حين يأكل الأطفال علف الحيوانات

بقلم: حسن عبد الرضي
هناك أخبارٌ لا تُقرأ… بل تُوجِع. وهناك صورٌ لا تحتاج إلى تعليق، لأن المشهد نفسه أبلغ من كل الكلمات. يتداول فيديو قصير لأطفالٌ صغار يتكرم عليهم صاحب معصرة في مكان ما من سودان البرهان، بحفنة من (امباز)، أطفال كان ينبغي أن تكون أيديهم ممسكةً بالكتب والأقلام، أو تتعلق بملابس أمهاتهم طلباً للحلوى والخبز، فإذا بها تمتد إلى علف الحيوانات «الأمباز»، وإلى بقايا معاصر الزيوت «أم جغوغة»، بحثاً عن شيء يسدّ رمق الجوع.
أيُّ عارٍ هذا؟ وأيُّ زمنٍ هذا الذي يصبح فيه علف الحيوان طعاماً لطفلٍ بشري؟ وأيُّ قسوةٍ تلك التي تجعل أمّاً تنظر إلى طفلها الجائع، ثم تعجز عن أن تمنحه كسرة خبز، فتضطر إلى أن تبحث له عن شيءٍ يأكله، أياً كان مصدره، فقط حتى لا يموت أمام عينيها؟ هذا ليس جوعاً عابراً. هذه مأساة وطن.
الجوع الذي ينهش أجساد الأطفال لا يعرف السياسة، ولا ينتظر بيانات الحكومات، ولا يفهم خطب المسؤولين. الجوع يعرف شيئاً واحداً: معدةً فارغة وطفلاً لا يستطيع الانتظار. وحين يصل الأمر إلى أن يقتات الأطفال من بقايا علف الحيوانات ومخلفات صناعة الزيوت، فإن المسألة لم تعد مجرد ارتفاع أسعار أو أزمة اقتصادية عابرة؛ إنها شهادة قاسية على انهيار الإنسان قبل انهيار الاقتصاد.
يا ليت الذين يتحدثون عن السلطة والنصر والمواقع والمناصب يستطيعون أن يسمعوا صوت معدة طفلٍ جائع! يا ليتهم يرون وجه أمٍّ تخفي دموعها حتى لا يرى أطفالها عجزها! يا ليتهم يعرفون أن أعظم هزيمة يمكن أن تلحق بدولة ليست أن تخسر معركة، وإنما أن يصبح الطفل فيها جائعاً إلى الحد الذي يأكل فيه ما لا يأكله الحيوان!
لقد مُنحت هذه البلاد حكوماتٌ كثيرة، وشعاراتٌ كثيرة، ووعودٌ أكثر، لكن المواطن البسيط لم يطلب معجزة. كان يريد فقط أن يجد خبزاً يطعمه لأطفاله، ودواءً حين يمرضون، ومدرسةً حين يريدون التعلم، وحياةً تحفظ لهم كرامتهم. لكن ماذا جرى؟ الفقر يتسع، والأزمات تتناسل، والأسعار تلتهم ما تبقى من دخول الناس، والأطفال يدفعون الثمن الأكبر. والأكثر إيلاماً أن الطفل لا ذنب له في كل هذا. لم يختر الحرب. لم يختر الفقر. لم يصنع الأزمة. لم يضع السياسات. لم يجلس على كرسي السلطة. ومع ذلك، هو الذي يدفع الثمن من جسده الصغير.
إننا أمام مأساةٍ تجعل الكلمات نفسها تخجل من الظهور. ماذا يمكن أن نقول؟ هل نقول إن الوضع سيئ؟ إن كلمة «سيئ» تبدو صغيرة أمام هذا الوجع. هل نقول إن الفقر بلغ مداه؟ ربما تجاوز الفقر كل مدى يمكن للغة أن تصفه. هل نقول إن الحكومة أخفقت؟ إن الإخفاق كلمة باردة أمام طفل يبحث في بقايا معصرة عن لقمة. حقا، إذا كان الخيرون والناشكون ومنظمات المجتمع المدني والمانحون يحفرون الابار لتوفير جرعة ماء للفقراء وفتح المدارس لتعليم ابناء الفقراء وينشؤن التكايا لاطعام الفقراء، ويدعمون المستشفيات ويوفرون علاج الفقراء، فماذا تفعل حكومة اليرهان؟ انها توفير لتلك المنظمات ولهؤلاء الخيريين، توفر لهم الفقراء من بنات وابناء الشعب السوداني، ثم تدعون محبتهم للشعب السوداني بدليل انهم يصرون على حكمه عنوة. إنهم يدمنون الحديث باسم الشعب واخذ الصور التذكارية مع المغيبين من شبابه وكهوله.
هناك لحظات يعجز فيها المرء عن الكلام، سواء كان الكلام مباحاً أو غير مباح، لأن الحقيقة نفسها تصفع الوجه بقوة لا تحتمل. فأيها المسؤولون، إن كنتم، حقا، مسؤولين… قبل أن تتحدثوا عن الإنجازات، انظروا إلى الأطفال. قبل أن تتحدثوا عن المستقبل، اسألوا ماذا يأكل أطفال الحاضر. وقبل أن تتحدثوا عن الوطن، اسألوا أنفسكم: أي وطنٍ هذا الذي لا يستطيع أن يحمي أطفاله من الجوع؟ إن إنقاذ طفلٍ من الجوع أعظم من ألف خطاب، وأشرف من ألف شعار، وأصدق من كل وعود السلطة. أين انتم من خطبة العارف بالله ابونا الشيخ المكاشفي ابو عمر: (لقمة في بطن جائع خير من بناء ألف مسجد…)، او كما قال؟ فالطفل الذي يأكل اليوم من علف الحيوان لا يحتاج إلى خطاب سياسي؛ يحتاج إلى خبزٍ وكرامةٍ وأمانٍ ومستقبل. وما لم نستطع أن نوفر له ذلك، فإن كل ما نقوله عن الوطن يظل ناقصاً، وكل ما نفعله من أجله يظل قليلاً.
يا الله… كيف وصلنا إلى يومٍ يصبح فيه «الأمباز» و«أم جغوغة» آخر ما تبقى على مائدة طفلٍ سوداني؟ إنها ليست صورةً للجوع فقط… إنها ليست صورةٌ لوجع بطن واحدة، انها صورة لوجع وطنٍ كامل.



