مقالات وآراء

تعليق على تعليق قارئ: حول قِصتي(حكاية رجل مات في الربيع)

نشرت قبل أيام هنا في موقع الراكوبة قصة قصيرة اسمها: حكاية رجل مات في الربيع. القصة تحكي بلسان راو محايد قصة رجل يعيش في جلباب وحدة قاسية وضعت ما يشبه حواجز بينه وبين عالم بدأ يستعيد إيقاع حياته اليومية لدى مقدم الربيع، يعاني الرجل ما يشبه ظروفا نفسية فرضتها عليه الغربة والشوق لتفاصيل حياة باعدت بينها وبينه بحار وبحار.

وفي النهاية يموت الرجل وحيدا في بيته، وهو شيء يحدث أحيانا في المجتمعات الغربية حيث لا يوجد ذلك التداخل الاجتماعي الكبير كما هو في مثل مجتمعاتنا. الغريب انني قرأت قبل أيام عن حادث مشابه توفي فيه مواطن سوداني في احدى المدن (ربما في شرق السودان) ولم يكتشف الجيران وفاته الا بعد ان تصاعدت رائحة الجثمان. كان الرجل وحيدا بعد ان نزحت اسرته بسبب ظروف الحرب.

لفت نظري تعليق كتبته قارئة للقصة وكنت احتفظت بالتعليق لآرد عليه، لكنني فوجئت أنّ إدارة الراكوبة أوقفت ربما بصفة مؤقتة خاصية التعليقات.

أشكر كل الاخوة الذين قاموا بالتعليق على تلك القصة.

في البداية انشر القصة هنا ثم انشر التعليق ومن بعد ذلك أقوم بكتابة تعليقي على التعليق.

القصة:

حكاية رجل مات في الربيع

منذ حوالي العام، منذ ان انتقلت للسكن في هذه المدينة الصغيرة وانا أراه كل صباح طوال ايام الاسبوع، اجده دائما يجلس في مدخل البيت يراقب اسراب الحمام التي تمرح فوق الغابة الصغيرة المسماة: حديقة الكتّاب، في انتظار موزع البريد الذي يحضر دائما في العاشرة صباحا، لا اجد تفسيرا لشعوري بالحزن عند رؤيته، سوى احساس غامض ينتابني كلما التقيته، بأنه انسان وحيد، ليس فقط في هذا العالم، بل انه محكوم بوحدة ابدية حتي لو عاش في عوالم اخري.

أشعر كما لو ان العالم كله يشاركني نفس ذلك الشعور، وانا اعبر في طريقي لمدرسة اللغة الهولندية التي ادرس بها، اعبر امام دار العجزة، اري كبار السن يراقبون المارة من الشرفات الغاصة بالزهور، اتذكر كلما مررت امام دار العجزة، قصة صديقنا الذي لم يبلغ العشرين من العمر وكان يسكن معنا في بيت واحد قبل سنوات، كان مهملا لا يهتم بنظافة البيت، وكان يجد دائما اعذارا واهية ليتهرب من اداء واجباته المنزلية، وكنت اجد اهماله مفيدا احيانا، ففي اليوم الذي يقرر فيه ممارسة واجباته تكون النتيجة طعاما لا يصلح للاستخدام الادمي.

كان صديقنا أحمد يضيق ذرعا بإهماله وذات مرة اعلن ان مثل صديقنا المهمل هذا ينبغي ان يترك ليعيش في الصحراء حيث لن يكون هناك التزامات عليه القيام بها!

تصادف وجود زائر معنا ينتمي لمنطقة الصحراء في المغرب العربي فرد بغضب:

أنتم تجهلون الصحراء، هذا لا يستطيع ان يعيش يوما واحدا في الصحراء!،

قال صديقنا احمد مندهشا: يعني انه لن يستطيع العيش حتي في الصحراء.

فقال الصديق الزائر: لا يستطيع .

فقال صديقنا أحمد ضاحكا: ماذا ننتظر اذن لنأخذه الي دار العجزة !

حين اعود في نهاية اليوم، اجده جالسا بحزن في الحديقة الصغيرة امام البيت، رجل في حوالي الاربعين من عمره، ممتلئ الجسم قليلا، اسود البشرة، او بصورة ادق كما نقول في السودان، أخضر، وتذّكرني كلمة اخضر بابن عم كان يعيش في امريكا مع زوجة امريكية، وذات مرة زاره والده هناك، وكان والده أسود البشرة، قالت الزوجة الامريكية حين رأته اسودا وليس اسمرا مثل ابنه،

your father is black !

والدك اسود اللون !

فرد عليها قائلا :

No, he is green !

كلا انه أخضر !

أجده جالسا في الحديقة الصغيرة في شمس ابريل الباهتة التي بدأت علي وقع خطواتها تدب خطوات الحياة في العالم المثقل تحت وطأة شتاء قاس، احييه من علي البعد، افكر أنه يستذكر تفاصيل الحياة، في ذلك الوطن البعيد الذي مزقته الحروب الاهلية، غروب الشمس في المحيط، ومزارع الموز، و اشارات زمان سعيد بدأت تفاصيله تنسرب من الذاكرة.

يرتفع احيانا جهاز تسجيله بصوت عال، خاصة في عطلة نهاية الاسبوع، موسيقي شبيهة بموسيقانا، وان كان ايقاعها أسرع قليلا، اشبه بالموسيقي الاثيوبية،

فجأة أتي الصيف، تتحول المدينة من حولي مع ارتفاع درجات الحرارة الي غابة من الزهور والاشجار،

يستغرقني نفس برنامجي اليومي، لا يغير من رتابة الحياة سوي تقلب الطقس، يعطيك احساسا حين يتحسن فجأة، تشرق الشمس ويتوقف المطر تشعر بالفرح، ان ثمة اوقاتا تستحق ان تعاش، ان ثمة ذكريات يجب ان نعيشها مرة اخري، ان عجلة الزمان تصبح في متناول احلامك، لا تنتبه الى إنك غارق في وهم الفرح الصغير، الذي يعتاش عليه الناس هنا، شمس مشرقة لساعات قليلة تصبح مناسبة للفرح. ارتفاع غير متوقع في درجات الحرارة يجعل الناس يتحللون من ثيابهم ويهرعون للشواطئ.

فجأة شعرت بخلل في ايقاع الاشياء من حولي، وانتبهت الي انني لم ار جاري الصومالي منذ ايام، لم التقيه في صباحات انتظار ساعي البريد حيث الرسالة التي لن يقرأها مطلقا ولن يستبيح دفء حروفها التي تعبق برائحة الوطن البعيد.

اختفت موسيقي نهاية الاسبوع وجلسات الخامسة مساء في حديقة زهوره الاخيرة. في ربيع الوحدة الاخير، الوقت الاسوأ للموت في زمان يعود فيه العالم تدريجيا لصخب الحياة بعد فترة موات الشتاء،

كان رجال الشرطة قد اقتحموا البيت بعد بلاغ من بعض اصدقائه الذين اعتاد السهر معهم احيانا، ليجدوه ميتا في فراشه.

جهاز الموبايل ايضا كان يلفظ انفاسه الاخيرة، مطلقا صفيرا متقطعا يعلن ان بطاريته تحتاج للشحن، وعلى شاشته الصغيرة عبارة

7 missed calls .

تعليق القارئة: هالة عمر الشيخ

اليك نقاط ضعف قضتك التى جعلتها باعتقادى مجرد نثر جميل
لكن من الممكن اعادة الكتابة لتلاف نقا الضعف الآتية

ترتكز نقاط ضعف القصة بشكل أساسي على الجوانب الفنية والتنظيمية التي قللت من حدة تأثيرها الدرامي، ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
الفجوة بين العنوان ومتن النص:
العنوان (*كلا إنه أخضر!*) يبدو منقطعاً تماماً عن الأحداث؛ فلا توجد في القصة إشارة صريحة أو رمزية مبنية بشكل مباشر تفك شفرة هذه العبارة المفاجئة، مما يربك القارئ ويبدد انتباهه في البداية.
التسارع المفاجئ في الذروة (التفكك الدرامي):
القصة بدأت بإيقاع تأملي بطيء وهادئ، لكنها انتقلت فجأة وبشكل خاطف من مجرد ملاحظة غياب الجار إلى اقتحام الشرطة واكتشاف الجثة. هذا الانتقال السريع حرم اللحظة من التمهيد الشعوري الكافي، وجعل الفاجعة تبدو كأنها سرد إخباري مجرد يفتقر إلى التدرج.
المباشرة والتقريرية في بعض المقاطع:
سقط النص في المباشرة عند تفسير مشاعر السكان تجاه الشمس (“*يعطيك احساسا… ان ثمة اوقاتا تستحق ان تعاش*”)، وكان من الأفضل ترك القارئ يستنتج هذا المعنى من خلال الوصف السلوكي للشخصيات بدلاً من شرحه لغوياً.
الأخطاء اللغوية والنحوية:
تضمّن النص أخطاء ناتجة عن عدم المراجعة أضعفت جودة الصياغة، ومنها:
*جزم المضارع معتل الآخر
رسم الهمزات والألف المقصورة:علي بدلاً منعلى، واتي بدلاً من أتى
تكرار الأدوات:تكرار تركيب (“*أن ثمة*”) ثلاث مرات متتالية في فقرة واحدة، مما أحدث رتابة لفظية غير محمودة.
غشاوة الصورة البصرية للشخصية الرئيسية
ظل الجار الصومالي مجرد “فكرة” أو “رمز للاغتراب” أكثر من كونه شخصية حية؛ فلم يُمنح تفصيلاً حركياً أو ملمحاً جسدياً خاصاً يجعله يلتصق بذاكرة القارئ كإنسان يتألم، بل جاء اختزاله في الموسيقى والحديقة بشكل سريع.
لا تحزن كتابة القصة القصيرة من اصعب الفنون انها فن الافكار حين تتجسد بشكل سلوكى-اعد الكتابة لتلافى العيوب ولا ترسل ابدا للنشر نصا بهذه الهشاشة

——————-

اول مأخذ للقارئة على القصة وجود فجوة بين العنوان ومتن النص كما ذكرت. وهو بالطبع كلام غير صحيح لأن القارئة المحترمة افترضت ان عبارة: (كلا إنه أخضر) هو عنوان القصة! والحقيقة ان عنوان القصة كما هو مثبت أعلاه هو (حكاية رجل مات في الربيع) وهو عنوان مكثف يختصر القصة كلها من زاوية شاعرية، كأن العنوان وكما جاء في القصة نفسها يتحدث عمن اختار الوقت الأسوأ للموت.

في وقت يستعيد العالم حياته. يقرر شخص ما الموت! ومعروف ان الربيع في معظم الدول يساوي استعادة الحياة من براثن موات الشتاء الكئيب الذي قد يسبب هو نفسه من الأمراض ما قد يؤدي لتفاقم الاكتئاب لمن يعانون مشاكل نفسية أو شعور بالوحدة. فيلجأ البعض لعيادات تستخدم الضوء الشبيه بضوء النهار ليستعيد الجسد توازن ساعته الزمنية.

اذن فإن القارئة بنت نقدها على افتراض خاطئ لا أدرى كيف فات عليها ان العبارة التي اختارتها كعنوان هي جزء من الحوار الداخلي للقصة ولا علاقة لها بالعنوان، مما يوحي كأن التعليق اما كان متعجلا فقط لإثبات وجود مآخذ على النص لشيء في نفس يعقوب بما يشابه تعليقات الذباب، أو انه تعليق آلي من أحد برامج الذكاء الاصطناعي!

تقول ان العنوان سيربك القارئ! ويبدد انتباهه! وحتى ان افترضنا ان عبارة (كلا انه اخضر) هي العنوان فلا معنى لتعليقها انه يربك القارئ. بالعكس ان العنوان الغامض قد يحفز القارئ لقراءة القصة او الرواية ليكشف بنفسه غموض العنوان. مثل رواية 1984 مثلا او قصص القاص السوري زكريا تامر، كعنوان قصته الشهيرة: النمور في اليوم العاشر! حين قرأت تلك القصة استفزني العنوان نفسه، وخاصة عبارة اليوم العاشر، ما علاقته بالنمور وماذا فعلت في اليوم العاشر!  لو انها اختارت كلمة من السطر الأول واعتبرتها عنوانا للقصة لكان ذلك معقولا الى حد ما، اما ان تذهب الى منتصف القصة وتنتزع عبارة من حوار داخلي وتعتبرها عنوانا للقصة، فهذا أمر يدعو للدهشة!

اذن النقطة الأولى للقارئة تأسست على الهواء. اذكر صديقا كان ينتقد انه بسبب أساليب الزراعة الحديثة باتت الخضروات بلا طعم، كان يقول: أصبحوا يزرعون الطماطم في الماء فكيف يكون له طعم! بادره زميل آخر: غدا حين يزرعونه في الهواء (ستطرى) أيام زراعته في الماء!

الخطأ الذي ارتكبته القارئة في البداية انسحب على كامل تعليقها. انظر هنا تقول هي: (

التسارع المفاجئ في الذروة (التفكك الدرامي)

القصة بدأت بإيقاع تأملي بطيء وهادئ، لكنها انتقلت فجأة وبشكل خاطف من مجرد ملاحظة غياب الجار إلى اقتحام الشرطة واكتشاف الجثة. هذا الانتقال السريع حرم اللحظة من التمهيد الشعوري الكافي، وجعل الفاجعة تبدو كأنها سرد إخباري مجرد يفتقر إلى التدرج)

لو انها قرأت القصة بصورة صحيحة وبدأت بالعنوان ستعرف ان القصة لم تبدأ بداية هادئة كما ورد في تعليقها أعلاه. فالعنوان نفسه هو قمة الدراما. ماركيز كان يقول حين يتراخى السرد ويفقد قوة جذبه للقارئ اقتل شخصا ما! الموت سيجعل القارئ يشرع كامل حواسه في المتابعة! فما بالك والموت هنا يتربع في العنوان نفسه وقبل أن تبدأ القصة! تتحدث عن انتقال سريع، من البداية الهادئة الى قمة الدراما. ذلك لم يحدث الدراما بدأت من العنوان، هدأت والرجل يجلس في الحديقة وينتظر في صباحات وحدته رسالة لن تأتي أبدا.

تقول القارئة ان ذلك جعل الفاجعة مجرد سرد اخباري! السرد الاخباري نفسه يسمونه قصة! الفاجعة هنا لم تكن موته، بل حياته!  القلق والوحدة والاكتئاب وانتظار أمل يتسكع في فلوات الغيب! تلك هي الفاجعة وليس عثور الشرطة على جثمانه!

تقول القارئة في مأخذ آخر (المباشرة والتقريرية في بعض المقاطع:
سقط النص في المباشرة عند تفسير مشاعر السكان تجاه الشمس (“*يعطيك احساسا… ان ثمة اوقاتا تستحق ان تعاش*”)، وكان من الأفضل ترك القارئ يستنتج هذا المعنى من خلال الوصف السلوكي للشخصيات بدلاً من شرحه لغوياً)

هنا لا يوجد حديث عن مشاعر السكان تجاه الشمس كما تقول القارئة. هنا حديث الراوي عن الربيع، عن الشق المهم في القصة وهو معادلة الحياة التي يمثلها الربيع: والموت، كما يمثله الشعور بالوحدة والاكتئاب، ثم مأساة الموت في الوقت غير المناسب، في الوقت الذي تزدهر فيه الحياة وتستيقظ فيه الزهور النائمة أسفل تراب الصقيع!

مفهوم الربيع نفسه ملتبس علينا في بلادنا. الحقيقة ان ربيعنا هو الخريف حيث تهطل الامطار وتزدهر مظاهر الحياة. اذكر انه قبل سنوات وحين كنت أناقش مع محرر هولندي يراجع ترجمة روايتي الخريف يأتي مع صفاء. بذلت جهدا طويلا مع محرر الرواية لإقناعه ان الخريف يمثل عندنا ازدهار الحياة، فالخريف هنا يبدأ فيه موات الحياة في الشتاء تتساقط أوراق الشجر وتجف الزهور. في حين كنت انا ارمز بالخريف الذي يأتي مع صفاء للازدهار والنماء الذي يرافق خطواتها. كان الاتفاق في النهاية ان يكون عنوان النسخة الهولندية: المطر يأتي مع صفاء وليس الخريف!

قصة الرتابة اللفظية تتعلق أيضا بذائقة القارئ. وهو امر لا اجده منطقيا في نص من حوالي 700 كلمة!

ثم تحدثت عن بعض الأخطاء اللغوية والطباعية هنا يصبح معها الحق الى حد ما فالقصة تم جمعها قبل سنوات، وكانت الطباعة على الحاسوب لما تزل جديدة. وحتى الناقدة الحصيفة نفسها وقعت في أخطاء طباعية في تعليقها انظر الى ( اليك نقاط ضعف قضتك التى جعلتها باعتقادى مجرد نثر جميل

لكن من الممكن اعادة الكتابة لتلاف نقا الضعف الآتية)

نفس انتقادها ينطبق على كتابتها لكلمتي التي وبإعتقادي

وهي تقصد بالطبع إعادة الكتابة لتلافي نقاط الضعف الآتية!

ولها الشكر ان اتاحت لنا الفرصة لتعليق على التعليق، النقد مطلوب ومهم، لكنه كما قال شيخنا الطيب صالح يصدر في العادة عن محبة للنص، ليس بالضرورة بالطبع ان يرفع النقد النص الى مرتبة الكمال، لكنه يوضح من داخل محبته نقاط الضعف التي كان يمكن ان تعطي النص ابعادا أخرى. ويعيد قراءته بما يشبه ابداعا موازيا للنص نفسه. القصة هنا لو حاولت النظر اليها من زاوية النقد لأدركت بسهولة ان القصة رغم قصرها، فتحت نوافذ أخرى واغرقت النص بحكاية صديقنا الذي يجب ان يذهب الى دار العجزة وقريبنا الأخضر! لكن في تقديري ذلك أيضا نوع من الكتابة مثل مسرح يخرج فيه الممثلون عن النص ثم يعودون اليه. بدفاع اثرائه عبر ارتجال مشاهد ربما لم تخطر ببال المؤلف أو المخرج.

أكرر شكري للأخت على تعليقها الذي حفزني للكتابة وتوضيح بعض النقاط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..