أمريكا وإسرائيل: نطاقات الحرب الموسعة

وفي الوقت نفسه لا ترغب إيران، حسب تصريح رئيسها مسعود بزشكيان، توسيع نطاق الحرب، وهذا مفهوم في ضوء النتائج والضربات المستمرة استهدافا لمواقع إيران الحيوية والخشية من نتائج القوة الأمريكية الغاشمة المستخدمة. وما يشهده العالم من غليان يجتاح المنطقة وتعدد بؤرها الملتهبة من اليمن إلى لبنان وأخيرا الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، في حادثة استهداف سفن الغاز في ميناء دمياط بمصر الأسبوع قبل الماضي في تطور لافت لمسار الحرب الجارية في الخليج ومدى اتساع رقعتها.
الولايات المتحدة التي تمثل في الحرب ضد إيران، الدرع الحصينة لتجاوزات دولة الكيان تقف على مفترق طرق حول علاقاتها الاستراتيجية، أو التاريخية كما تصفها مع دول المنطقة الحليفة
وفي الجانب الآخر تواصل إسرائيل اعتداءاتها على سكان قطاع غزة بسياستها الاستيطانية في حرب مستنزفة أمام بصر العالم، تحولت إلى مأساة إنسانية مفتوحة لعدوان مستمر لأكثر من ثلاث سنوات. وبتحول المنطقة ودخولها بالتالي إلى تمدد الصراع التاريخي باتت أمريكا وإسرائيل يزداد خطرهما على المنطقة وشعوبها. فقد جعلت أمريكا المنطقة في حرب مستمرة من أقاصي أفغانستان إلى الخليج، مع التركيز على محور الصراع التاريخي بكل تشعباته الدينية والاستراتيجية في أرض فلسطين. وبهذا تكون منطقة الشرق الأوسط « فضاء حيويا» لأمريكا وإسرائيل بما يتجاوز كل معايير الهيمنة واختراق سيادة الدول، برغبة من حكامها أو برغبة الدولتين على السواء. وأصبح الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة التي تطبق عليها معايير النظام الدولي بكل ما يعنيه من هيمنة أحادية تقودها الولايات المتحدة منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ومهما يقال عن الدعم الأمريكي لإسرائيل، والتأييد المطلق لسياساتها وحمايتها في المؤسسات الدولية، بما فيه حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لأي قرارات تدين تصرفاتها العدوانية، إلا أن ذلك لم يصل إلى ما وصلت إليه إدارة دونالد ترامب من تنسيق غير مسبوق في العلاقة بين البلدين على المستوى العسكري كما يحدث الآن. وأيا يكن المنطق الذي يحكم علاقات البلدين إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ظل إدارة ترامب ازداد تشدده على تنفيذ سياساته باستمرار سيطرة إسرائيل بوجود أمني مكثف في غزة، ورفض الانسحاب الكامل، بل رفضه للخطة المدعومة من الولايات المتحدة بشأن غزة؛ يعد سابقة حتى بمعايير علاقات البلدين، الأمر لم يحدث خلال تاريخ الإدارات الأمريكية السابقة. ومع ضبابية الموقف والنتائج من حرب المنطقة التي بدت بلا حدود، أو سقف زمني وحقائق لا يمكن إخفاؤها لم تستطع القوة -وحدها- معالجتها بالحسم العسكري بما يحقق رغبة أمريكا في حربها الموسعة، أو إسرائيل في زعزعة أمن المنطقة. ولكن الحرب توسعت في نطاقها، بما تجاوز ما هو مرسوم لها، فدخلت المنطقة ودولها المستقرة في الخليج العربي إلى دائرة الحرب بالشكل الذي قد يجعل منها حرب خليج (رابعة)؛ إذ يشكل مضيق هرمز محورها العسكري والتفاوضي بين إيران وأمريكا. وإذ تشير المؤشرات إلى أن الموقف الأمريكي الإيراني التفاوضي والتعنت الإسرائيلي لن يصل إلى ما يمكن من خلاله إيقاف الحرب أو تخفيف تصاعدها المتوتر في المنطقة.
ومثلما تعددت جبهات الحرب، فقد تعددت مواقع التفاوض والوساطات الدولية بما فيها دول المنطقة (قطر، سلطنة عمان). ففي الوقت الذي تتفاوض أمريكا مع إيران، تجري المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية في روما – بوساطة أمريكية- تشمل أكثر الملفات حساسية بنزع سلاح حزب الله وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في الأراضي اللبنانية؛ وغيرها من ترتيبات عسكرية، إلا أنها مهددة بفعل الضربات الجوية الإسرائيلية ضد مواقع لبنانية.
يبدو أن التفاوض في ظل القصف بات سياسية متبعة لكل من أمريكا وإسرائيل في الحروب التي يشعلانها في المنطقة. فكل ما يجري في التفاوض أو الحرب وغيرها من وسائل قاهرة، لا يعبر إلا عن طغيان منطق القوة ومطالبة دول المنطقة بما فيها فلسطين تحت هذه الضغوط الهائلة بتقديم تنازلات والتخلي عن برامج نووية بما يعني عمليا إفساح المجال لإسرائيل وحدها بامتلاك ما لا يحق لغيرها في المنطقة. وإذا كانت الولايات المتحدة قد استطاعت إدخال دول المنطقة في حرب مفتوحة، فإنها تواجه مأزقا ليس على مستوى تبرير الحرب وحسب، ولكن في إداراتها ومن الطبيعي بالتالي تحقيق أهدافها أيا تكن عدم واقعيتها. ومن جانب آخر فإن الداخل الأمريكي قد انسحبت عليه آثار الحرب على المستوى السياسي، أبرزه الخلاف بين الجمهوريين (إدارة ترامب) والاقتصادي بما انعكس على أسعار الوقود والتضخم وغيرها من صعوبات اقتصادية، بما فيها فاتورة الحرب والميزانيات الضخمة للإنفاق العسكري. وفي الجانب الإسرائيلي الذي واجه ضربات في العمق الإسرائيلي، مما زاد من حدة المخاطر المحتملة لمواجهات غير تقليدية تستهدف ترسانات عسكرية ونووية، ما شكل عبئا أمنيا واستراتيجيا على إسرائيل، حسب منتقدي سياساتها في الحرب. ولكن هذه المخاطر قابلة للتصاعد والتمدد بقدر إصرار الدولتين (امريكا، إسرائيل) على مواصلة حروبهما، من دون تحكم بنتائجها. وفي ظل التهديدات التي يطلقها دونالد ترامب مع استمرار التفاوض للوصول إلى تفاهمات بشأن مضيق هرمز، فإن ما ينتظر لن يؤدي إلى حل شامل يجنب المنطقة ما يخشى منه من تحولات في الحرب وطبيعة الأسلحة التي قد تستخدم في حال انفجار الموقف أكثر مما هو عليه. وإن ضمانات الوسطاء لا تحمل أدنى قدر من الالتزام مهما خلصت النوايا، خاصة في أهم محاور الحرب (مضيق هرمز) وطريقة ادارته بين عمان وإيران كما هو مطروح الآن في وجود دول خليجية لا تقل أهمية المضيق الاستراتيجية عن إيران بالنسبة لها. فهذه التعقيدات التي ينتظر أن تحل عن طريق التفاوض لا تحمل بدايتها نهايات محتوم التوصل إليها على ضوء المستجدات التي تتوالى على مدار استمرار الحرب نفسها.
لقد شنت أمريكا وإسرائيل حربا بتنسيق مشترك في المنطقة، وتمددت الأخيرة في سياساتها التوسعية في الأراضي المحتلة متخذة من الصراع مع إيران غطاء مكنها من تطبيق ما كان يتصوره المتشددون في القيادة الإسرائيلية واليمين المتطرف من مخططات استيطانية والتراجع عن كل ما اتفقت عليها في مسار التفاوض، أو السلام مع الأطراف الفلسطينية. ولكن الولايات المتحدة التي تمثل في هذه الحرب الدرع الحصينة لتجاوزات دولة الكيان تقف على مفترق طرق حول علاقاتها الاستراتيجية، أو التاريخية كما تصفها مع دول المنطقة الحليفة، فالضرر الذي تلحقه الحرب على مستوى بنية النظم الحاكمة، يصعب في ظل هذه الحرب المتمددة، التنبؤ بما يؤول إليها من نتائج أو المصير المرتبط بتحولات الحرب في حيزها الجغرافي أو مناخها السياسي. فقد فجرت الحرب مناطق وأعادت أذرع لإيران من جديد إلى الساحة في اليمن ولبنان ودفعت بتحالفات جديدة على أمن خطوط الملاحة البحرية، ما يعني بروز خريطة جيوسياسية جديدة تضاف إلى صراعات منطقة الشرق الأوسط المتجذرة. وبينما تستمر أمريكا في تهديداتها وضربها المركز على إيران وتتوغل إسرائيل في معسكرات اللاجئين في الأراضي المحتلة، تزداد في الوقت نفسه ملفات الحرب الرئيسة تعقيدا التي من أجلها شنت الحرب بسبب تخبطات سياسة الإدارة الأمريكية، وبراغماتية إسرائيل.
القدس العربي



