
ماذا يحدث لحوار لم ينتهِ، بعد رحل صاحباه ؟ ربما يكون هذا هو السؤال الذي يعيدنا اليوم إلى محمود درويش وإدوارد سعيد، لا بوصفهما اسمين كبيرين في الذاكرة الفلسطينية والعربية، وإنما بوصفهما صوتين تركا وراءهما سؤالًا لم يجد بعد رحيلهما طريقًا إلى الإجابة. كان درويش وسعيد أكثر من مجرد صداقة بين شاعر ومفكر .كان هناك تقاطع نادر بين تجربتين عاشتا المنفى بطريقتين مختلفتين،واشتغلتا على السؤال نفسه من جهتين: سعيد حاول أن يفهم كيف يصنع المنفى الإنسان وهويته وعلاقته بالآخر، ودرويش حوّل المنفى إلى لغة، وحاول أن يجعل القصيدة مكانًا يستطيع الإنسان أن يسكنه حين يفقد المكان. التقى الرجلان عام 1974، وظلت بينهما صداقة قريبة، ثم جاء رحيل سعيد عام 2003 ليترك لدرويش مهمة مستحيلة: أن يرث صوته في القصيدة دون أن يتحدث باسمه. فكتب قصيدة (طباق ) ، فهي قصيدة ليست رثاءً تقليديًا بقدر ما هي محاولة لاستمرار الحوار بعد الموت. وقد لاحظ دارسو القصيدة أن درويش بنى فيها حوارًا متخيلًا مع سعيد حول المنفى والهوية والسياسة، وأن اختيار مفهوم الطباق نفسه يحيل إلى مفهوم سعيد في القراءة التي تسمح للأصوات المختلفة أن تتجاور وتتجانس بدل أن يبتلع أحدها الآخر.
يبدأ درويش من نيويورك، من مكان لا يبدو فلسطينيًا، ثم يستدعي لقاءه القديم بسعيد، وكأن الجغرافيا نفسها أصبحت جزءًا من السؤال: أين يكون الإنسان حين لا يعود المكان قادرًا على تعريفه؟ في القصيدة يتذكر الاثنان وعدًا للمستقبل: إذا كان الماضي خبرة، فعلى المستقبل أن يصبح معنى ورؤية. هذه الجملة الصغيرة تكاد تختصر شيئًا من مشروعهما معًا؛ فالماضي عندهما ليس بيتًا نعود إليه ونغلق الباب، بل مادة نصنع منها ما لم يوجد بعد. وهذا تحديدًا ما يجعل الهوية عندهما مسألة حية لا ميراثًا جامدًا. فالإنسان الذي لا يفعل شيئًا سوى حماية ماضيه قد يتحول إلى حارس لمتحف، أما الإنسان الذي يأخذ الماضي ويعيد صياغته في الحاضر، فهو الذي يصنع هويته بدل أن تسمح له الهوية بصنعه.
ولذلك يأتي السؤال في القصيدة بهذه البساطة: «والهوية؟ قلت». ثم يأتي الجواب: «دفاع عن الذات… الهوية بنت الولادة، لكنها في النهاية إبداع صاحبها، لا وراثة ماضٍ. أنا المتعدد… لكنني أنتمي لسؤال الضحية». هنا لا يقدم درويش تعريفًا أكاديميًا للهوية، وإنما يفككها من الداخل. نعم، الهوية تبدأ بالولادة؛ نحن لا نختار اللغة التي نسمعها أول مرة، ولا البيت الذي نولد فيه، ولا التاريخ الذي يسبقنا. لكن الولادة ليست نهاية الهوية. الإنسان يعيد كتابة نفسه كلما عاش، وكلما أحب، وكلما غادر، وكلما التقى بآخر لا يشبهه. لذلك تصبح عبارة «أنا المتعدد» أهم من أي تعريف مغلق للذات؛ فهي تعني أن الإنسان يستطيع أن يحمل أكثر من مكان، وأكثر من لغة، وأكثر من ذاكرة، دون أن يكون مضطرًا إلى قتل واحدة منها كي تثبت الأخرى وجودها. وهذا قريب جدًا من تصور سعيد للهوية والمنفى؛ فالمنفى عنده لم يكن مجرد فقدان وطن، وإنما موقعًا يسمح للإنسان بأن يرى أكثر من مركز، وأن يشك في الحدود التي تقدم نفسها كأنها طبيعية ونهائية. وفي سيرته «خارج المكان» ظل سعيد يستعيد تعدد الانتماءات واللغات والمواقع التي صنعت ذاته، لا باعتبارها نقصًا في الهوية، وإنما باعتبارها جزءًا من حقيقتها المركبة.
لكن درويش لا يترك الهوية في منطقة التعدد الجميلة؛ يضع أمامها امتحانًا أخلاقيًا أكثر صعوبة: «لكنني أنتمي لسؤال الضحية». وهنا تتغير القصيدة. لم يعد السؤال: من أنا؟ وإنما: ماذا أفعل بالآخر الذي يقف أمامي؟ يمكن للهوية أن تمنح الإنسان حماية وذاكرة وكرامة، لكنها تصبح خطرة حين تمنحه الحق في ألا يرى إلا نفسه. ولذلك لا يقول درويش «أنتمي إلى الضحية» وكأن الضحية جماعة جديدة، بل «أنتمي لسؤال الضحية»: أي أن أبقي ألمها مفتوحًا في ضميري، حتى عندما لا تكون من جماعتي. وهذه هي المسافة الأخلاقية بين أن تتضامن مع ضحية، وأن تجعل من الضحية امتيازًا يمنحك البراءة إلى الأبد. هنا يقترب درويش من واحد من أكثر الأسئلة إلحاحًا في فكر سعيد: كيف يمكن أن نعترف بتاريخنا وجرحنا من دون أن نستخدم هذا الجرح لمحو جرح الآخر؟ لقد ظل سعيد يرفض النظر إلى التاريخ باعتباره ملكية أخلاقية حصرية، لأن الاعتراف بمأساة شعب لا يحتاج إلى إنكار مأساة شعب آخر. ومن هذه النقطة تحديدًا يصبح الحوار بين الرجلين أكبر من فلسطين، من دون أن يفقد فلسطين؛ فهي الجرح الذي بدأ منه السؤال، لكنها ليست السقف الذي ينتهي عنده.
وهنا تكمن قوة درويش التي لم ننتبه إليها بما يكفي: لم يكن يريد أن ينقذ الفلسطيني من فقدان أرضه فقط، بل كان يريد أن ينقذه أيضًا من أن تتحول الأرض إلى تعريف نهائي له. الوطن ضروري، لكنه لا يكفي لصناعة الإنسان. الذاكرة ضرورية، لكنها إذا تحولت إلى قدر مغلق قد تصبح سجنًا. والهوية ضرورية، لكنها حين تدعي أنها الحقيقة الوحيدة تبدأ في إنتاج الآخر بوصفه خطرًا. لذلك لم تكن فلسطين عند درويش نهاية الشعر، بل بدايته؛ أخذ منها الاقتلاع، والمنفى، والحنين، والعودة، والموت، ثم دفع هذه الأشياء إلى منطقة يستطيع فيها الإنسان غير الفلسطيني أن يرى نفسه. وهذا ربما يفسر لماذا لم يبقَ درويش شاعر قضية فقط. فالشاعر الذي يكتب للقضية يمكن أن ينتهي بانتهاء اللحظة السياسية، أما الشاعر الذي يستخرج من القضية سؤال الإنسان، فيستطيع أن يعيش خارج زمنه.
ولهذا أيضًا كانت لغة درويش أقل صعوبة مما توحي به أفكاره. كان يعرف أن الكلمة لا تحتاج إلى أن تكون غريبة حتى تكون عميقة. يقول: «هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروب وفوّهة الوقت، قرب بساتين مقطوعة الظل، نفعل ما يفعل السجناء، وما يفعل العاطلون عن العمل: نربي الأمل». كل شيء هنا يبدو عاديًا: تلال، غروب، وقت، بساتين، سجناء، عاطلون، أمل. لكن كلمة واحدة تغير كل شيء: «نربي». الأمل الذي اعتدنا أن ننتظره يصبح شيئًا يحتاج إلى عمل ورعاية، كأن الإنسان في أقسى حالات العجز لا يملك حتى رفاهية انتظار المستقبل؛ عليه أن يصنع منه شيئًا صغيرًا ويبقيه حيًا. وهنا يتحول السجين من فلسطيني إلى إنسان، والعاطل عن العمل من حالة اجتماعية إلى صورة لكل من فقد موقعه في الحياة، ويصبح الأمل فعلًا إنسانيًا لا شعارًا سياسيًا. هذه إحدى طرق درويش في عبور المسافة من فلسطين إلى الإنسانية: لا يترك فلسطين، بل يدخل فيها حتى يصل إلى الإنسان.
وربما لهذا تبدو جملة «أنا المتعدد» أكثر عمقًا مما تبدو عليه في البداية. إنها ليست دعوة إلى التخلي عن الهوية، وإنما دعوة إلى تحرير الهوية من فكرة النقاء. فالإنسان ليس نسخة واحدة من نفسه؛ هو ما ورثه وما اختاره، ما يتذكره وما نسيه، المكان الذي خرج منه والأماكن التي مر بها، اللغة التي ولد فيها واللغات التي تعلم أن يفكر من خلالها. وفي هذا المعنى يصبح المنفى عند سعيد ودرويش ليس فقط مأساة فقدان، بل اختبارًا للذات: ماذا يبقى مني إذا خرجت من مكاني؟ وهل أظل أنا إذا تغير المكان؟ وهل الوطن هو المكان الذي أعيش فيه، أم المكان الذي أحمله معي؟ هذه الأسئلة هي التي جعلت سعيد يرى المنفى من موقع نقدي، وجعلت درويش يحوله إلى شعر. كلاهما لم يكن يبحث عن هوية أكثر صلابة، بل عن إنسان يستطيع أن يعيش تعدده دون أن يخاف منه.
لكن الحوار لا ينتهي عند الهوية. ففي قصيدة درويش عن سعيد، كلما ظننا أننا وصلنا إلى تعريف للذات، يعود النص ليزعزع التعريف من جديد. «أنا المتعدد» ليست خاتمة، لأن بعدها «سؤال الضحية». وكأن درويش يقول لنا إن الهوية لا تُختبر حين نتحدث عن أنفسنا، وإنما حين نواجه من لا يشبهنا. هنا يصبح الآخر ضرورة أخلاقية لا مجرد خصم. ومن هنا تبدأ المسافة التي تجعل الحوار بين الرجلين صالحًا للعودة إليه اليوم، بعد رحيلهما: لأن عالمنا لم يصبح أقل حاجة إلى الهوية، بل أصبح أكثر حاجة إلى طريقة تمنع الهوية من أن تتحول إلى سلاح كما في الوطن السودان . وسوف نركز عليه في الجزء الثاني من المقال.
وربما لهذا لم يكن رحيلهما إغلاقًا للحوار، بل بداية امتحانه.
يتبع



