
القضية أبسط من ذلك وأخطر؛ هل ارتكب الشيخ الزين الأفعال المنسوبة إليه أم لم يرتكبها؟ هذا هو السؤال. والجواب لا يملكه فيسبوك، ولا يملكه خصوم الشيخ، ولا يملكه محبوه، ولا تمنحه عمامة، ولا تسقطه خصومة سياسية. يملكه الدليل والقانون والمحكمة. أولاً… ماذا نعرف فعلاً؟ المشكلة الكبرى في هذه القضية أن المسافة بين ما هو متداول وما هو ثابت اختفت تقريباً. تداولت المنصات تسجيلات وادعاءات خطيرة نُسبت إلى الشيخ الزين، بينما رد الرجل، بحسب ما نُشر عنه، بأن ما يجري حملة قديمة تعود جذورها إلى عام ٢٠١٧، وأن تسجيلات تُفبرك وتنسب إليه، وقال بوضوح؛ “العندو حاجة مفروض يمشي المحكمة”. ثم انتقل الأمر بالفعل إلى المسار القانوني؛ فقد أصدر محاموه إنذاراً قانونياً ضد النشر والتشهير، وأُعلن لاحقاً توقيف ثلاثة أشخاص في أمدرمان والمناقل على خلفية بلاغات تتعلق بمنشورات وتسجيلات متداولة، مع حديث عن إجراءات أخرى خارج السودان. هذه، حتى لحظة كتابة هذا المقال، هي الوقائع التي أمكن التحقق منها علناً. أما القول إن الشيخ زنى، أو إن امرأة حملت منه، أو إنه أمر بإجهاض حمل، فهذه اتهامات بالغة الخطورة لا يجوز لي، ولا لأي كاتب يحترم نفسه، تحويلها من دعاوى متداولة إلى حقائق قبل أن تقوم عليها البينة.
وهنا تحديداً تبدأ القضية الحقيقية.
الشيخ الزين لا يملك حصانة دينية
كون الرجل حافظاً للقرآن لا يمنحه حصانة من القانون. ولو ثبت أنه ارتكب جريمة، فلا توجد آية في كتاب الله تقول إن حافظ القرآن فوق الحساب، ولا حديث يجعل الإمام أرفع من القانون. بل العكس تماماً.
يقول الرسول ﷺ: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، وحين سُئل عن نصرة الظالم بيّن أن نصره تكون بمنعه من الظلم.
ومن هنا فإن من يحب الشيخ الزين حقاً لا يخدمه عندما يقول؛ هذا رجل قرآن، إذن يستحيل أن يخطئ. فالقرآن لم ينزل ليصنع طبقة من البشر فوق المساءلة. وحفظ كتاب الله فضيلة، لكنه ليس شهادة حسن سير وسلوك أبدية، والإمامة وظيفة دينية وليست صك براءة، والصوت الجميل في التلاوة ليس بينة أمام المحكمة. لكن العدالة تعمل في الاتجاه الآخر أيضاً: كون الرجل شيخاً لا يجعله مذنباً. ومعارضته السياسية لا تجعله مذنباً. وارتباطه بهذا التيار أو ذاك لا يجعله مذنباً. وكراهية الناس للإسلاميين أو لرجال الدين أو لبعض مواقف الشيخ لا تصلح دليلاً على جريمة جنائية. فكما أرفض أن يحتمي الشيخ بالمصحف من القانون، أرفض بالقدر نفسه أن يستخدم خصومه مواقع التواصل بديلاً عن المحكمة.
التسجيل… هل يكفي لإدانته؟ هنا ندخل إلى صميم المسألة القانونية. حتى لو افترضنا، لأغراض النقاش فقط، أن هناك تسجيلاً صوتياً صحيحاً وليس مفبركاً، فإن السؤال القانوني لا ينتهي عند سماع الصوت. بل يبدأ من هناك. من صاحب الصوت؟ هل التسجيل أصلي؟ هل تعرض للمونتاج؟ هل حُذف جزء منه؟ ما سياق الحديث؟ متى سُجل؟ من سجله؟ وكيف حصل عليه؟ وهل توجد أدلة أخرى مستقلة تؤيد مضمونه؟ والأهم من كل ذلك أن إثبات جريمة الزنا في القانون السوداني له قواعد خاصة جداً. فالمادة ٦٢ من قانون الإثبات السوداني لسنة ١٩٩٤ تحصر طرق إثبات جريمة الزنا في الإقرار الصريح أمام المحكمة، أو شهادة أربعة رجال عدول، أو الحمل لغير الزوجة إذا خلا من شبهة، أو الحالة المتعلقة باللعان المنصوص عليها في القانون. وهذه ليست مسألة نظرية. فالمحكمة العليا السودانية قررت في سابقة قضائية أن عدم ثبوت الزنا بالطريقة التي حددتها المادة ٦٢ يعني أن الجريمة الحدية لم تثبت أصلاً، وأشارت إلى أن الأقوال الواردة في مرحلة التحري لا تقوم مقام الإقرار المطلوب أمام المحكمة لإثبات الجريمة الحدية.
وهنا تظهر المفارقة؛ بعض الذين يرفعون شعار تطبيق الشريعة في الدفاع عن الشيخ يتجاهلون أن الشريعة نفسها شددت في إثبات الزنا. وبعض الذين يهاجمونه يتعاملون مع تسجيل في واتساب أو فيسبوك وكأنه حكم قضائي نهائي. وكلاهما يظلم العدالة. وماذا عن الإجهاض؟.هنا تصبح القضية مختلفة. إذا كان هناك ادعاء بأن شخصاً أمر امرأة بإسقاط جنين، فهذه ليست مجرد مسألة أخلاقية مرتبطة بالزنا؛ فقد تدخل، بحسب الوقائع والأفعال التي يمكن إثباتها، في نطاق نصوص جنائية مستقلة. القانون الجنائي السوداني يتناول الإجهاض في المواد ١٣٥ إلى ١٣٧. والمادة ١٣٥ تجرّم التسبب قصداً في إسقاط الجنين، مع استثناءات محددة، منها ضرورة الإسقاط للمحافظة على حياة الأم، والحمل الناتج عن اغتصاب ضمن الشروط الزمنية التي يحددها النص، وثبوت موت الجنين في بطن أمه. كما تتناول المادتان ١٣٦ و١٣٧ الفعل المؤدي إلى الإجهاض وتسبيب موت الجنين. ولكن ينبغي هنا أيضاً توخي الدقة: وجود حديث عن الإجهاض لا يثبت أن الإجهاض وقع. والأمر به، والتحريض عليه، والمساعدة فيه، والشروع فيه، ووقوعه فعلاً، مسائل قانونية مختلفة يتوقف توصيف كل منها على الوقائع والبينة والقصد الجنائي والقواعد العامة للمشاركة الجنائية.
ولذلك لا يجوز أن نكتب مقدماً، قانونيا ولا أخلاقياً؛ “الشيخ ارتكب جريمة الإجهاض”، بينما لم تثبت أمامنا حتى واقعة الإجهاض نفسها. لكن إذا ثبت أمام القضاء أن هناك حملاً، وثبتت صلة المتهم بالوقائع، وثبت أنه تدخل بقصد إسقاط الجنين أو حرّض أو ساعد وفق ما يجرّمه القانون، فعندها لا تعود المسألة شائعة أخلاقية؛ وإنما تصبح مسألة مسؤولية جنائية يفصل فيها القضاء وفق النصوص واجبة التطبيق. وهنا لا تفيد العمامة شيئاً. وهل الحمل وحده يثبت أن الشيخ هو الأب؟ لا. وهذه نقطة مهمة جداً. الحمل قد يكون عنصراً ذا أثر قانوني في أوضاع معينة وفق قانون الإثبات، ولكنه لا يجعل كل رجل يشار إليه في مواقع التواصل أباً للجنين..نسبة الأبوة إلى شخص بعينه مسألة أخرى تحتاج إلى بينة تربطه بالحمل..ولهذا فإن الانتقال من قول؛ “هناك امرأة حامل” إلى قول؛ “إذن فلان زنى بها وهو والد الجنين” قفزة لا يصنعها القانون وإنما تصنعها الشائعة.
وإذا كان هناك ادعاء بأبوة شخص معين، فإن التحقيق الحديث يستطيع أن يبحث الأدلة الطبية والفنية والمادية المناسبة وفق الإجراءات القانونية، بدلاً من تحويل المجتمع كله إلى مختبر شائعات. الخطأ المقابل… تقديس الشيخ قرأت في المقابل دفاعاً عن الشيخ بلغ حد القول إنه “حامل قرآن”، وإنه أصبح “رمزاً للدين في السودان”، وإن استهدافه استهداف لرموز الدين، بل ذهب أحد المدافعين عنه إلى القول إنه “أكبر من الشبهات”. وهذا النوع من الدفاع، في تقديري، يضر الشيخ أكثر مما ينفعه. لا يوجد إنسان أكبر من الشبهات، كما لا يوجد إنسان أصغر من حقه في قرينة البراءة. والقرآن أكبر من الشيخ الزين ومن خصوم الشيخ الزين ومن جميعنا. فلا ينبغي إدخال المصحف طرفاً في قضية جنائية. إذا كان الرجل بريئاً فلتظهر براءته بالدليل. وإذا كان مظلوماً ومفترى عليه، فإن من فبرك التسجيلات ونسب إليه جرائم لم يرتكبها يستحق المحاسبة. وقد بدأت بالفعل، وفق ما أعلن مكتب الشيخ القانوني، إجراءات ضد أشخاص بتهمة التشهير والنشر الإلكتروني. أما القول إن الرجل لا يمكن أن يفعل شيئاً لأنه مقرئ للقرآن، فهذه ليست حجة قانونية ولا دينية.
فالإنسان يُحاسب على فعله لا على لقبه.
والخطأ الآخر… إدانته لأننا لا نحبه
كما أنني لا أقبل تقديس الشيخ، لا أقبل اغتياله معنوياً. هناك من يبدو وكأنه وجد في القضية فرصة لتصفية حساب سياسي أو فكري قديم معه..وهذا أيضاً مرفوض. وقد تعرض الرجل سابقاً لنقد واسع منذ قضية سيارته “البرادو” عام ٢٠١٧، وهي واقعة موثقة إعلامياً؛ بل كتب القانوني سيف الدولة حمدنا الله وقتها مقالاً شهيراً نقل النقاش من مجرد امتلاك الشيخ للسيارة إلى قضايا أوسع تتعلق بالثروة وعلاقة بعض رجال الدين بالسلطة والنخب الاقتصادية. لكن كل ذلك لا يثبت جريمة اليوم. قد نختلف مع الشيخ في السياسة. قد ننتقد علاقاته. قد نرفض مواقفه. قد نختلف معه في فهم الدين والدولة والحرب والسلام. ولكن عندما يصل الأمر إلى اتهام رجل بالزنا أو الإجهاض، ينتهي المقال السياسي وتبدأ القضية الجنائية. وهنا لا قيمة لموقفنا السياسي منه.
إذن… هل شيخ الزين مذنب أم ضحية؟
الجواب المسؤول حتى هذه اللحظة هو؛
لا نعرف بعد. وقد لا يكون هذا الجواب مثيراً بما يكفي لفيسبوك، لكنه الجواب الوحيد الذي يحترم الحقيقة. إذا ثبت أن التسجيلات مفبركة، فالشيخ الزين ضحية جريمة تشهير خطيرة، ومن صنعها ونشرها عالماً بكذبها ينبغي أن يتحمل مسؤوليته القانونية..وإذا ثبتت أصالة بعض المواد، فلا يعني ذلك وحده ثبوت جميع الجرائم المنسوبة إليه؛ بل يجب تفكيك كل ادعاء على حدة وإخضاعه لقواعد الإثبات والعناصر القانونية للجريمة المعنية. وإذا ثبت أمام القضاء أنه ارتكب فعلاً مجرّماً، فهو مذنب كأي مواطن آخر، ولا ينبغي أن ينقذه صوت جميل ولا ملايين المستمعين ولا لقب “الشيخ”. هذه هي دولة القانون التي ينبغي أن نريدها للسودان. دولة لا يُدان فيها الإنسان لأنه خصمنا، ولا يبرأ لأنه شيخنا. لا تجعل العمامة حصانة، ولا تجعل الكراهية دليلاً.
الدفاع الحقيقي عن الشيخ وإذا كان بعض محبيه يريدون بالفعل الدفاع عنه، فأفضل ما يفعلونه هو أن يكفوا عن القول؛ كيف يفعل ذلك وهو حافظ لكتاب الله؟ فهذا سؤال خاطئ. والسؤال الصحيح هو؛ أين الدليل وبالمقابل، إذا كان خصومه يريدون إثبات الاتهامات، فعليهم أيضاً أن يكفوا عن القول؛ هذا هو الوجه الحقيقي لشيوخ الدين. فهذا أيضاً حكم مسبق. وليقدموا الدليل. فالحديث النبوي “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” يحمل هنا معنى عميقاً؛ فإذا كان الشيخ مظلوماً فنصرته تكون برد الظلم عنه، وإذا كان ظالماً فنصرته الحقيقية تكون بمنعه من الظلم ومحاسبته، لا بتقديسه وتبرير فعله. وفي الحالتين لا يحتاج الحق إلى عصبية. القضية ليست الشيخ الزين وحده في الحقيقة، هذه القضية أكبر من الشيخ الزين. إنها امتحان لطريقة تفكير مجتمع كامل. هل نريد دولة مواطنين أم دولة رموز؟ هل نريد قانوناً أم محاكم فيسبوك؟ هل يصبح الإنسان بريئاً لأننا نحبه، ومجرماً لأننا نكرهه؟ إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول العدالة إلى مباراة بين جمهورين؛ جمهور يرفع المصحف دفاعاً عن المتهم، وجمهور يرفع التسجيلات مطالباً بشنقه معنوياً قبل أن تبدأ المحاكمة. كلاهما يقتل العدالة. فالعدالة لا تسأل المتهم؛ كم جزءاً من القرآن تحفظ؟ ولا تسأله؛ مع أي طرف سياسي تقف؟ ولا تسأل الشاكي؛ هل تحب الشيخ أم تكرهه؟ إنها تسأل سؤالاً واحداً؛ ماذا حدث، وما الدليل عليه؟ ومن هنا فإن موقفي واضح؛ لا أدين الشيخ الزين قبل أن تثبت إدانته. ولا أمنحه براءة لأنه الشيخ الزين. ولا أقبل أن يصبح القرآن درعاً يختبئ خلفه أي متهم. ولا أقبل كذلك أن يصبح الاختلاف السياسي رخصة لهتك أعراض الناس. فإن كان الرجل بريئاً، فليخرج من المحكمة مرفوع الرأس، وليحاسَب من افترى عليه. وإن كان مذنباً، فليحاسَب أمام القانون مثل أي سوداني آخر، وليعلم الجميع أن قداسة النص لا تنتقل إلى قارئه، وأن القرآن لا يمنح حصانة لأحد. تلك هي القضية.
ليست القضية رجل دين أم مقرئ قرآن.
وليست القضية شيخاً نحبه أو خصماً نكرهه. القضية قانونية بحتة؛ اتهام، ودليل، ودفاع، ومحكمة، ثم حكم. وحتى يقول القضاء كلمته، يبقى الشيخ الزين متهماً في روايات متداولة، لا مجرماً بحكم ثابت؛ وتبقى براءته القانونية قائمة، مثلما يبقى حق الآخرين في تقديم ما لديهم من أدلة قائماً. فبين التقديس والتشهير توجد مساحة اسمها العدالة. وهي وحدها المساحة التي ينبغي أن نقف فيها.



