«إعادة تسييس الوساطة» لدى بوسبيسيل.. قراءة مكثفة في دراسة عن السلام السوداني والعدالة الاجتماعية
د. صلاح أحمد الحبو

تأتي دراسة يان بوسبيسيل (Jan Pospisil)، «من البنية إلى المنظومة: إعادة تسييس الوساطة في مشهد السلام السوداني المتشظي»، الصادرة عن PeaceRep / Austrian Centre for Peace في أبريل 2026، بسؤال يتجاوز تعدد مبادرات السلام: لماذا تتكاثر الوساطات بينما يتعثر السلام؟ أطروحة بوسبيسيل أن المشكلة ليست في كثرة الوسطاء بقدر ما هي في البيئة السياسية التي تنتج هذا التعدد. فقد انتقلت الوساطة السودانية من «بنية» يمكن ضبطها مركزياً إلى «منظومة» تتفاعل فيها مبادرات وفاعلون محليون وإقليميون ودوليون، تتقاطع مصالحهم وتتنافس شرعياتهم. لذلك يدعو إلى «إعادة تسييس الوساطة»، أي قراءة علاقات القوة والمصالح التي تشكل عملية السلام، لا التعامل معها كإجراء تفاوضي محايد.
تكمن قوة هذه القراءة في أنها تضرب وهماً راسخاً: أن تغيير طاولة التفاوض يمكن أن يغير طبيعة الصراع. فتعدد الوسطاء ليس بالضرورة خللاً تنظيمياً؛ إنه انعكاس لتعدد المصالح ومراكز التأثير حول السودان. ولذلك فإن جمع المبادرات في مسار واحد، من دون معالجة قواعد القوة التي أنتجت تشظيها، قد لا يكون سوى تنظيم للفوضى لا حلاً لها.
والسؤال الذي تفرضه هذه القراءة هو: السلام لمن؟ فليس كل وقف لإطلاق النار سلاماً، وليس كل اتفاق عادلاً. قد تتوقف البنادق بينما تبقى أسباب الحرب، وقد تتقاسم النخب السلطة بينما تبقى المجتمعات التي دفعت الثمن خارج عملية صناعة المستقبل. لذلك لا يمكن اختزال السلام في اتفاق بين طرفين مسلحين؛ فالسلام المستدام يتطلب معالجة اختلالات السلطة والثروة والتنمية، وعلاقة المركز بالأقاليم، وأوضاع النازحين واللاجئين، وحقوق الضحايا.
وهنا تصبح «إعادة تسييس الوساطة» أكثر من إعادة ترتيب للوسطاء. إنها إعادة السياسة إلى قلب سؤال السلام: من يملك؟ من يقرر؟ من يستفيد؟ ومن يدفع الثمن؟ فإذا كانت القوة العسكرية هي بطاقة الدخول إلى التسوية، فإن الحرب قد تتحول، بصورة غير مباشرة، إلى استثمار سياسي؛ إذ يحصل من يفرض الوقائع بالقوة على قدرة أكبر في تحديد شروط ما بعد الحرب.
لذلك ينبغي ألا يكون أصحاب السلاح وحدهم أصحاب الحق في رسم المستقبل. يجب أن تتسع عملية السلام لتشمل المجتمعات المحلية، والنازحين واللاجئين، والنساء والشباب، والقوى المدنية والمهنية والاجتماعية، باعتبارهم أصحاب مصلحة وحقوق، لا مجرد أصوات تستدعى لتجميل الاتفاق.
ومن هذه الزاوية، فإن استعارة بوسبيسيل للانتقال من «البنية» إلى «المنظومة» تفتح باباً لإعادة التفكير في الدولة نفسها. فالهندسة التقليدية للسلام تسأل: من يجلس؟ من يوقع؟ ومن يضمن التنفيذ؟ أما المقاربة السياسية فتسأل: أي دولة ستنتجها التسوية؟ دولة تعيد توزيع السلطة والفرص بصورة أكثر عدالة، أم دولة تعيد إنتاج الاختلالات التي صنعت الحرب؟
ولهذا فإن توحيد مسارات الوساطة ليس هدفاً في ذاته. المطلوب هو تنسيق منظومة الوساطة، مع الاعتراف بتعدد مستويات الصراع، ووضع قواعد تمنع تحول المبادرات إلى أدوات للتنافس الإقليمي والدولي، وتضمن أن تكون المشاركة السودانية هي مركز العملية. فالخارج يمكنه دعم السلام، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده شكل الدولة السودانية المقبلة.
كما أن العدالة الانتقالية ليست ملفاً لاحقاً للحرب، بل جزء من السلام نفسه. فعودة النازحين واللاجئين، وجبر الضرر، والمحاسبة، وإصلاح المؤسسات، وإعادة الإعمار، وإعادة توزيع فرص التنمية، كلها مكونات في تسوية لا تريد فقط إيقاف الحرب، وإنما منع إعادة إنتاج شروطها.
وهنا ينبغي التخلص من وهم «السلام السريع». فالسلام الذي يعيد إنتاج أسباب الحرب ليس سلاماً، وإنما تأجيل للحرب القادمة. وقد تكون الوساطة ناجحة حتى قبل الوصول إلى اتفاق نهائي، إذا حافظت على المجال السياسي مفتوحاً، ووسعت المشاركة، وخففت حوافز الحرب، ومهدت لتسوية أكثر نضجاً وعدالة.
إن القيمة الأهم في دراسة بوسبيسيل أنها تنقل السؤال من «كيف نوحد الوسطاء؟» إلى «كيف نفهم المنظومة التي تجعل السلام ممكناً أو مستحيلاً؟». وهذه النقلة تقتضي أن تتحول الوساطة من إدارة التفاوض إلى التأثير في البيئة السياسية التي تنتج التفاوض.
فالسودان لا يحتاج إلى وسيط أكبر بقدر ما يحتاج إلى رؤية أوسع للسلام؛ سلام لا يكتفي بإسكات البندقية، بل يعالج الأسباب التي دفعت إلى حملها، ولا يكتفي بإعادة بناء الدولة، بل يعيد بناء علاقتها بالمجتمع على أساس المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.
وهنا تصبح «إعادة تسييس الوساطة» لدى بوسبيسيل مدخلاً إلى تعريف جديد للسلام السوداني: ليس صفقة تنهي الحرب فحسب، وإنما عدالة اجتماعية وسياسية تجعل العودة إلى الحرب أقل احتمالاً.



