جامعة زالنجي ثلاثون عاماً من العطاء في قلب دارفور: من كلية الزراعة إلى الطب.. حين يصبح التعليم فعلاً للمقاومة ورسالةً للحياة
د. مهدي تاج

لم تكن جامعة زالنجي مجرد مؤسسة للتعليم العالي أُنشئت في غرب دارفور ثم واصلت مسيرتها بعد تقسيم الولاية؛ بل كانت، منذ تأسيسها، واحدة من أهم منارات العلم والمعرفة في إقليم دارفور، وحكاية نجاح سودانية تستحق أن تُروى بكل فخر.
في العام 1994م بدأت الحكاية، عندما أُنشئت الجامعة وكانت بدايتها المتواضعة عبر كلية الزراعة، في بيئة لم تكن تعرف من الإمكانات ما تعرفه الجامعات الكبرى، لكنها كانت تمتلك ما هو أهم: الإرادة، والطموح، والإيمان بأن دارفور تستحق جامعةً تصنع أبناءها وتُسهم في صناعة مستقبلها.
ومن تلك البداية أخذت جامعة زالنجي تنمو عاماً بعد عام، وتتوسع في برامجها وكلياتها ومعاهدها، وتتحول تدريجياً من مؤسسة تعليمية محدودة البرامج إلى صرح أكاديمي متكامل يخدم أعداداً متزايدة من أبناء دارفور والسودان.
جاءت كلية التربية لتفتح أبواباً جديدة في إعداد المعلمين، عبر برنامجي مرحلة الأساس والمرحلة الثانوية، في استجابة لحاجة المجتمع إلى معلمين مؤهلين قادرين على حمل رسالة التعليم في واحدة من أكثر مناطق السودان حاجةً إلى الاستثمار في الإنسان.
ثم توالت خطوات البناء والتوسع، فأنشئت كلية علوم الغابات، بما يتناسب مع طبيعة الإقليم وموارده البيئية، ثم كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية التي رفدت المجتمع بكوادر في مجالات الاقتصاد والإدارة والمحاسبة والعلوم المرتبطة بإدارة المؤسسات.
ولم تتوقف مسيرة الجامعة عند ذلك، فقد جاءت كلية علوم الحاسوب لتواكب التحولات المتسارعة في عالم التكنولوجيا والمعلومات، ثم كلية علوم التقانة، وكلية اللغات والعلوم اللغوية، لتؤكد الجامعة أنها لم تكن تنظر إلى التعليم باعتباره تخصصات منفصلة، وإنما مشروعاً متكاملاً لبناء الإنسان والمجتمع.
= من غرب دارفور إلى رحاب دارفور الأوسع:
ومن المهم أن نتذكر أن جامعة زالنجي نشأت في مرحلة كانت فيها ولاية غرب دارفور تضم ما أصبح لاحقاً ولايتي وسط وغرب دارفور. ولذلك لم تكن الجامعة حاضرة في زالنجي وحدها، وإنما امتدت رسالتها الأكاديمية إلى مدينة الجنينة، عاصمة غرب دارفور، حيث كانت للجامعة كليات وبرامج وحضور أكاديمي أسهم في خدمة مجتمع الولاية.
وبقيت الجامعة تؤدي هذا الدور حتى قيام جامعة الجنينة، لتبدأ مرحلة جديدة من توزيع الأدوار الأكاديمية في الإقليم، بينما ظلت جامعة زالنجي محتفظة بدورها التاريخي ومكانتها في خدمة مجتمع وسط دارفور وما حولها.
لكن التطور الأكبر في مسيرة الجامعة كان عندما تُوّج هذا البناء الأكاديمي بإضافة كلية الطب وكلية الصحة والعلوم الصحية.
لم يكن افتتاح هاتين الكليتين مجرد توسع إداري أو أكاديمي عابر؛ فقد كان استجابة لحاجة حقيقية في دارفور التي عانت طويلاً من النقص في الكوادر الطبية والصحية، ومن اتساع المسافات بين المواطنين ومراكز العلاج، ومن الحاجة الماسة إلى أبناء المنطقة الذين يعرفون واقعها ويستطيعون العودة إليها وخدمتها.
وهنا أصبحت جامعة زالنجي لا تخرّج المعلم والمهندس الزراعي والإداري والحاسوبي والباحث فحسب، وإنما بدأت تصنع الطبيب والكوادر الصحية الذين تحتاج إليهم دارفور أكثر من أي وقت مضى.
والآن.. الطب يكتب الفصل الجديد
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيس الجامعة، تقف كلية الطب أمام لحظة تاريخية.
طلابها وطلاب كلية العلوم الصحية يستعدون للاحتفاء بتخرجهم في الأيام القادمة، في مشهد لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد احتفال جامعي تقليدي.
إنه احتفال مختلف.
احتفال يأتي في زمن الحرب، وفي ظل ظروف قاسية عصفت بالجامعات والمؤسسات التعليمية، وأجبرت كثيراً من الطلاب على النزوح، وحرمت المؤسسات من مقارها وقاعاتها ومعاملها، وأوقفت كثيراً من مظاهر الحياة الطبيعية.
ومع ذلك، ها هم طلاب الطب والعلوم الصحية في جامعة زالنجي يستعدون للتخرج.
أي رسالة أقوى من هذه؟
إنهم يقولون للسودان كله إن الحرب قد تهدم مبنى، لكنها لا تستطيع أن تهدم إرادة طالب يحمل كتابه.
قد تغلق الحرب قاعة، لكنها لا تستطيع إغلاق عقل يؤمن بالعلم.
قد تعطل الطريق، لكنها لا تستطيع إيقاف من قرر أن يصل.
هؤلاء الطلاب لا يحتفلون بتخرجهم لأن الطريق كان سهلاً، وإنما لأنهم واصلوا السير رغم صعوبة الطريق.
ومن هنا تكتسب فرحتهم معنى أكبر من مجرد الحصول على شهادة.
إنها فرحة الانتصار على اليأس.
وفرحة التمسك بالحياة.
وفرحة الإصرار على أن دارفور، رغم الجراح، قادرة على أن تنتج طبيباً ومعلماً ومهندساً وباحثاً، وأن مستقبلها لا ينبغي أن يُختصر في أخبار الحرب والنزوح والمآسي.
عزيمة الرجال لا تهون
إن ما يفعله طلاب جامعة زالنجي اليوم يجب أن يصل إلى كل مسؤول في الدولة، وإلى كل جامعة سودانية، وإلى كل منظمة وطنية ودولية، وإلى كل رجل وامرأة يؤمنان بأن التعليم هو الطريق الحقيقي لإنقاذ السودان.
التعليم يجب ألا يتوقف.
هذه ليست رفاهية.
وليست قضية يمكن تأجيلها إلى أن تنتهي الحرب.
فالحرب مهما طال أمدها ستنتهي، لكن السؤال الذي سيبقى هو: ماذا سنجد عندما تنتهي؟
هل سنجد جيلاً حُرم من التعليم؟
أم سنجد جيلاً واصل تعليمه رغم الحرب، واستعد منذ الآن لبناء السودان الذي سيأتي بعدها؟



