصية على الدولة من جديد.
• النفير الوطني الكبير: أداة تنفيذية شعبية-مدنية لبناء الثقة من القاعدة، بديلاً عن الاعتماد على العسكرة كضامن وحيد للاستقرار.
جسر الاقتصاد المنتج
الانتقال من “العقلية الريعية” إلى “عقلية الإنتاج” الذي يدعو إليه المقال لا يحدث بالنية الحسنة وحدها، بل يحتاج إلى كبح فعلي لاقتصاد الحرب الموازي الذي يشير إليه المقال ضمنياً حين يتحدث عن “أسرى الغنيمة”:
• اقتصاد البوابات / الفجوة السادسة: تفكيك ممنهج للاقتصاد الموازي الذي يتغذى على استمرار الحرب ذاتها كمصدر ربح.
• سقف التمويل الخارجي 30٪: ضمانة تمنع عودة التبعية الريعية عبر بوابة التمويل الخارجي بدل بوابة السلطة العسكرية.
جسر القانون
الوعد العام بـ”دستور وقضاء مستقل” يحتاج إلى آليات محددة لا شعارات. هنا يجيب الميثاق بثلاث آليات مترابطة ترد مباشرة على مطلب “العدالة” الذي يختم به المقال شعارات الثورة:
• الشرعية الوظيفية الصاعدة: شرعية تُبنى من الأطراف نحو المركز لا العكس، فتعالج جذر شعور المهمّشين بأن “القبيلة صارت أهم من الدولة”.
• الركيزة الرابعة: تمثيل إقليمي موزون يجمع بين الكثافة السكانية ومؤشر التهميش التاريخي، فيترجم مطلب العدالة إلى صيغة تمثيل فعلية.
• العدالة الانتقالية الثلاثية: مصالحة محلية، فلجنة حقيقة وجبر ضرر، فدائرة جرائم كبرى بلا عفو — تسلسل يمنع أن تتحول “العدالة” إلى شعار مؤجل إلى ما لا نهاية.
رابعاً: خلاصة الاستكمال
المقال يشخّص ببلاغة لماذا يُراد للسوداني أن يبقى في قاع الهرم، ولماذا فشلت هذه المحاولة حتى الآن. والميثاق لا يختلف مع هذا التشخيص، بل يكمله بالإجابة عن السؤال التالي: كيف يُبنى الصعود نحو القمة بشكل مؤسسي لا وجداني فقط، بحيث لا يبقى “الحلم” عرضة للانكسار عند أول أزمة اقتصادية أو أمنية جديدة؟ فالفرق بين ثورة تُجهض للمرة الرابعة وثورة تُكمل مسارها هو وجود آلية، لا وجود حلم فحسب.
من سلسلة استكمال لا مصادمة — ميثاق النجاة وبناء الدولة