
الحروب لا تنتهي دائماً عند آخر طلقة. أحياناً تغادر خطوط النار لتستقر داخل العلاقة بين الدولة ومواطنيها. عندها يصبح السلام – إنْ تحقق – امتحاناً جديداً، وتتحول العودة، إلى… معركة لا تقل قسوة عن النزوح.
بهذا التوصيف المُبسّط، تبدو الخرطوم بعد عام على استعادة الجيش السيطرة عليها.
أكثر من مليوني سوداني عادوا إلى المدينة من أصل خمسة ملايين دفعتهم الحرب إلى الفرار، لكنهم لم يجدوا المدينة التي غادروها، ولا الدولة التي وعدتهم بأن النصر سيعيد الحياة إلى مجراها. وجدوا عاصمة تحاول أن تنهض بجسد مثقل، ويُطلب منها أن تمشي قبل أن تلتئم جراحها.
قرار العودة لم يكن ثمرة شعور بالأمان. كثيرون عادوا لأن أبواب المنافي ضاقت، ولأن حملات بعض الجوار الشعواء على اللاجئين دفعتهم إلى اختيار وطن لم يشف بعد. كانت العودة أقل الخيارات قسوة، لا أكثرها أملاً.
السلطة الحاكمة، من جهتها، أرادت أن تستعيد إيقاع العاصمة سريعاً. الموظفون طُلب منهم العودة إلى مكاتبهم، والطلاب إلى جامعاتهم ومدارسهم، والأسواق إلى نشاطها. بدا المشهد وكأنهم يريدون للزمن أن يعود بقرار سلطوي، أما المدينة فكانت تقول شيئاً آخر.
الكهرباء ما تزال غائبة عن معظم الأحياء، بعد أن خرج ثلثا بنيتها التحتية من الخدمة بفعل الحرب واستمرار استهداف محطاتها. ثماني ساعات من التيار في اليوم لا تكفي لإحياء مدينة، تماماً كما لا يكفي إعلان النصر لإحياء وطن. فالعواصم لا تستعاد بالقبضة العسكرية وحدها، وإنما بما يعود إلى المدينة من حياة.
داخل جامعة الخرطوم، عاد الطلاب قبل أن تعود الجامعة. القاعات ما تزال تنتظر الصيانة، والمختبرات تحمل آثار المعارك، والسكن الجامعي لم يستعد عافيته. التعليم، الذي يفترض أن يكون إعلاناً عن بداية جديدة، وجد نفسه يؤجل المستقبل ريثما يفرغ الماضي من ترك بصماته.
لكن الخراب الأكثر عمقاً لا يظهر في الجدران، وإنما في الاقتصاد الذي خرج من الحرب، والذي – يا للأسف، تحت يدي جبريل إبراهيم – فكلما انكمش الإنتاج، تمددت الجبايات. وكلما تراجعت الموارد، اتسعت منافذ التحصيل.
السلطة؛ بعدما عجزت عن حماية ممتلكات مواطنيها من الحرب، وجدت نفسها تبحث عن مواردها في جيوبهم.
العائد الذي حمل أثاث منزله ظناً أن قرارات الإعفاء الجمركي ستساعده على بدء حياة جديدة، فوجئ بأن الرسوم ما تزال تنتظره عند الحدود.
والتاجر الذي أعاد فتح متجره بعد سنوات من الإغلاق، وجد أمامه قائمة طويلة من الضرائب والرسوم والتراخيص والتحصيلات، بينما الكهرباء غائبة، والأسواق راكدة، والقدرة الشرائية تتآكل يوماً بعد آخر.
الشاحنات التي تنقل البضائع بين المدن، أصبحت تعبر سلسلة طويلة من نقاط التحصيل، حتى باتت كلفة الرسوم في بعض الأحيان تلتهم ما يتعدى ثلث قيمة الحمولة نفسها. وكل محطة تضيف رقماً جديداً إلى الفاتورة، قبل أن تضيفه إلى سعر السلعة على رفوف المتاجر، وبالتالي يدفع المستهلك ثمن طريق لم يسلكه، وتصبح لقمة العيش هي المحطة الأخيرة في رحلة الجباية.
اقتصادياً، المشكلة لا تكمن في الضريبة التي يفرضها قانون حكام البلاد، ولا في الرسوم التي تقابل خدمة معلومة وغائبة، وإنما في تحول التحصيل إلى غاية قائمة بذاتها. حين يصبح جمع الأموال بديلاً عن إنتاجها، تتحول الجباية إلى اقتصاد موازٍ يعيش على إنهاك الاقتصاد الحقيقي. عندها لا يغلق التاجر متجره لأنه خسر السوق، يسدّ أبوابه لأنه لم يعد قادراً على تمويل شبكة لا تنتهي من المطالبات.
ربما لهذا لم تعد الحرب تُقاس بعدد المباني المهدمة أو الأحياء التي استعادت هدوءها. ثمة حرب أخرى بدأت بعد توقف المدافع في العاصمة؛ حرب يخوضها المواطن مع فاتورة الكهرباء، ومع الراتب الشحيح الغائب، ومع الرسوم التي تتكاثر كلما حاول أن يبدأ من جديد.
إنها حرب لا تنتزع الإنسان من بيته، بقدر ما تجعل البقاء فيه أكثر كلفة من مغادرته.
لهذا تبدو مفارقة الخرطوم أكثر إيلاماً من قصة مدينة خرجت من الحرب. فالسلطة تقول للمواطنين: عودوا. لكن الطريق إلى العودة يمر عبر سلسلة طويلة من الأعباء التي تجعل النجاة مشروعاً مكلفاً.
حين تتحول العودة إلى ثمن يدفعه المواطن كل يوم، تصبح الحرب قد غادرت الجغرافيا فعلاً، لتستقر في العقد غير المعلن بين الدولة وأبنائها.




هذا المقال مسروق، ابتداء من عنوانه وحتى خاتمته، وحتى الصورة التعبيرية المرفقة به، من صفحة الكاتب Nizar Osman على فيسبوك