رهان الجيش على سحق الدعم السريع تحت المجهر: أبعاد الاستراتيجية وحدود الرهان

تستمر الحرب السودانية في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في البلاد منذ اندلاعها، حيث يقف السودان أمام أزمة معقدة تتداخل فيها العوامل الداخلية والإقليمية.
وفي قلب هذه التطورات يبرز رهان القوات المسلحة السودانية على الحسم العسكري الكامل وسحق قوات الدعم السريع كخيار استراتيجي لا بديل عنه، وهو رهان يعتمد بالأساس على الرصيد التاريخي والمؤسسي للجيش، بالإضافة إلى التفوق في سلاح الجو والشرعية الدولية، رغم أن طبيعة المعارك الميدانية المعقدة تطرح تساؤلات جادة حول مدى إمكانية تحقق هذا الخيار وتكلفته الاقتصادية والإنسانية.
تستند استراتيجية الجيش السوداني للقضاء على الدعم السريع إلى مقومات رئيسية في مقدمتها الشرعية المؤسسية والدولية، حيث يتعامل الجيش مع الحرب من موقع القوات المسلحة النظامية للدولة، مما يمنحه الأفضلية في التعاملات الدبلوماسية والشرعية القانونية مقارنة بقوات تُصنف كمجموعات متمردة.
كما يمتلك الجيش أفضلية نوعية في سلاح الجو والمدفعية الثقيلة، وهي الأدوات الأساسية التي يستند إليها في استهداف خطوط إمداد التشكيلات السريعة ومواقع تمركزها الحيوية، إلى جانب تعويله على دعم قطاعات واسعة من الشارع السوداني والتعبئة العامة للحصول على العنصر البشري والغطاء المجتمعي للاستمرار في المواجهة.
في المقابل، ورغم مكامن القوة النظامية، تفرض طبيعة التهديدات والميدان تحديات هيكلية أمام تحقيق حسم عسكري سريع وشامل.
فقد أظهرت معارك الأحياء السكنية والمناطق المأهولة تفوقاً تكتيكياً للتشكيلات الخفيفة والسريعة الحركة، مما يقلل من فاعلية السلاح الثقيل ويجعل معارك السيطرة على الأرض مكلفة وتستغرق وقتاً طويلاً.
يضاف إلى ذلك اتساع جغرافيا السودان وتداخلها، مما يسمح بقابلية الحركة والتمدد لقوات الدعم السريع في دارفور وكردافان ومناطق أخرى يصعب محاصرتها في جبهة واحدة، فضلاً عن الكلفة الاقتصادية والإنسانية الباهظة للاستراتيجيات العسكرية طويلة المدى، والتي تتسبب في إنهاك الاقتصاد وتفاقم الكارثة الإنسانية ونزوح الملايين.
وفي ظل هذه المعطيات الميدانية والسياسية، تتجاذب المشهد ثلاثة سيناريوهات مستقبليّة رئيسية.
أولها سيناريو الحسم العسكري التدريجي عبر نجاح الجيش في تفكيك مركز قيادة الدعم السريع وقطع خطوط إمدادها الإقليمية، وهو ما يتيح استعادة الدولة لسيطرتها مع احتمال بقاء جيوب مقاومة وحرب عصابات طويلة المدى.
السيناريو الثاني يكمن في الجمود الميداني والتقسيم في حال عجز الطرفين عن تحقيق حسم كامل وتثبيت نقاط السيطرة الحالية، مما قد يؤدي إلى تقسيم فعلي لمناطق النفوذ وتعميق الأزمة.
السيناريو الثالث فيتمثل في الوصول إلى تسوية تفاوضية إجبارية نتيجة الإنهاك الكامل للطرفين وزيادة الضغوط الإقليمية والدولية، مما يدفع نحو العودة إلى مسار التفاوض لبناء هيكل أمني وسياسي جديد كلياً.
ختاماً، يظل رهان الجيش السوداني على سحق الدعم السريع محاطاً بتحديات معقدة تتجاوز القدرة العسكرية المباشرة لتمس توازنات السياسة الإقليمية والتماسك الاجتماعي.
وإن كان الحسم العسكري يمثل خياراً استراتيجياً للحفاظ على هيكل الدولة القومية ومنع تفككها، فإن استطالة أمد المواجهة تجعل من تحقيق هذا الرهان عملية ذات كلفة باهظة قد تتطلب في النهاية الموازنة بين الحسم الميداني والحلول السياسية المكملة لضمان استقرار البلاد.



