مقالات وآراء

السودان سيخطط للعدالة: حين تصبح الليبرالية الجديدة وصفةً لاقتصادٍ لا يملك رفاهية التجربة

د. صلاح أحمد الحبو

تأتي دراسة البنك الدولي «التحديث الاقتصادي للسودان 2025: الآثار الاقتصادية والاجتماعية للصراع ـ رسم طريق للتعافي» في لحظة يبدو فيها الاقتصاد السوداني كمن خرج من الحرب وهو يبحث أولاً عن ساقيه قبل أن يبحث عن طريقه. الدراسة تقدم تشخيصاً قاسياً لكنه ضروري: الناتج المحلي انكمش بنحو 29.4% في 2023 ثم 13.5% في 2024، وبلغ التضخم مستويات هائلة، وارتفعت البطالة إلى نحو 47%، بينما قفز الفقر المدقع من 33% في 2022 إلى 71% في 2024.[1]

هنا تحديداً تبدأ المشكلة السياسية والاقتصادية: ماذا نفعل باقتصاد أصبح ثلاثة أرباع شعبه تقريباً على حافة الفقر؟ هل نعطيه وصفة «تحرير السوق»، ثم نطلب من الفقير أن يتحرر من فقره بنفسه؟

البنك الدولي يقترح حزمة من الإصلاحات المعروفة: توحيد سعر الصرف، ضبط الدعم السلعي، إصلاح الكهرباء، إزالة عوائق التجارة، تحسين المالية العامة، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.[2] وكل واحدة من هذه السياسات قد تكون لها وجاهتها الفنية في سياقها المناسب. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الأدوات إلى عقيدة، وعندما يصبح «السوق» هو الطبيب الوحيد، حتى لو كان المريض يحتاج إلى مستشفى كامل.

فالسودان الخارج من الحرب ليس اقتصاداً يعاني مجرد «اختلالات». إنه مجتمع فقد الإنتاج والأسواق والطرق والمزارع والمصانع والخدمات، وتشرد ملايين الناس، وانكمشت الدولة نفسها مالياً. بل إن الدراسة تشير إلى أن إيرادات الحكومة هبطت إلى 4.7% من الناتج المحلي في 2024، بعدما كانت نحو 10% في 2022.[3] وفي بلد بهذه الحالة، فإن اختزال العلاج في كفاءة السوق يشبه مطالبة شخص غارق بإجراء إصلاحات في بدلته قبل أن نمد له حبل النجاة.

المشكلة في الليبرالية الجديدة ليست أنها تتحدث عن السوق؛ المشكلة أنها كثيراً ما تتعامل مع السوق كأنه محايد. والسوق ليس محايداً عندما تبدأ اللعبة من أرض غير متساوية. من يملك الأرض ليس كمن فقد أرضه، ومن يملك الدولار ليس كمن يتقاضى راتبه بالجنيه، ومن يملك رأس المال ليس كمن يبيع قوة عمله كل صباح. لذلك فإن «تحرير» الأسعار في مجتمع منهك قد يعني ببساطة تحرير الأسعار من الرقابة، وترك المواطن وحده في مواجهة الأسعار.

ليس المطلوب إلغاء السوق ولا طرد القطاع الخاص إلى المنفى الاقتصادي. المطلوب أن يعرف السوق مكانه. السوق أداة لتنظيم جزء من النشاط الاقتصادي، وليس دستوراً للدولة ولا بديلاً عن السياسة العامة. والقطاع الخاص شريك في التنمية، لكنه ليس بديلاً عن الدولة في التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية، ولا يملك، بحكم الأرباح، حق تحديد أولويات المجتمع.

والمفارقة أن دراسة البنك الدولي نفسها تقدم بعض مفاتيح الخروج من الوصفة التقليدية. فهي تؤكد أن الزراعة تمثل نحو 35% من الناتج المحلي وأكثر من 40% من العمالة، وتدعو إلى دعم صغار المزارعين والاستثمار في البنية التحتية الزراعية وإضافة القيمة إلى المنتجات المحلية.[4] كما تشير إلى أهمية التصنيع الزراعي وتحويل منتجات مثل السمسم والفول السوداني والحبوب إلى سلع ذات قيمة مضافة بدلاً من تصديرها خاماً.[5]

وهنا يمكن للسودان أن يقول: شكراً، ولكن لماذا نتوقف عند «تجارية الزراعة»؟ لماذا لا نذهب إلى السؤال الأصعب: من يملك سلسلة القيمة كلها؟ من يملك الأرض؟ من يمول المزارع؟ من يشتري المحصول؟ من يصنعه؟ ومن يحصل على الأرباح؟

إذا كان هدف ما بعد الحرب مجرد زيادة الناتج المحلي، فقد ننجح في إعادة إنتاج اقتصاد ما قبل الحرب بصورة أسرع. أما إذا كان الهدف بناء دولة مستقرة، فعلينا أن نعيد توزيع القدرة الاقتصادية نفسها. وهذا يعني تمويل صغار المنتجين، دعم التعاونيات، حماية حقوق الأرض، بناء الصناعات الغذائية، إنشاء مخازن ومسالخ ومصانع زيوت ومطاحن، وتوجيه الائتمان إلى الإنتاج بدلاً من المضاربة. العدالة هنا ليست صدقة للفقراء؛ إنها سياسة إنتاجية.

والأمر نفسه ينطبق على إعادة الإعمار. الطريق والكهرباء والميناء والمدرسة والمستشفى ليست مجرد «بنية تحتية» في جدول اقتصادي؛ إنها أدوات لإعادة توزيع الفرص. فإذا ذهب معظم الاستثمار إلى المركز، وبقي الريف ينتظر قطار التنمية الذي لا يصل، فسوف نعيد بناء الخرسانة ونترك أسباب الأزمة قائمة.

وتكشف الدراسة نقطة شديدة الأهمية حين تدعو إلى نزع عسكرة الاقتصاد. فهي تشير إلى استمرار نفوذ المؤسسات العسكرية على مؤسسات اقتصادية وشركات وموارد و«ميزانيات ظل» خارج الموازنة العامة، وترى أن إعادة توجيه هذه الموارد إلى القطاعات الاجتماعية والإنتاجية يمكن أن يفتح مساحة للنمو ويخفض الفقر.[6]

وهذه القضية أهم من كثير من الكلام عن «تحسين بيئة الأعمال». فكيف نتحدث عن بيئة استثمارية جاذبة بينما توجد اقتصاديات موازية لا تخضع بالكامل لقواعد الاقتصاد العام؟ وكيف نطلب من المستثمر أن ينافس في سوق لا نعرف تماماً من يملك مفاتيحه؟

إن نزع عسكرة الاقتصاد ليس مجرد إصلاح مالي؛ إنه شرط لبناء اقتصاد مدني. فالمال العام يجب أن يعود إلى الموازنة، والأصول العامة يجب أن تخضع للشفافية، والموارد الطبيعية يجب أن تتحول من مصادر نفوذ إلى مصادر تنمية.

أما الدعم، فالقصة أكثر تعقيداً من شعار «إلغاء الدعم». صحيح أن الدعم الشامل قد يكون مكلفاً وغير عادل، لكن البديل ليس أن نرفع الأسعار ونمنح الفقراء محاضرة عن كفاءة السوق. البديل هو نظام حماية اجتماعية قوي، مع دعم موجّه للغذاء والطاقة والنقل والإنتاج للفئات والقطاعات الأكثر هشاشة. فالعدالة ليست أن نجعل الجميع يدفعون السعر نفسه؛ العدالة أن تكون قدرة الجميع على تحمل السعر جزءاً من السياسة العامة.

حتى توحيد سعر الصرف، الذي يعتبره البنك الدولي أساساً للاستقرار وتقليل التشوهات وتشجيع التدفقات الرسمية، يجب ألا يتحول إلى صنم اقتصادي.[2] فهو أداة للاستقرار، لا شهادة حسن سلوك اجتماعي. فإذا أدى إلى موجة جديدة من التضخم وانخفاض القوة الشرائية من دون حماية المنتج والمستهلك، فإننا نكون قد أصلحنا «السعر» وفسد المجتمع.

والأهم أن النمو ليس عدالة. يمكن أن يرتفع الناتج المحلي بينما تتركز الثروة، ويمكن أن تزيد الصادرات بينما يظل الغذاء مستورداً، ويمكن أن يدخل الاستثمار الأجنبي بينما تخرج الأرباح، ويمكن أن تتحسن المؤشرات الكلية بينما يزداد المواطن فقراً.

الدراسة تضع سيناريو إصلاح محدود يقود إلى استعادة مستوى الناتج السابق للحرب بحلول 2038، وسيناريو إصلاح شامل يمكن أن يسرّع العودة إلى ذلك المستوى إلى 2031.[7] لكن السؤال الذي ينبغي أن يضاف إلى السيناريوهين هو: من سيستفيد من العودة؟

هذه هي المسافة بين اقتصاد النمو واقتصاد العدالة.

السودان لا يحتاج إلى العودة إلى اقتصاد ما قبل الحرب، لأن ذلك يعني في جانب منه العودة إلى الشروط التي جعلت الحرب ممكنة. المطلوب هو بناء اقتصاد جديد: دولة تخطط، وسوق يعمل، وقطاع خاص يستثمر، وتعاونيات تنتج، ومجتمع يحمي أفراده، وموارد عامة تخضع للمساءلة.

التخطيط هنا ليس عودة إلى اقتصاد الدولة المغلق، كما أن رفض الليبرالية الجديدة ليس رفضاً للسوق. إنه محاولة لاستعادة السياسة من يد المعادلات الفنية. فالدولة هي التي تقرر أين تذهب المدرسة والمستشفى والطريق، وأي زراعة تحصل على التمويل، وأي صناعة تستحق الحماية، وكيف تفرض الضرائب، وكيف تعيد توزيع الثروة بين الأقاليم والطبقات.

السودان بعد الحرب يحتاج إلى اقتصاد سلام لا اقتصاد «تعافٍ» فقط؛ وإلى عدالة اقتصادية لا مجرد استقرار مالي؛ وإلى دولة تنموية لا دولة تراقب السوق من بعيد.

فالعدالة ليست فقرة أخيرة في خطة الإصلاح، ولا صندوقاً صغيراً للفقراء يوضع في هامش الموازنة. العدالة يجب أن تكون طريقة تصميم الاقتصاد نفسه.

وبعبارة سودانية أكثر صراحة: إذا كان البنك الدولي يقول لنا «أصلحوا الاقتصاد»، فنحن نقول: نعم، ولكن دعونا نتفق أولاً على أي اقتصاد نريد أن نصلحه.

لا نريد اقتصاداً يعود سريعاً إلى النمو ثم يعود ببطء إلى الأزمة. نريد اقتصاداً يجعل النمو في خدمة الإنسان، والاستثمار في خدمة الإنتاج، والموارد في خدمة المجتمع، والدولة في خدمة مواطنيها.

السودان سيخطط، ولكن ليس للسوق وحده. سيخطط للعدالة. وسيعيد بناء الاقتصاد، لا ليعيد الماضي إلى الحياة، بل ليمنع الماضي من إعادة إنتاج نفسه.

الهوامش والمراجع

[1] World Bank, Sudan Economic Update 2025: The Economic and Social Consequences of the Conflict—Charting a Path to Recovery, Washington, D.C., May 2025، البيانات الخاصة بالانكماش الاقتصادي والفقر والبطالة.

[2] المرجع نفسه، توصيات السياسات النقدية والمالية والإصلاحات الهيكلية، بما في ذلك توحيد سعر الصرف، إصلاح الكهرباء، التجارة، والدعم.

[3] المرجع نفسه، تطورات المالية العامة وانخفاض الإيرادات الحكومية.

[4] المرجع نفسه، أهمية الزراعة في الاقتصاد السوداني ودورها في التعافي ودعم صغار المزارعين.

[5] المرجع نفسه، مقترحات زيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية وتطوير الصناعات الزراعية.

[6] المرجع نفسه، توصية نزع عسكرة الاقتصاد وإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات الاجتماعية والإنتاجية.

[7] المرجع نفسه، سيناريوهات التعافي الاقتصادي بعد الحرب وسيناريو الإصلاح الشامل.

المرجع الرئيس:
World Bank, Sudan Economic Update 2025: The Economic and Social Consequences of the Conflict—Charting a Path to Recovery, Washington, D.C., May 2025

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..