من رماد الحرب.. إلى فرحة التخرج: أمهات دارفور يغسلن الحلم بالدموع ويروينه بالصبر
د. مهدي تاج

في زاوية ضيقة من منزل من الصفيح في معسكر نيفاشا، كانت تجلس الحاجة “ست البنات” تلمع عباءة تخرج لم تُرتدَ بعد.
العباءة سوداء.. لكنها في عينيها بيضاء كبياض الأمل.
“دي حقت ولدي محمد. فاضل ليه شهر ويتخرج من جامعة الفاشر. قال لي يا أمي يوم أتخرج ألبسك التاج”
صوتها يرتجف، وتمسح دمعة بكُمِها المرقع: “الحرب أخذت البيت والبهايم.. لكن ما أخذت القراية”.
– شغف لا تكسره الحرب:
لم يعد مجرد شهادة، التعليم هنا صار مقاومة. صار رداً على كل من قال “أجيالكم ضاعت”.
في ظل انقطاع الكهرباء بمعسكر الدبة، تجلس “أمينة” ابنة نيالا تحت ضوء البطارية تحفظ المحاضرات. أبوها سائق ركشة، وأمها تبيع الشاي.
تقول وهي تضم كتبها: “كل مرة البنزين يغلى بنقول خلاص نقعد. بس أمي تقول لي: اقري يا بتي، شهادتِك دي هي سلاحنا الوحيد”.
جامعات دارفور.. الفاشر، نيالا، زالنجي، الجنينة والضعين، قاعات متضررة واضطرت هي الأخرى كذلك للنزوح والهجرة ، أساتذة نزحوا ، وطلاب تشتتوا،
لكن الإصرار أكبر من كل الخراب.
– فرحة مخضبة بالصبر:
يوم التخريج، لا زغاريد في البيوت، هناك دعاء وسجود،
“اللهم نجحوا وارفع راسنا” تقولها الأمهات وهن يخبزن الكسرة.
في سوق معسكر كلمة، اشترى العم “يعقوب” بدلة لابنه بالقسط. 8 شهور وهو يسدد، “ما عندي قروش أعرس ليه هسي.. لكن عندي قروش أفرح بيه متخرج. التخرج ده عرسنا نحنا”
صور التخرج في دارفور مختلفة، طالب لابس روب مستعار، وخلفه أمه لابسة توبها المطرز، وأبوه ماسك العصا، وأخواته الصغار حفيانات…لكن الضحكة.. الضحكة تساوي ألف قاعة.
رسالة إلى كل يائس:
يا أهل دارفور..
أنتم لم تنكسروا، أنتم علمتم الدنيا معنى “نقرأ رغم الرصاص”.
كل شهادة تتخرج من جامعاتكم هي صفعة في وجه الحرب.
كل طبيب ومهندس ومعلم يطلع منكم هو طوبة جديدة في بناء الوطن.
ولكل أم سهرانة: تعبك ما راح،
ولكل أب شغال ليل نهار: عرقك حيبقى شهادة على الجدران،
ولكل طالب حاسي بالإحباط: كمل، عشانك، وعشان أمك اللي شايلة همك في قلبها، وعشان بلد محتاجاك تقوِمُه.
الحرب أرادت أن تدفن دارفور..
فأنبتت دارفور خريجين في شتى التخصصات.
– التخرج الجاي في جامعة زالنجي ده ما فرحة بيت واحد. ده انتصار إقليم كامل… جامعة زالنجي فعلتها وكذلك أخواتها.



