مقالات وآراء

سقطت النجمة من الكتف أمام بوابة مدرسة التدريب

ليست قضية معلم اللغة الإنجليزية بمدرسة التدريب النموذجية في كرري، قضية صفعة تلقاها معلم من لواء سابق، ولا مشادة عابرة بين ولي أمر ومعلم. إنما هي، في جوهرها، صورة صغيرة من مأساة السودان الكبيرة: إنسان لم يتعلم بعد أن يتحرر من السلطة حين تسقط عن كتفه، ومن الوهم حين يسقط المنصب من رأسه ويصر على انه الأقوى.

فحين يدخل رجل كان لواءً في الجيش، وكان معتمداً في دولة أُهلكت بأيدي أهل السلطة فيها، إلى مدرسة، ثم ينتهي به الأمر إلى الاعتداء على معلم وإشهار السلاح وتعميره ــ وفق ما ورد في إفادته المنشورة ــ فإننا لا نكون أمام لحظة غضب فردية فحسب. نحن أمام عقلية كاملة ترى في القوة حقاً، وفي الرتبة امتيازاً، وفي السلاح حجة، وفي الخوف احتراماً. وهنا تكمن الكارثة.

فالإنسان الذي يستمد قيمته من النجمة التي على كتفه، لا يزال عبداً للنجمة. والذي لا يشعر بإنسانيته إلا حين يخافه الآخرون، لم يعرف معنى القيمة بعد. والذي يحتاج إلى السلاح ليؤكد أنه صاحب حق، إنما أعلن ــ من حيث لا يدري ــ عجز حجته. فيا لها من مفارقة!

نجمة على الكتف، ودبورة على الصدر، وسلاح في اليد، وسنوات من السلطة والرتب والمناصب، ثم لا تكون هناك وسيلة لإقناع إنسان آخر إلا الصفعة والتهديد! فأي قوة هذه؟ إنها ليست قوة، وإنما ضعفٌ مسلّح. وليست هيبة، وإنما خوفٌ يرتدي الزي العسكري. وليست رجولة، وإنما عجز الإنسان عن الانتصار على غضبه إلا بإخافة من يظن أنه الأضعف منه. فالدبورة، مهما لمع معدنها، لا تربي الضمير. والنجمة، مهما علت، لا تمنح صاحبها فضلاً أخلاقياً. والمنصب، مهما اتسعت سلطته، لا يرفع الإنسان درجة واحدة في سلم الإنسانية إن لم يرتفع هو بوعيه ومسؤوليته.

لقد كانت لك رتبة، يا سيادة اللواء السابق، ثم مضت. وكانت لك معتمدية، ثم انقضت. وكانت لك سلطة على موظفين، وربما على كثيرين، ثم انتهت. فماذا بقي؟ بقي أن تعرف أن الإنسان لا يُمتحن حين يكون في السلطة، وإنما حين تزول عنه السلطة. ولا يُعرف معدنه حين يكون الناس مضطرين إلى طاعته، وإنما حين يصبحون أحراراً في مخالفته. ولا يظهر نضجه حين يستطيع أن يأمر الآخرين، وإنما حين يستطيع أن يأمر نفسه.

إن الأستاذ الأمين، إن كان قد أخطأ في حق تلميذ، فليحاسب. وليأخذ القانون مجراه. فالحق لا يحميه السلاح، وإنما يحميه القانون. والعدالة لا تقيمها الرتبة، وإنما يقيمها ميزان لا يعرف لواءً ولا معلماً ولا معتمداً. إن القانون الذي يخضع له الضعيف ويستثني صاحب النجمة ليس قانوناً، وإنما هو صورة أخرى من صور العبودية. والمدرسة التي يدخلها السلاح لكي يحسم خلافاً تربوياً، لا تعلّم الأطفال التربية، وإنما تعلّمهم أن القوة فوق الحق، وأن الخوف أسبق من العقل، وأن الإنسان لا يحمي كرامته بالحجة وإنما بالبطش. وهنا تصبح الحادثة أخطر من صفعة. فالطفل الذي يرى أباه اللواء المعتمد السابق يدخل المدرسة بالسلاح ليفرض إرادته لا يتلقى درساً في التربية؛ إنه يتلقى درساً في العبودية. يتعلم أن الكبير لا يُحترم لأنه كبير في عقله، وإنما لأنه قادر على الإيذاء. ويتعلم أن السلطة أقصر الطرق إلى الحق. ويتعلم، دون أن ندري، كيف يعيد إنتاج السودان القديم في نفسه.

يا سيادة اللواء السابق، يمكنك أن تحتفظ بصورك القديمة، حيث النجمة في مكانها والدبورة تلمع على كتفك. ويمكنك أن تحتفظ في سيرتك الذاتية بأنك كنت لواءً، وأنك كنت معتمداً، وأن لك مكتباً وحرساً وبروتوكولاً. لكن ثمة سيرة أخرى لا تستطيع أن تكتبها بنفسك. سيرة الإنسان فيك. هل استطعت أن تحكم نفسك حين كنت قادراً على حكم غيرك؟ هل استطعت أن تكبح يدك حين كان السلاح في يدك؟ هل عرفت أن الإنسان الذي أمامك ليس تابعاً لرتبتك السابقة، ولا خادماً لماضيك، وإنما هو إنسان له كرامته وحريته ومسؤوليته؟ هذه الأسئلة هي التي تحدد مقامك الحقيقي. فقد تأمر كتيبة ولا تستطيع أن تأمر يدك ألّا تمتد إلى حقوق الناس. وقد تحمل سلاحاً يجعل الناس يخافونك، ولكنك لا تستطيع أن تجعل الخوف احتراماً. وقد تكون لواءً في الجيش، ولكن ذلك لا يجعلك لواءً في معركة الإنسان ضد جهله وغضبه وشهوته للسيطرة.

فالنجمة لا تربي الضمير. والدبورة لا تصنع الوعي. والمسدس لا يصنع الحجة. والمنصب لا يصنع الإنسان. فالإنسان يصنعه وعيه، وحريته، ومسؤوليته. ولذلك فإن الدفاع عن الأستاذ الأمين ليس دفاعاً عن شخص ضد شخص، وإنما دفاع عن مبدأ أعمق: أن يكون الإنسان حراً، وأن يكون القانون فوق الجميع، وأن تكون المدرسة مكاناً لتحرير الإنسان من الخوف، لا مصنعاً لإعادة إنتاجه.

فالمدرسة التي نريدها ليست مدرسة الطاعة العمياء، وإنما مدرسة الإنسان الحر. والتربية التي نريدها ليست تربية الخوف، وإنما تربية المسؤولية. والسلطة التي نريدها ليست سلطة القهر، وإنما سلطة القانون. فليذهب اللواء إلى أرشيف الرتب، والمعتمد إلى أرشيف المناصب. أما الإنسان، فليس له أرشيف إلا ما صنعه بوعيه وخلقه ومسؤوليته.

وأرجو ألّا يكون ما ذكره المعتدي في منشوره صحيحاً حين زعم أن مدير المدرسة قد جعل المعلم يعتذر للمعتدي. فإن صح ذلك، فإن المصيبة تصبح أعمق من حادثة اعتداء؛ لأن المدير يكون، من حيث يدري أو لا يدري، قد علّم المعلم والطلاب درساً خطيراً: أن السلطة القديمة يمكن أن تستدعي سلطانها إلى المدرسة، وأن صاحب النجمة السابقة يمكن أن يستعيد شيئاً من نفوذه بمجرد إشهار السلاح. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نرفضه. فالنجمة قد تسقط من الكتف. والدبورة قد تُحفظ في صندوق. والمنصب قد ينتهي. والسلاح قد يُعاد إلى مخزنه. لكن هناك شيئاً لا يجوز أن نضعه في أي مخزن: ضمير الإنسان. وهناك شيئاً لا يجوز أن نسمح لأحد أن ينتزعه منا: حريتنا. وهنا تحديداً تسقط الرتب. هنا تسقط أوهام السلطة. هنا ينتهي سلطان الخوف. وهنا يبدأ الإنسان. وهنا ــ لا عند فوهة البندقية، ولا تحت ظل الدبورة، ولا في مكاتب المعتمدين ــ يبدأ السودان الجديد. سودان الإنسان الحر، المسؤول، الواعي؛ السودان الذي لا يحتاج فيه أحد إلى نجمة على كتفه لكي يكون كبيراً، ولا إلى مسدس في يده لكي يكون مسموعاً، ولا إلى إخافة الآخرين لكي يشعر بأنه إنسان. فإن لم تسقط النجمة من داخل الإنسان، فلن تنفعه ألف نجمة على كتفه. وإن لم يتحرر من عبودية السلطة، فلن يكون حراً، بل يصبح كالبرهان يحلم بحكم السودان وهيهات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..