
لم تكن أزمة السودان في جوهرها أزمة حكومات فقط، ولم يكن تبدل الأنظمة السياسية منذ الاستقلال دليلاً على أننا كنا نبحث عن النظام الأفضل ثم أخفقنا في الوصول إليه. فالمشكلة أعمق من ذلك.
لقد ظل السودان طوال عقود يتحرك داخل الإطار الفكري والسياسي نفسه، مع تغيير الأشخاص والواجهات والأنظمة، بينما بقي التصور الأساسي للدولة وعلاقة المركز بالأطراف وعلاقة السلطة بالمجتمع على حاله.
ولهذا فإن إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني لا يمكن أن تبدأ من السؤال التقليدي: من يحكم السودان؟ وإنما من سؤال أكثر عمقاً: أي دولة نريد أن نبني؟
هذه النقلة في التفكير ضرورية لأن السودان لم يعان فقط من سوء إدارة السلطة، بل عانى من غياب تصور سياسي متكامل لطبيعة الدولة التي تستوعب تعدده الاجتماعي والثقافي والجغرافي والتاريخي.
ولذلك ظلت السياسة السودانية في كثير من مراحلها تدور حول الوصول إلى السلطة أكثر مما تدور حول إعادة بناء الدولة.
فالسلطة في الدولة الحديثة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لإدارة مجتمع متنوع وفق قواعد عادلة ومستقرة.
وعندما تتحول الدولة إلى غنيمة سياسية يصبح الصراع على السلطة أهم من الدولة نفسها، وتصبح المؤسسات أدوات في يد من يسيطر عليها بدلاً من أن تكون مؤسسات وطنية تعمل لصالح الجميع.
وهنا تكمن إحدى المشكلات الأساسية في التجربة السودانية.
لقد جرى التعامل مع السودان وكأنه دولة متجانسة تحتاج فقط إلى حكومة جيدة، بينما الحقيقة أن السودان دولة شديدة التنوع، وأن إدارة هذا التنوع تحتاج إلى فلسفة سياسية واضحة، لا إلى ترتيبات مؤقتة تفرضها موازين القوة بعد كل أزمة.
لقد ظل المركز السياسي في السودان هو نقطة إنتاج القرار والثروة والنفوذ، بينما بقيت الأطراف في موقع المطالبة بنصيبها من الدولة.
ومع مرور الزمن تحولت هذه المعادلة إلى أحد أهم مصادر الاحتقان السياسي والحروب والانقسامات.
ولذلك فإن إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني تعني الانتقال من فكرة دولة المركز إلى فكرة الدولة الوطنية المتوازنة.
الدولة الوطنية المتوازنة ليست دولة تساوي بين المواطنين في النصوص فقط، وإنما دولة تعيد توزيع السلطة والموارد والفرص بصورة تجعل المواطن في أي جزء من السودان يشعر بأن الدولة تخصه بقدر ما تخص غيره.
وهنا يصبح الفدرالية أكثر من مجرد نظام إداري.
تصبح رؤية سياسية لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين السلطة والمواطن.
لكن إعادة تأسيس الفكر السياسي لا تعني أيضاً استبدال مركزية قديمة بتفكيك الدولة إلى كيانات متنافسة.
فالمطلوب ليس تفتيت السودان، وإنما بناء دولة تستطيع أن تستوعب تنوعه دون أن تجعل الوحدة ذريعة للهيمنة، ودون أن تجعل التعدد ذريعة للانفصال.
السودان يحتاج إلى وحدة جديدة، لا إلى مجرد المحافظة على وحدة قديمة لم تنجح في تحقيق العدالة.
ومن هنا فإن الفكر السياسي السوداني الجديد يجب أن يعيد تعريف مفهوم المواطنة.
فالمواطن لا ينبغي أن تكون قيمته السياسية مرتبطة بموقعه الجغرافي أو خلفيته الاجتماعية أو قربه من مركز السلطة.
المواطنة هي الأساس الذي تتأسس عليه الدولة، وما عداها مكونات اجتماعية وثقافية وتاريخية تثري المجتمع ولا تحدد قيمة الإنسان السياسية.
كما يجب أن يعيد هذا الفكر تعريف معنى المعارضة والحكم.
فالمعارضة ليست مشروعاً دائماً لإسقاط الحكومة، والحكم ليس امتلاكاً للدولة.
كلاهما جزء من عملية سياسية هدفها الأساسي حماية الدولة وتطوير مؤسساتها وتحقيق مصالح المجتمع.
إن أحد أخطر مظاهر الأزمة السودانية هو أن القوى السياسية كثيراً ما تعاملت مع الدولة باعتبارها ساحة للصراع، لا باعتبارها الإطار الذي يجب أن يتفق الجميع على حمايته.
ولهذا لا يكفي أن نغير الدستور إذا بقي العقل السياسي كما هو، ولا يكفي أن نغير النظام إذا بقيت فلسفة الحكم نفسها، ولا يكفي أن تأتي نخبة جديدة إذا كانت تحمل التصورات القديمة ذاتها.
إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني تعني إعادة النظر في الأسئلة الكبرى التي حكمت السياسة السودانية منذ الاستقلال: مفهوم الدولة، ومفهوم السلطة، ومفهوم المواطنة، وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وموقع التنوع، ومعنى العدالة، وحدود السلطة، ودور المؤسسة العسكرية، وشروط الانتقال الديمقراطي، وكيفية إدارة الموارد العامة.
هذه ليست قضايا منفصلة.
إنها أجزاء من سؤال واحد: كيف نبني دولة سودانية تستوعب السودان كما هو، لا كما تخيلته النخب؟
فالسودان الذي نريد بناءه لا يمكن أن يكون نسخة محسنة من السودان الذي أنتج أزماته.
نحن بحاجة إلى عقل سياسي جديد يرى الدولة باعتبارها ملكاً عاماً، ويرى التنوع باعتباره حقيقة وطنية، ويرى السلطة باعتبارها مسؤولية مؤقتة، ويرى الأقاليم باعتبارها مكونات أصيلة في الدولة وليست هوامش تابعة للمركز.
ومن هنا تبدأ إعادة التأسيس الحقيقية.
فالمطلوب ليس إصلاح النظام السياسي القائم فحسب، وإنما الانتقال من إدارة الدولة القديمة إلى إعادة بناء الدولة على أساس فكري جديد.
وهذه هي المهمة التي يجب أن ينصرف إليها التفكير السياسي السوداني اليوم: أن ننتقل من سؤال من يحكم السودان إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يجب أن تُحكم دولة السودان؟
فلا يمكن بناء السودان الجديد بعقل الدولة القديمة، ولا يمكن معالجة أزمة الدولة بالأدوات الفكرية التي أنتجت الأزمة.



