السعودية والإخوان.. حين تُسلَّم مفاتيح الخليج للعقارب

د. التوم حاج الصافي
في جلسة مجلس الأمن التي عُقدت أمس، لم تُخفِ السعودية موقفها الداعم لنظام الإخوان، ولم تعد المسألة مجرد حسابات دبلوماسية عابرة أو اختلاف في قراءة المشهد السوداني؛ بل أصبحت أمام تناقض سياسي وأخلاقي صارخ: كيف يمكن لدولة أن تتبنى خطابًا يضع جماعة الإخوان المسلمين في خانة الخطر والإرهاب، ثم تمد لها يدًا في الخفاء حين تتقاطع المصالح؟
لا أحد يعترض على أن للدول مصالح، ولا أحد يطلب من السعودية أن تتخلى عن أمنها القومي أو حساباتها الإقليمية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المصالح إلى غطاء للتناقض، وعندما يصبح ما يُدان علنًا مقبولًا سرًا، وتتحول الجماعات التي تهدد استقرار المنطقة إلى أدوات في لعبة النفوذ.
والأخطر من ذلك أن المسألة لا تتعلق بالسودان وحده. ما يجري أكبر من حدود حرب أو صراع على السلطة. إنه صراع على مستقبل الإقليم، وعلى من يملك القدرة على إعادة تشكيل موازين القوى فيه.
فإذا كان المشروع الإخواني قد وجد لنفسه موطئ قدم داخل مؤسسات الدولة السودانية، فإن الحرب لم تكن بالنسبة إليه مجرد معركة عسكرية؛ بل فرصة لإعادة إنتاج نفوذه، واستعادة شبكاته، والعودة إلى المشهد من بوابة الفوضى والدمار. ولهذا فإن أي دعم غير مباشر لهذا المشروع لا يعني سوى إطالة أمد الحرب، وإعادة تدوير القوى التي صنعت الأزمة أصلًا.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بصوت مرتفع: هل تدرك الرياض فعلًا إلى أين يمكن أن يقودها هذا الطريق؟
فالتحالفات الإقليمية التي تتشكل حول جماعات الإسلام السياسي ليست سرًا. تركيا وقطر وإيران، رغم اختلاف مصالحها وتناقضاتها، استطاعت في مراحل مختلفة أن تلتقي عند نقاط مشتركة عندما يتعلق الأمر بتوسيع النفوذ عبر الحركات والأدوات غير التقليدية. وهذه ليست قضية شعارات؛ إنها مسألة أمن إقليمي حقيقية.
والغريب أن السعودية، التي دفعت ثمنًا سياسيًا وأمنيًا كبيرًا في مواجهة تمدد هذه المشاريع، تبدو اليوم وكأنها تفتح نافذة جديدة أمام القوى التي يفترض أنها تعمل على تحجيمها.
هذه ليست براغماتية سياسية؛ هذه مقامرة.
وقد تنجح المقامرة يومًا أو شهرًا أو حتى سنوات، لكنها لا تلغي حقيقة أن العقارب لا تغيّر طبيعتها لأنها وجدت من يدفئها في يده.
والتاريخ السياسي للمنطقة مليء بأمثلة لدول ظنت أنها تستطيع استخدام الحركات الأيديولوجية لتحقيق أهداف مرحلية، ثم اكتشفت متأخرة أن تلك الحركات لا تعمل وفق منطق الدولة ولا تعترف بالشراكة الدائمة؛ إنها تستخدم الدولة عندما تحتاج إليها، ثم تنقلب عليها عندما تتغير موازين القوة.
ومن هنا فإن السعودية، إذا كانت تبحث فعلًا عن أمنها القومي، لا تحتاج إلى جماعات أيديولوجية مسلحة أو شبكات سياسية مرتبطة بمشروع عابر للحدود. تحتاج إلى دول مستقرة، وجيوش وطنية، ومؤسسات حقيقية، وحدود آمنة، وإقليم لا تتحول فيه الفوضى إلى وسيلة لتصفية الحسابات.
أما السودان، فلا يمكن أن يكون ملعبًا لتجارب الآخرين.
الشعب السوداني هو الذي يدفع الثمن: مدن مدمرة، ملايين النازحين، اقتصاد منهار، دولة ممزقة، ومستقبل يزداد قتامة كلما طال أمد الحرب. وأي قوة إقليمية تساعد على إطالة هذا النزيف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لا تساعد السودان؛ بل تساعد على إغراقه أكثر.
ولذلك فإن السعودية أمام لحظة مراجعة حقيقية.
يمكن للرياض أن تختلف مع هذا الطرف أو ذاك، ويمكنها أن تفاوض وتضغط وتتحرك وفق مصالحها، لكن عليها أن تفرق بين الدولة التي يمكن التعامل معها والمشروع الأيديولوجي الذي يريد استخدام الدولة للوصول إلى غايته.
فالإخوان، في النهاية، لا يبحثون عن شريك دائم؛ يبحثون عن مساحة للتمدد.
ومن يمد يده إلى العقارب، عليه ألا يتفاجأ عندما يأتي يوم تلدغه.
وقد يأتي ذلك اليوم أسرع مما يتصور كثيرون.



