ثورات السودان والحلم بالأجنحة

حمد الفكي
راود الإنسان حلم الطيران منذ أزمان بعيدة. نظر إلى الطيور وهي تحلّق في السماء، فظن أن سر الطيران يكمن في أجنحتها. صنع لنفسه أجنحة، وثبّتها إلى جسده، ثم حاول تقليد حركة الطيور. لم تكن المشكلة في الحلم، ولا في الشجاعة اللازمة للقفز، بل في اختزال الطيران في أكثر مظاهره وضوحًا: الأجنحة. فالطيران لا تصنعه الأجنحة وحدها، وإنما يقوم على فهم القوى التي تحكمه، وعلى الموازنة بين الرفع والدفع والسحب والوزن، ثم على الدراسة والتجريب والتعلّم المتراكم من الفشل.
تشبه محاولاتنا المتكررة للثورة في السودان، إلى حد بعيد، تلك المحاولات الأولى للطيران. فقد رأينا الشكل الظاهر للثورة وأتقناه: الغضب الشعبي، والهتافات الملهمة، والمواكب، والاعتصامات، والعصيان المدني، والاستعداد النادر للتضحية. واستطعنا أكثر من مرة أن نصنع لحظة عظيمة يهتز فيها النظام ويسقط رأسه. لكننا لم ندرس بالجدية نفسها القوى التي تحكم الانتقال من إسقاط الحاكم إلى تغيير النظام، ومن الاحتجاج على الواقع إلى بناء واقع جديد قادر على الحياة والدفاع عن نفسه.
لا يعني هذا أن ثورات السودان كانت عبثًا، أو أنها لم تحقق شيئًا. فقد كشفت في كل مرة عن قدرة السودانيين على مقاومة الاستبداد، وأسقطت أنظمة بدت عصية على السقوط، وفتحت نوافذ حقيقية لإقامة نظام سياسي مختلف. لكن إسقاط رأس السلطة لا يساوي تفكيك البنية التي أنتجتها، كما أن امتلاك الشجاعة اللازمة للقفز لا يعني امتلاك القدرة على الطيران.
بعد ثورة أكتوبر 1964، انتقل السودان إلى حكم مدني، وأُجريت الانتخابات في عام 1965، لكن التجربة الديمقراطية انتهت بانقلاب مايو 1969. وبعد انتفاضة أبريل 1985، أُجريت الانتخابات في أبريل 1986، ثم انتهى الحكم الديمقراطي بانقلاب يونيو 1989. أما ثورة ديسمبر، التي بدأت في عام 2018 وقادت إلى سقوط عمر البشير في أبريل 2019، فقد دخلت البلاد بعدها في ترتيب انتقالي تقاسم فيه المدنيون والعسكريون السلطة، قبل أن ينقلب العسكريون عليه في أكتوبر 2021، ثم ينفجر الصراع بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في حرب مفتوحة في أبريل 2023. وتكشف هذه المتوالية التاريخية عن تصاعد لافت في طول عمر كل ديكتاتورية لاحقة، وفي حجم العنف والخراب الذي خلّفته. كما تكشف أن الأدوات والمؤسسات والحالة الذهنية التي نقارب بها التغيير ظلت تعيد بلادنا إلى عالم ترفرف فوقه رايات الطغيان والاستبداد، وتضع الجهل في موقع القيادة، حتى بلغنا، عقب ثورة ديسمبر، هذا الوضع من الفوضى الذي ينذر بضياع السودان الذي نعرفه.
تختلف هذه التجارب في ظروفها وقواها ومآلاتها، ولا يجوز اختزالها في تجربة واحدة. ومع ذلك، فإن تكرار الانتقال من الثورة إلى الحكم المدني، ثم العودة إلى الحكم العسكري، يفرض علينا سؤالًا لم نواجهه بالعمق الكافي: لماذا ننجح في فتح الطريق إلى التغيير، ثم نفشل في حمايته واستكماله؟ ولماذا تتكرر النتائج، على الرغم من اختلاف الأزمنة والأشخاص والشعارات والوثائق؟
ربما تكمن بداية الإجابة في أننا تعاملنا مع الثورة باعتبارها لحظة احتجاج كبرى، لا عملية طويلة لإعادة تشكيل القوة والدولة والمجتمع. ركّزنا على من يجب أن يرحل أكثر مما ركّزنا على ما ينبغي تغييره، وكيف يمكن تغييره، ومن سيقوم بذلك، وبأي أدوات وتحالفات وترتيب للأولويات. افترضنا أحيانًا أن سقوط الحاكم يفتح الطريق تلقائيًا أمام البديل، بينما كانت قوى النظام القديم تحتفظ بالسلاح والمال والمؤسسات وشبكات المصالح والخبرة المتراكمة في المناورة والبقاء.
وهنا يظهر ما أطلق عليه كلاوزفيتز «الاحتكاك»: تلك الصعوبات والوقائع والمصادفات وتعارض الإرادات التي تجعل ما يبدو بسيطًا على الورق بالغ الصعوبة عند التنفيذ. فالبيانات قد تكون واضحة، والبرامج مفصّلة، والهياكل الانتقالية مرسومة بعناية، لكن الواقع لا يتحرك وفق النصوص. هناك خصوم يملكون مصالح وقدرات وإرادة مستقلة، وحلفاء تختلف غاياتهم، ومؤسسات لا تنفذ بالضرورة ما يُطلب منها، ومعلومات ناقصة، وأحداث غير متوقعة، وقرارات تؤدي إلى نتائج لم يقصدها أصحابها. ولذلك، فإن الثورة كما نتخيلها ليست هي الثورة كما تتكشف في الواقع.
رفض الحاضر بكل قبحه ليس استراتيجية. والهتافات الملهمة، مهما كانت محكمة الصياغة، ليست استراتيجية. والاجتماعات الممتدة حول الموائد المستديرة أو المستطيلة، والبرامج المكتوبة بتفصيل مسهب، لا تصنع في ذاتها واقعًا جديدًا. وحتى شجاعة شبابنا واستعدادهم للتضحية بأغلى ما يملكون، على عظمتهما، لا يكفيان لتغيير بنية سياسية عميقة الجذور. فما لم تتحول هذه الشجاعة إلى قدرة منظمة، تسترشد بتشخيص صادق واستراتيجية جيدة، وتقودها قيادة أُعدّت لهذه المهمة وقادرة على التعلّم، فقد ندفع أثمانًا باهظة من دون أن نقترب من الواقع الذي ننشده.
الرفض يمنح الثورة طاقتها. والشعار يحدد بوصلتها الأخلاقية. والبرنامج يصف النتائج والسياسات التي نرغب فيها. أما الاستراتيجية، فتحدد كيف ننتقل من الواقع القائم إلى تلك النتائج في مواجهة قوى ستقاومها. وهذه ليست فروقًا لغوية، بل فروق جوهرية بين الرغبة في التغيير والقدرة على إنجازه.
كانت «حرية، سلام وعدالة» تعبيرًا بالغ القوة عن الوجهة الأخلاقية لثورة ديسمبر، لكنها لم تجب، ولم يكن مطلوبًا منها أن تجيب، عن كيفية نقل السلطة من اللجنة الأمنية، أو التعامل مع الجيش والدعم السريع والأجهزة الأمنية وشبكات الإسلاميين الاقتصادية والإدارية، أو المحافظة على وحدة القوى المدنية، أو استثمار قوة الشارع، أو التعامل مع المصالح الإقليمية والدولية المتشابكة في السودان. لم يكن مطلوبًا من الشعار أن يجيب عن ذلك؛ كان مطلوبًا من القيادة السياسية أن تفعل.
أظهر الثوار خلال ثورة ديسمبر ذكاءً عمليًا وقدرة مدهشة على التعلّم والتكيف. ابتكروا أشكالًا متعددة للمقاومة والتنظيم والتواصل، واستطاعوا الاستمرار في مواجهة آلة قمع عنيفة. لكن تكتيكات الحشد والمواكب والاعتصام، على أهميتها وفاعليتها في مقاومة النظام، لم تتحول إلى استراتيجية لإدارة الانتقال وتغيير بنية السلطة.
لم تتفق القوى المدنية على تشخيص محدد لطبيعة النظام الذي سقط. هل سقط النظام فعلًا، أم سقط رأسه وبقيت دولته وأجهزته وشبكات مصالحه؟ ما مصدر القوة الذي كان يجب تغييره أولًا؟ وكيف كان ينبغي التعامل مع تعدد مراكز السلاح؟ وما القرارات الحاسمة التي كان يجب اتخاذها خلال نافذة الزخم الثوري؟ وكيف يمكن المحافظة على الشارع شريكًا منظمًا في عملية الانتقال، بدلًا من تحويله إلى جمهور ينتظر قرارات الحكومة، ثم يخرج للاحتجاج عليها؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل تنفيذية تأتي بعد نجاح الثورة؛ إنها جوهر استراتيجية الانتقال نفسها. والاستراتيجية هنا لا تعني كتابة برنامج شامل يصف الدولة المثالية التي نريدها، ولا تجميع قائمة طويلة من المطالب والأهداف. تبدأ الاستراتيجية بتشخيص المعضلة المركزية التي تمنع التغيير، ثم اختيار سياسة عامة توجّه التعامل معها، ثم تركيز الجهود المحدودة في أفعال مترابطة تُحدث أثرًا حقيقيًا. فالرؤية تجيب عن سؤال: أي سودان نريد؟ أما الاستراتيجية، فتجيب عن سؤال أشد صعوبة: ما العقبة الأساسية التي تحول بيننا وبين ذلك السودان، وكيف نستخدم ما نملكه من قوة محدودة لتجاوزها؟
ولا أدّعي في هذا المقال أنني أقدم التشخيص الكامل أو النهائي لأزمة السودان في الماضي أو الحاضر. غرض المقال هو تقديم وجهة نظر، وإثارة هذه الأسئلة، وربما تحفيز من هم في موقع الفعل على تناولها وتعميقها، أو طرح أسئلة أخرى تساعدنا على إضاءة واقع يغوص كل يوم أكثر في رمال التعقيد. فتشخيص واقع الأمس وواقع اليوم ليس عملًا فرديًا، وإنما عمل جماعي ينبغي أن يُيسَّر من خلال تعاون السياسيين، وقادة الحراك الجماهيري وقواعدهم، وأصحاب المعرفة والإلمام بهذا الضرب من التفكير، ممن يرغبون في بناء حركة سياسية تحمل مشروعًا يمكّننا من الطيران، ولا تقف عند الشعارات السياسية التي تكتفي بالحلم بالأجنحة وتمجيدها.
كان لدينا الكثير من المواثيق والبرامج والوثائق، لكن كثرة الوثائق لا تعني وجود استراتيجية. يمكن للبرنامج أن يخبرنا بما نريده في التعليم والصحة والعدالة والاقتصاد والعلاقات الخارجية، لكنه لا يخبرنا تلقائيًا كيف نتعامل مع احتكار السلاح، أو نعيد بناء الدولة، أو نوسّع القاعدة الاجتماعية للتغيير، أو نوازن بين القوى المتعارضة، أو نحمي الانتقال من الأطراف القادرة على تعطيله.
ويظهر غياب التشخيص الاستراتيجي كذلك في اختيار قيادة الفترة الانتقالية. لا أتناول هنا الدكتور عبد الله حمدوك باعتباره المتهم الوحيد، أو السبب المنفرد في فشل الانتقال، وإنما باعتباره التعبير الأكثر وضوحًا عن خلل أعمق. فقد اختارته القوى المدنية قبل أن تحدد بدقة طبيعة القيادة التي تتطلبها المرحلة. وبدلًا من البحث عن قيادة سياسية قادرة على بناء التحالفات، والمحافظة على وحدة القوى المدنية، وتعبئة الشارع، والتفاوض مع المكوّن العسكري، واتخاذ القرارات الصعبة، غلب على الاختيار البحث عن صورة «الخبير الأممي» المقبول داخليًا وخارجيًا.
كان يمكن للخبير الأممي أن يكون عنصرًا مهمًا داخل منظومة قيادة سياسية مؤسسية، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عنها. تسلّم حمدوك الحكومة من دون استراتيجية سياسية ملزمة ومتفق عليها، ومن دون مؤسسة قيادة جماعية متماسكة، ومن دون مجلس تشريعي، ومن دون علاقة منظمة ودائمة مع لجان المقاومة والقوى الحية التي صنعت الثورة. ثم طُلب منه أن يعبر وحده الفجوة بين برنامج واسع وواقع تتحكم فيه قوى مسلحة ومنظمة.
وعندما ظهرت محدودية قدرته القيادية، انشغلت القوى التي اختارته بصراعاتها الداخلية، بدلًا من تصحيح بنية القيادة نفسها. لذلك، فإن نقد تجربة حمدوك لا ينبغي أن يتحول إلى تجريح للرجل، ولا إلى تحميله وحده مسؤولية الفشل. إنه، قبل ذلك، نقد لطريقة الاختيار، وللقوى التي اختارته، وللمنظومة التي وضعت فردًا في موقع لا يستطيع وحده الوفاء بمتطلباته، ثم أسقطت عليه الصفات والقدرات التي كانت تحتاج إليها.
وهنا نصل إلى أزمة القيادة التي لم نُعِدّها، والمؤسسات السياسية التي لم نبنها. ليست أزمتنا أننا لم نُعِدّ القادة أو أننا لم نبنِ المؤسسات؛ أزمتنا أننا لم نفعل الأمرين معًا. فالقائد لا يُعَدّ في فراغ، وإنما يتكوّن داخل مؤسسة وفي غمار الفعل السياسي الحقيقي. وفي المقابل، لا تتطور المؤسسات أو تتجدد من دون قيادة واعية بطبيعة دورها وقادرة على بنائها وتغييرها.
ولا أقصد بغياب القيادة غياب «القيادة المدرَّبة» فقط، لأن التدريب قد يُفهم باعتباره دورات ومحاضرات وشهادات. القائد السياسي لا تصنعه قاعة التدريب وحدها؛ بل يتكوّن عبر سنوات من الممارسة، والتفاوض، واتخاذ القرار، والتعرض للمساءلة، وبناء التحالفات، وإدارة الاختلاف، والتعامل مع الأزمات، والاعتراف بالأخطاء والتعلّم منها. وهذه الممارسة لا تحدث خارج المؤسسات السياسية، بل تحدث داخلها ومن خلالها.
ومن دون مؤسسات سياسية تُبنى على معرفة بتصميم المؤسسات الديمقراطية، وعلى الديمقراطية داخل الحزب، وتداول المسؤولية، والتركيز على المواطن وخدمته، لن نتمكن من إعداد قادة سياسيين، ولا من بناء مؤسسات راغبة وقادرة على التعلّم المستمر. فالمؤسسة تنتج القادة، والقادة يعيدون تشكيل المؤسسة، ولا يمكن فصل أحد المسارين عن الآخر.
بل إن المؤسسة السياسية السيئة، التي لا تعلي من شأن الديمقراطية الداخلية، والتعلّم السريع، وإدارة المخاطر المصاحبة للفعل، وقياس نتائج أفعالها، قد تهزم أفضل مشروعات القادة. وقد تحول القائد إما إلى طاغية يضعف المؤسسة ليحكمها، وإما إلى تابع يردد رأي من يسيطرون عليها. ولهذا، فإن إعداد القادة وبناء المؤسسات ليسا مهمتين منفصلتين؛ إنهما عملية واحدة ينتج كل منهما الآخر.
لم تبنِ أحزابنا، في معظمها، مسارات جادة لإنتاج قيادات جديدة واختبارها وتجديدها. وظل كثير منها أسيرًا لقيادات ودوائر مغلقة تعيد إنتاج نفسها، وتمنع تداول المسؤولية، وتخلط بين بقاء التنظيم وبقاء الأشخاص الذين يسيطرون عليه. لذلك، عندما جاءت لحظة تاريخية تحتاج إلى قيادة استثنائية، بحثنا على عجل عن اسم مقبول، ثم أسقطنا عليه الصفات التي كنا نحتاج إليها. تصرفنا كما لو أن القيادة يمكن العثور عليها لحظة الحاجة، لا إعدادها داخل مؤسسات ديمقراطية وقادرة على التعلّم قبل تلك اللحظة.
قد يقول قائل إن الفترة الانتقالية كانت تجربة أولى، وإن القوى المدنية فوجئت بحجم التحديات وتآمر القوى المضادة. لكن الانقلاب، ثم الحرب، كان ينبغي أن يدفعا إلى مراجعة عميقة للتشخيص والاستراتيجية والقيادة والمؤسسات التي أنتجتها. وهنا تأتي «صمود» بوصفها اختبارًا حاسمًا لهذه الحجة.
فكرة «صمود» في أصلها جيدة، والحاجة إليها قائمة. فالسودان يحتاج إلى إطار مدني واسع يرفض الحرب، ويدافع عن التحول المدني الديمقراطي، ويجمع القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على بناء بديل للحرب والاستبداد. لكن الذين قادوا هذا الإطار حوّلوه، في تقديري، من مشروع وطني واسع إلى حلقة سياسية ضيقة تعيد تدوير الأشخاص والعلاقات وطرائق التفكير نفسها. وهكذا قُتلت الفكرة الجيدة، أو أُضعفت بشدة، على أيدي القائمين عليها.
في أغسطس 2025، قدمت ملاحظاتي على وثيقة «صمود»، وقلت إن تشخيصها لا ينفذ إلى عمق أزمة السودان: أزمة بنية الدولة، والعقد الاجتماعي، وإدارة التعدد، والعلاقة بين المركز والأطراف، وطبيعة المؤسسات التي ظلت تعيد إنتاج العنف والاستبداد. واليوم أضيف إلى ذلك أن الوثيقة، حتى في حدود تشخيصها وأهدافها المعلنة، لا تقدم استراتيجية واضحة للوصول إلى ما تريد.
فهي تخبرنا، بدرجات متفاوتة من التفصيل، عن السودان الذي تتمناه، لكنها لا تحدد العقبة المركزية التي تمنع الوصول إليه، ولا مصادر القوة التي يمكن استخدامها لتغيير الواقع، ولا كيفية بناء تحالف اجتماعي وسياسي واسع، ولا طريقة التعامل مع القوى المسلحة ومصالح الدول الإقليمية والدولية، ولا سلسلة الأفعال المترابطة التي تنقلها من الإدانة والموقف الأخلاقي إلى التأثير الفعلي في مجرى الأحداث.
أما نشاطها السياسي اليومي، فيدور، بدرجة كبيرة، حول تفسير ما يفعله البرهان والرد عليه وإدانته. ولكن عندما يحدد خصمك موضوع الفعل وتوقيته، ثم تكتفي أنت بالتفسير والإدانة، فإنه يظل مالكًا لزمام المبادرة. لا يعني هذا أن التفسير أو الإدانة غير مهمين، بل يعني أن النشاط السياسي، مهما كثر، ليس بالضرورة فعلًا استراتيجيًا. فقد تكون شديد النشاط، ومع ذلك تتحرك داخل جدول الأعمال الذي وضعه خصمك.
وهنا تظهر العلاقة بين الحلقة المغلقة وغياب الاستراتيجية. فالاستراتيجية الجيدة تحتاج إلى اختلاف حقيقي، ومعلومات متعددة، ونقد للافتراضات السائدة، واختيارات صعبة، ومساءلة عن النتائج. أما الحلقة المغلقة، فتميل إلى حماية تماسكها ومواقع أعضائها، فتنتج الوثيقة التي يستطيع الجميع الاتفاق عليها، وتتجنب القرار الذي قد يكشف اختلافاتهم أو يهدد وحدتهم. والنتيجة وثائق واسعة الأهداف، لكنها خالية من الاختيارات الصعبة التي تميز الاستراتيجية عن قائمة الأمنيات.
كذلك تمنع الحلقة المغلقة ظهور قيادات جديدة، لأنها تستبدل بناء المؤسسة بالاعتماد على الأسماء نفسها. ويعود حمدوك مرة أخرى، لا بوصفه جزءًا من منظومة قيادية واسعة ومتجددة، بل رمزًا يُستدعى لتغطية غياب تلك المنظومة. وهكذا نكرر الخطأ نفسه: نبحث عن اسم يحمل آمالنا، بدلًا من بناء مؤسسة تنتج القيادة والاستراتيجية، وتوزع المسؤولية، وتخضع القادة للمساءلة، وتتعلم من نتائج أفعالها.
ليست المشكلة، إذن، أن السودان عقيم لا ينجب قادة، أو أن غياب القيادة والمؤسسات القادرة قدر مكتوب علينا. فغيابهما نتيجة لما فعلناه وما لم نفعله، ولذلك يمكن تغيير هذا الواقع. لا يجوز أن ننتظر الثورة المقبلة، ثم نبحث أثناءها عن قائد واستراتيجية ومؤسسة تحملهما. يجب أن يبدأ الآن إعداد القيادات وبناء المؤسسات داخل الأحزاب والنقابات ولجان المقاومة والمجتمع المدني، عبر الممارسة الحقيقية، والديمقراطية الداخلية، وتداول المسؤولية، واتخاذ القرار، والتفاوض، والعمل الجماعي، والمساءلة، والتعلّم الصادق من الأخطاء.
ولا تعني الدعوة إلى الاستراتيجية البحث عن خطة مثالية تتنبأ بالمستقبل وتتحكم فيه. فالسياسة، مثل الحرب، مجال للاحتكاك وعدم اليقين وتعارض الإرادات. والاستراتيجية الجيدة لا تلغي المفاجآت، لكنها تمنحنا تشخيصًا نتحرك على أساسه، واتجاهًا نراجع قراراتنا في ضوئه، وقدرة على التعلّم والتكيف عندما لا تأتي النتائج كما توقعنا. إنها لا تقدم لنا طريقًا خاليًا من العوائق، لكنها تمنعنا من الخلط بين الحركة والتقدم، وبين كتابة البرنامج وتغيير الواقع.
لم ينجح الإنسان في الطيران لأنه كرر القفز بأجنحة أكبر، بل لأنه غيّر طريقته في مقاربة الحلم. انتقل من تقليد الشكل الظاهر للطائر إلى دراسة القوى التي تجعله يحلّق، ومن المحاولات المتفرقة إلى التجريب المنظم، ومن الاعتماد على شجاعة الفرد إلى بناء معرفة وقدرة تراكمية. ونحن أيضًا لا نحتاج إلى التخلي عن حلم الثورة، أو القبول بقبح الواقع. نحتاج إلى أن نتوقف عن الاعتقاد بأن قوة رفضنا للواقع تكفي لصناعة بديله.
الثورات لا تمنح الشعوب، لحظة اندلاعها، استراتيجية وقيادة ومؤسسات جاهزة؛ إنها تكشف ما أعدته تلك الشعوب قبلها. لقد دخلنا ثوراتنا بإرادة هائلة للرفض، لكننا لم ندخلها باستراتيجية لنقل السلطة وتغيير الدولة، ولا بقيادة أعددناها لهذه المهمة، ولا بمؤسسات سياسية قادرة على إنتاج القيادة والاستراتيجية وتصحيح مسارهما. وإذا انتظرنا الهبّة القادمة لنبدأ البحث عن القادة والاستراتيجية وبناء المؤسسات، فسنكرر المشهد نفسه: يسقط الحاكم، ويتقدم العسكر، ويتنازع المدنيون، ثم نبحث وسط الأنقاض عن الخطأ.
لقد أثبت شبابنا أنهم يملكون شجاعة الحلم بالأجنحة والقفز. وما ينقصنا ليس مزيدًا من الدماء لإثبات شجاعتنا، بل معرفة أعمق بطبيعة واقعنا، واستراتيجية جيدة لتغييره، ومؤسسات قادرة على حملها والتعلّم من نتائجها، وقيادة أعددناها داخل تلك المؤسسات قبل لحظة الاختبار. فالقفز ليس طيرانًا، وآن لنا أن نتعلّم، قبل القفزة القادمة، كيف نطير.
المراجع والأعمال التي استند إليها المقال
Richard P. Rumelt, Good Strategy/Bad Strategy: The Difference and Why It Matters, Profile Books, 2011.
Stephen Bungay, The Art of Action: How Leaders Close the Gaps Between Plans, Actions and Results, Nicholas Brealey Publishing, 2011.
أحمد الفكي، مجموعة مقالات عن ثورة ديسمبر منشورة في صحيفة الراكوبة الإلكترونية، وبصفة خاصة مقال «حلب التيوس في حدايق الثورة السودانية». مجموعة المقالات متاحة عبر صفحة الكاتب في صحيفة الراكوبة




ارجو تصحيح اسمي في المقال. أنا احمد الفكي وليس حمد الفكي