قراءة في السودان المعاد روايته

د. صلاح أحمد الحبو
ليست الحرب معركة على الأرض وحدها؛ إنها أيضاً معركة على الذاكرة. فمن يملك السلاح قد يسيطر على مدينة، لكن من يملك الرواية يستطيع أن يحدد معنى ما حدث، ومن كان ضحية، ومن كان فاعلاً، وما الذي ينبغي أن يدخل التاريخ وما الذي يُدفع إلى النسيان. من هنا تأتي أهمية Sudan Retold – Edition 1½؛ كتاب لا يروي الحرب السودانية بقدر ما يضع أمامها سؤالاً أكثر عمقاً: من يملك حق رواية السودان؟
الكتاب امتداد لمشروع فني بدأ عام 2019، وجاءت نسخته الجديدة في لحظة مختلفة تماماً: سودان الحرب، والنزوح، والمنفى، وتفتت المكان. حرره خالد البيه، لاريسا ديانا فورمان وسوزي ميرغني، وصدر عن Almas Art Foundation بالتعاون مع Georgetown University in Qatar. يقوم المشروع على مساءلة ما يسميه تقديمه «سردية واحدة خطية» للسودان، مقابل فسيفساء من الثقافات واللغات والذاكرات والتجارب.
وهنا تكمن قيمة الكتاب السياسية. فالسردية الواحدة ليست دائماً مجرد اختيار ثقافي؛ كثيراً ما تكون انعكاساً لميزان القوة. الدولة التي تحتكر التعليم والإعلام والأرشيف تمتلك، في الغالب، قدرة أكبر على كتابة التاريخ. وما لا يدخل أرشيفها قد يتحول إلى ذاكرة هامشية، حتى لو كان بالنسبة إلى أصحابه تاريخاً كاملاً.
يحاول Sudan Retold كسر هذا الاحتكار باستخدام الأرشيف الشخصي، والتاريخ الشفهي، والصورة، والفن، والأشياء المنسية، والذاكرة الفردية. وهو لا يسعى، بحسب تعريف المشروع، إلى «إعادة بناء ماضٍ واحد»، بل إلى فتح فهم «متعدد وطبقي» للسودان.
هذه ليست مسألة جمالية. إنها مسألة سلطة.
فالسودان الذي لا يظهر في الوثيقة الرسمية موجود في الصورة القديمة، وفي أغنية القرية، وفي رسالة عائلية، وفي قطعة أثاث نجت من بيت تهدم، وفي حكاية امرأة نزحت ولم تجد مكاناً في الرواية السياسية الكبرى. هنا يصبح الفن أرشيفاً مضاداً؛ لا ينافس الوثيقة الرسمية في لغتها، بل يكشف ما عجزت تلك الوثيقة عن رؤيته.
الحرب جعلت المسألة أكثر قسوة. فحين تُنهب المؤسسات أو تحترق البيوت أو يتشتت السكان، لا تضيع الممتلكات وحدها؛ تضيع معها طبقات من الذاكرة. يصبح تدمير المكان تدميراً للأرشيف، ويصبح النزوح اقتلاعاً للإنسان من جغرافيته ومن سياقه الاجتماعي.
لهذا يبدو الكتاب، في لحظته السودانية الراهنة، كأنه محاولة لإنقاذ الذاكرة من الحرب.
لكن هنا يجب ألا نسقط في رومانسية الذاكرة. فالذاكرة ليست حقيقة محايدة، كما أن تعدد الأصوات لا يعني بالضرورة العدالة. لكل جماعة ذاكرتها، ولكل ذاكرة ما تكشفه وما تخفيه. لذلك فإن تجاوز الرواية الرسمية لا يكفي؛ علينا أن نسأل أيضاً: من يملك القدرة على إنتاج الرواية البديلة؟ ومن لا يزال بلا صوت؟
هذه الأسئلة مهمة لأن الحرب نفسها أنتجت تفاوتاً جديداً في القدرة على الكلام. هناك من وصل إلى المنصات الدولية، ومن بقي في معسكر نزوح، ومن يستطيع نشر كتاب، ومن لا يملك حتى هاتفاً يحفظ به صور بيته الذي فقده.
وهنا تظهر إحدى أكثر صور الكتاب دلالة: الأعمال الفنية استطاعت السفر بينما عجز أصحابها عن السفر. فاللوحة تعبر الحدود، بينما يبقى الفنان عالقاً في السودان أو في دولة مجاورة. وفي هذه المفارقة تختصر الحرب شيئاً من حقيقتها: الذاكرة أصبحت أكثر قدرة على الحركة من أصحابها.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم عنوان Edition 1½. إنه عنوان لسودان لم يصل بعد إلى «النسخة الثانية» من نفسه. سودان يقع بين تاريخ لم يُحسم ومستقبل لم يتشكل؛ بين ثورة أُجهضت وحرب انفجرت، وبين وطن يتشظى ومجتمع يحاول أن يحتفظ بصورته عن نفسه.
أما صدور الكتاب في الدوحة فليس تفصيلاً مكانياً. فقد أُطلق في سبتمبر 2025 ضمن مؤتمر Seeing Sudan: Politics Through Art في Georgetown University in Qatar، بالتزامن مع معرض في Alhosh Gallery. وفي ذلك دلالة تتجاوز المناسبة الثقافية: جزء من الذاكرة السودانية أصبح يُنتج خارج السودان، في فضاءات الشتات، بعدما ضاقت داخل الوطن مساحات الأمان والتوثيق والتعبير.
وهنا تظهر مفارقة السودان المعاصر: الوطن الذي فقد السيطرة على كثير من أرشيفه، أصبح أبناؤه يعيدون جمعه في المنافي.
لكن الكتاب، في تقديري، يفتح سؤالاً يتجاوز الثقافة إلى صميم مشروع الدولة: ماذا يعني أن نعيد بناء السودان بعد الحرب من دون أن نعيد بناء ذاكرته؟
إعادة الإعمار ليست إسمنتاً وحديداً وطرقاً وجسوراً. هناك بنية غير مرئية للدولة: الأرشيف، المتحف، المدرسة، المناهج، الذاكرة العامة، أسماء الأماكن، شهادات الضحايا، والحق في تعريف الوطن. هذه كلها جزء من رأس المال السيادي غير المادي الذي لا يقل أهمية عن البنية التحتية المادية.
ومن هنا تصبح المصالحة، إذا أُريد لها أن تكون حقيقية، أكثر من اتفاق سياسي بين النخب. لا يمكن بناء سلام مستدام على النسيان، ولا يمكن إعادة إنتاج الدولة القديمة ثم انتظار نتائج جديدة. فالمصالحة التي لا تستمع إلى الذاكرة تتحول إلى تسوية، وإعادة الإعمار التي لا تعيد توزيع سلطة الرواية تعيد إنتاج المركز نفسه.
لذلك فإن السؤال الذي يتركه Sudan Retold ليس: كيف نتذكر السودان؟
بل: من يملك سلطة أن يقول ما هو السودان؟
قد تكون هذه هي المعركة الأعمق بعد توقف البنادق. فالسودان القادم لن يُبنى فقط بمن يسيطر على الخرطوم، وإنما بمن يستطيع أن يوسع تعريف السودان بحيث لا يكون حكراً على مركز، أو مؤسسة، أو نخبة، أو رواية واحدة.
السودان المعاد روايته ليس سوداناً نعيد فيه ترتيب الماضي فقط؛ إنه السودان الذي نعيد، عبر تعدد أصواته، فتح احتمال المستقبل.
وربما يبدأ بناء الدولة الجديدة من حق بسيط، لكنه ثوري في بلد طال احتكار الرواية فيه: أن يكون لكل سوداني الحق في أن يقول: هذه ذاكرتي، وهذه حكايتي، وهذا السودان الذي أعرفه.
هامش الكتاب:
Sudan Retold – Edition 1½، تحرير خالد البيه، لاريسا ديانا فورمان وسوزي ميرغني، صدر عام 2025 عن Almas Art Foundation بالتعاون مع Georgetown University in Qatar. وهو امتداد لمشروع بدأ عام 2019، ويستخدم الفن والأرشيفات الشخصية والتاريخ الشفهي والذاكرة والسرد البصري لإعادة النظر في تاريخ السودان ومستقبله. أُطلق في الدوحة في سبتمبر 2025 ضمن مؤتمر Seeing Sudan: Politics Through Art، ورافقه معرض في Alhosh Gallery



