مقالات وآراء

الأحزاب و الإسلاميين وصراع الديمقراطية

زين العابدين صالح عبد الرحمن

الإشكال الجوهري الذي تعاني منه القوى السياسية في السودان، هو عدم قراءتها لمجريات الأحداث عبر منهج نقدي، لكي تتعرف من خلاله على الأسباب التي تؤدي إلي الفشل، في تجارب الفترات الانتقالية حيث يعقبها مباشرة انقلاب عسكري تحجم الجماهير للتصدي له.. إن تقيم التجارب و دراستها يجعل القوى السياسية تتفادى المطبات السياسية، و تعرف كيف تتعامل مع التحديات التي تواجهها مستقبلا.. و لكن حالة الضعف التي تعاني منها القوى السياسية إذا كان يعود ذلك لأسباب خارج دائرة الأحزاب من ضيق في مساحات الحرية، أو عبر حالات المطاردة التي كانت تمارسها الأجهزة الأمنية على عناصرها، هي التي أضعفت الأحزاب، و لكن هناك أسباب بنيوية في الأحزاب فقدان هذه الأحزاب للعقول المنتجة للأفكار و القادرة على النقد و إنتاج المعرفة من أجل نشر الاستنارة في المجتمع، و أيضا عدم ممارسة الديمقراطية داخلها.. و يقول المثل فاقد الشيء لا يعطيه..

الحركة الإسلامية هي القوى الوحيدة التي استفادت من اتفاقية المصالحة التي جرت بين نظام مايو و الجبهة الوطنية التي كانت تتكون من ” الاتحادي الديمقراطي و حزب الأمة ز الحركة الإسلامية” بعد المصالحة استطاعت الحركة الإسلامية أن تؤسس بيوتاتها المالية و مؤسساتها الاقتصادية التي جعلتها تتحول من تنظيم صفوي إلي تنظيم شعبي.. إن العائدات المالية جعلتها تتمدد و تؤسس أسر و تنظيمات داخل الأحياء من خلال استغلال المساجد و الزوايا و اندية الأحياء.. و قد ظهر ذلك جليا في انتخابات 1986م عندما استطاعت الجبهة الإسلامية أن تنال 51 مقعدا في البرلمان و تصبح الحزب الثالث في البلاد داخل البرلمان..

إن القفزة التي احرزتها الجبهة الإسلامية في الانتخابات اقنعت عدد من قياداتها بإنها قادرة على استلام السلطة و إدارة الدولة لوحدها، و بدأت مشوارها بأن تحدث تغييرا شاملا في السياقات العامة للدولة و قوانينها و مؤسساتها الأيديولوجية ” التعليم و الإعلام” لكي تتوافق مع الرؤية المراد تحقيقها.. ثم فصلت أعداد كبيرة من الخدمة المدنية و المؤسسات العسكرية. و لكن في بداية الطريق أكتشفت القيادة أن القاعدة الأساسية للحركة الإسلامية لا تستطيع أنجاز كل هذه الأهداف لوحدها لابد من فتح الباب للآخرين و لكن تحت مراقبة قيادات الحركة الإسلامية.. لذلك اقامت ” نظام المؤتمرات الشعبية” ثم كونت حزب سياسي ” المؤتمر الوطني” و أسست ” مجلس تشريعي” بهدف يمدها بالتشريعات المطلوبة لإحداث تغييرات جوهرية في القوانين.. و كا ذكرت في مقال سابق إن الحركة في مسارها السياسي بعد الانقلاب انقسمت إلي كتلتين الأولي تنفيذية و هي التي تهتم بشئوون الدولة و الثانية كتلة سياسية يقع عليها عبء الاجتهاد السياسي..

إن عملية إغلاق الباب على القوى السياسية، و حصارها، جعل الصراع يتمحور داخل البناء التنظيمي للحركة الإسلامية نفسها.. خاصة عندما بدأ الدكتور الترابي يتحدث أن العملية السياسية للدول لا يمكن أن تسير في تطور دون فتح الباب للآخرين.. كان الترابي يعتقد إن الصراع مع القوى السياسية سوف يجعل الحركة متماسكة في ظل التحديات التي تفرض عليها من داخل النظام.. لذلك جاءت مذكرة العشرة لكي تبين إن هناك رؤى جديدة أحدثتها سلطة الدولة في الحركة الإسلامية، و يرى الذين هم في السلطة التنفيذية لابد من التكيف معها.. لذلك بدأوا يوحدوا القيادة حيث جعلوا عمر البشير رئيس للدولة و رئيس للحركة الإسلامية للسلطة، الأمر الذي أدى للمفاصلة في 1999م..

أول أثر للسلطة في الحركة الإسلامية أدى إلي انقسامها، خوف المنقسمين على الترابي رجعوا لذات الفكرة التي حاربوا الترابي من أجلها، حيث دعو الشريف زين العابدين الهندي للمشاركة، و أيضا قيادات من حزب الأمة مسار و نهار و غيرهم، بهدف إضعاف هذه القوى السياسية، و لكن الوافدون الجدد لم يوقفوا عملية التآكل في النظام، عندما بدأت تظهر مراكز القوى في التنظيم، و في نفس الوقت تفشى الفساد في هرم البناء السياسي و التنفيذي و عجز وقفه.. في عام 2009 تم إبعاد صلاح قوش من جهاز الأمن و المخابرات و عين على رأس مستشارية أمنية في رأسة الجمهورية، و عندما بدأ يتصل بالأحزاب لحوارها تم حل المستشارية و اتهم بالتخطيط في عملية انقلابية.. و عندما شعر البشير أن هرمي مراكز القوى ” علي عثمان و نافع علي نافع” يشكلان خطورة على حكمه أبعدهما و عندما أتهم رئيس الحرس الجمهوري العميد محمد إبراهيم ” ود إبراهيم” بالانقلاب على حكم البشير 2013 دفع ذلك البشير لكي يكون قوات الدعم السريع لكي تحميه من الانقلابات و تواجه الحركات في دارفور..

عندما قامت الحركة الإسلامية بالانقلاب كانت موحدة، و لكنها تشققت في مسيرة الحكم، حيث الكل أصبح يدافع عن موقعه في السلطة.. هذه المسيرة الطويلة التي امتدت إلي ثلاثين عاما، كان المتوقع أن الحركة السياسية تكون متطلعة عليها، و تعرف ماهية التحديات التي تشكلها لها قيادات الإنقاذ، لآن من الأهمية بمكان أن تتعرف على خصمك السياسي و تعرف قدراته و أماكن العف فيه، و كيف تستطيع أن تواجه هذه التحديات.. السؤال الذي كان يبحث عن إجابة بعد سقوط الإنقاذ مباشرة؛ هل رصيد الثقافة الديمقراطية المتوفر كان كاف على مواجهة ثقافة شمولية تكون عبر كل النظم الشمولية التي حكمت السودان..؟ هل كانت الأحزاب عندها القدرة أن تنتج أفكار تساعدها على التغيير؟ القوى السياسية لم تكن بالقدرة التي تطرح فيها الأسئلة و تجاوب عليها.. لأنها كانت تعتقد عندما تستلم السلطة تستطيع ان تحدث التغيير.. لذلك أول خطأ ارتكبته خسرت الشارع الذي كان يشكل لها توازن مع المؤسسات العسكرية. لآن خروج الشارع من المعادلة أضعف ميزان القوى..

و بعد انقلاب 25 أكتوبر رجعت القوى مرة أخرى لتفاوض العسكر دون مصاحبة الشارع، و عندما خسرت معركتها، سعت لكسب النفوذ الخارجي، اعتقادا سوف يخلق المعادلة مع العسكر.. الإشكالية أن القوى السياسية تعتقد بالشار فقط بإنها تكسب الجولة، و الديمقراطية هي سماع الأراء حتى ترفع كيف الأخر، لكن الديمقراطية في السودان إذا لم انصار خطك السياسي أن عدو.. رغم تعدد رفع شعارات الديمقراطية… نسأل الله حسن البصيرة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..