ابنك لا يحتاج أن ينتظر سنوات ليكتشف موهبته

هناك سؤال ينبغي أن يطرحه كل أب وكل أم على نفسيهما قبل أن يختارا طريق التعليم لأبنائهما: هل نريد لابننا أن يحصل على شهادة فقط، أم نريده أن يخرج من التعليم وهو يعرف ماذا يستطيع أن يفعل؟
لسنوات طويلة، ترسخت في أذهان كثير من الأسر فكرة أن التعليم الأكاديمي هو الطريق الأول، وأن التعليم الصناعي والفني والحرفي يأتي في المرتبة الثانية؛ طريقاً يلجأ إليه من لم يجد مكاناً في المسار الأكاديمي. لكن هذه النظرة تحتاج إلى مراجعة حقيقية. فليس كل طالب خُلق ليجلس سنوات طويلة أمام الكتب، وليس كل موهوب يكتشف قدراته من خلال الامتحانات وحدها. هناك طالب تتحدث موهبته من خلال يديه، وآخر يبدع أمام آلة، وثالث يجد نفسه في الكهرباء أو الإلكترونيات أو السيارات أو الحاسوب، ورابع يمتلك قدرة استثنائية على إصلاح الأشياء وفهم كيفية عملها.
فلماذا نطلب من الجميع أن يسلكوا الطريق نفسه؟
والتعليم الصناعي والفني والحرفي ليس تعليماً أقل قيمة، بل هو تعليم يربط العلم بالعمل، والمعرفة بالتطبيق، والمهارة بالحياة. فالطالب هنا لا يتعلم فقط ماذا يعرف، بل يتعلم أيضاً ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرفه. وهذه ميزة كبيرة في عالم يتغير بسرعة، وتزداد فيه قيمة المهارة والخبرة والقدرة على الإنتاج.
والأهم أن الطريق الفني لا يعني بالضرورة إغلاق باب التعليم العالي. فبحسب المسار الدراسي، والمؤهل الذي يحصل عليه الطالب، وشروط ولوائح القبول المعمول بها، يمكن أن تفتح المؤهلات الفنية أمامه أبواب المعاهد والكليات والجامعات.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تفتح له باباً آخر لا يقل أهمية: سوق العمل. فصاحب العمل لا يحتاج دائماً إلى شخص يحمل شهادة فقط؛ بل يحتاج إلى شخص يعرف كيف يستخدم الأدوات، وكيف ينفذ العمل، وكيف يحل المشكلة، وكيف ينجز مهمته بإتقان.
وقد يكون الباب الثالث هو الأجمل: باب المشروع الخاص. فالمهارة التي يتعلمها الطالب قد تبدأ كدرس عملي، ثم تتحول إلى مهنة، والمهنة إلى مصدر دخل، ومصدر الدخل إلى ورشة أو خدمة أو مشروع يصنع به مستقبله بنفسه.
وحتى من لا يريد الالتحاق بمسار دراسي طويل، يستطيع أن يبدأ بخطوة أصغر: مهارة قصيرة، عملية، ومطلوبة؛ في الكهرباء والتوصيلات، أو صيانة الأجهزة والمعدات، أو التبريد والتكييف، أو النجارة، أو اللحام، أو صيانة السيارات، أو الحاسوب والتقنيات الرقمية، وغيرها من المجالات.
إن القضية ليست: أي تعليم أفضل؟ بل السؤال الأهم هو: أي تعليم يناسب موهبة ابنك، وقدراته، وطموحه، ويمنحه أفضل فرصة ليصنع مستقبله؟
أيها الآباء والأمهات… لا تجعلوا أبناءكم ينتظرون سنوات حتى يكتشفوا من هم. بل ساعدوهم على اكتشاف مواهبهم مبكراً، وعلى امتلاك مهارة حقيقية، وعلى الجمع بين العلم والمهارة والخبرة. فالمستقبل لا تصنعه الشهادة وحدها، ولا المهارة وحدها، وإنما يصنعه الإنسان القادر على تحويل العلم إلى مهارة، والمهارة إلى فرصة، والفرصة إلى مستقبل.
هنالك مراكز، على قلتها، بها أقسام للتعليم الصناعي والفني والحرفي. حيث لا يتعلّم الطالب مهنة فقط… بل تساعده تلك المراكز على اكتشاف موهبته، وبناء طريقه، وصناعة مستقبله بيديه. فربما تكون المهارة التي يتعلمها ابنك اليوم هي المهنة التي يصنع بها مستقبله غداً.



