
حين يُحوّل النقد الأدبي إلى فتنة إقليمية، والتحليل الفكري إلى مطارقة عنصرية، فإن الخاسر الوحيد هو العقل السوداني نفسه.
الاتهام العنصري: من أين يأتي؟
يدّعي الدكتور الوليد آدم مادبو — أو يُوحي ضمنياً — أن الطيب صالح “رمز للنخبة التقليدية في المركز النيلي”، وأنه يمثل “هيمنة المركز الثقافي”، متسائلاً بنبرة اتهامية: لماذا لم يكتب عن أقاليم الهامش كالشرق أو الغرب؟
لنكن صريحين: هذا ليس نقداً ثقافياً؛ بل هو **ابتزاز إقليمي مُقنَّع بالتحليل السياسي**. فكرة أن يُحاسَب الكاتب على خريطة ذاكرته، وأن يُتَّهم بعدم الكتابة عن إقليمٍ بعينه كـ”دليل” على استعلاء مركزي، هي فكرة تنتمي إلى المنظور القبلي المتشنج، لا إلى القراءة النقدية الرصينة.
الطيب صالح كتب عن “كرمكول” وعن “لندن” وعن قرى الضفاف النيلية؛ لأن هذه الأماكن شَكَّلت وجدانه وشغفت روحه، لا لأنه اتخذ قراراً إديولوجياً باستبعاد غيرها. الإبداع ليس خدمةً مدنية تُوزَّع حصصها على الأقاليم بالتساوي، والكاتب الأصيل لا يقف أمام خريطة جغرافية ليضمن المحاصصة في رواياته.
“المركز النيلي” كتهمة مُفبركة
ما هو “المركز النيلي” الذي يُسقَط على الأدب؟ هل تُقاس قيمة النص بالموقع الجغرافي لكاتبه؟
إذا كان الطيب صالح “مركزياً نيلياً” لمجرد أنه استلهم بيئته الشمالية، فماذا نقول عن تولستوي الذي خلد البيئة الروسية في “ياسنايا بوليانا”؟ وماذا نقول عن ويليام فوكنر الذي حصر أغلب عالمه الروائي في مقاطعة واحدة بالجنوب الأمريكي؟ هل كان أحدهما ينطلق من استعلاء جرافي لأنه لم يغطِّ كامل جغرافيا بلاده؟
الفرق بين النقد الثقافي المشروع والتحيز الإقليمي الضيق هو أن الأول يقرأ النص، والثاني يفتش في الهوية. لم يقرأ مادبو “موسم الهجرة إلى الشمال” بوصفها مأساة صدام الحضارات وأزمة العقل المستلَب، بل قرأ شجرة نسب كاتبها ليصدر بحقه حكماً جغرافياً.
صمت الإبداع لا يُحاسَب كجريمة
نعم، لا يوجد كاتب فوق النقد. يحق لنا أن نناقش الطيب صالح: كيف تمثلت المرأة في بعض أعماله؟ وكيف تجسدت علاقة السلطة بالمجتمع في “ضو البيت”؟ هذه أسئلة نقدية مشروعها النص لا الهوية.
لكن وصمه بـ”المركزية الإقليمية” لمجرد أنه لم يُغطِّ كافة أرجاء السودان هو تجنيٌّ صارخ. الطيب صالح الذي عرفه معاصروه — من أدباء السودان إلى مفكري العالم العربي كـ”عبد العزيز التويجري” — كان إنسانا يمتلئ بتواضع التربال وأصالة القرية، بعيداً عن أي استعلاء.
إن عدم تطرقه لبعض المناطق ليس إقصاءً متعقداً، بل هو **حدود التجربة الإنسانية المباشرة**. والإبداع يُحاسَب على ما قدمه وصاغه في عالمه، لا على ما صمت عنه.
النقد البناء أم الاقتلاع الرمزي؟
لا ينطلق هذا الهجوم من رغبة في تقييم تجربة الطيب صالح، بل من محاولة لاستغلال رمزيته الأدبية للتدليل على فرضيات سياسية وإقليمية. الهدم أسهل بكثير من البناء؛ فبناء أدب يعبر عن أقاليم السودان المتنوعة يحتاج إلى تراكم إبداعي، بينما محاكمة الرموز الوطنية بتهم الاستعلاء لا تتطلب سوى مقال إديولوجي.
هذا ليس دفاعاً عن قداسة مُتخيلة للطيب صالح؛ فالأدب لا يقدس. بل هو رفضٌ لربط الإبداع بالنزاعات القبيلة. ألا يكفي السودان ما يمر به من تمزق سياسي واجتماعي حتى نُحول الأدب أيضاً إلى جبهة للصراع الجغرافي؟
الخلاصة
الطيب صالح ليس بقرة مقدسة تُحظر مراجعتها، لكنه يظل قامة إبداعية كتب بسلطان الروح والذاكرة، لا بأوامر الولاء الإقليمي.
وعلى من يحمل هموماً ثقافية حقيقية أن يرفد المكتبة السودانية بالإبداع الذي يعبر عن قضاياه، لا أن يتفرغ لمحاكمة أدباء السودان على ما لم يكتبوه. الأدب يُرد عليه بالأدب، والرواية تُقابل بالرواية. فلنقرأ الطيب صالح في سياقه الإنساني والأدبي، ولنفسح المجال لكل قلم سوداني ليخلد الجرح الذي يعيشه بأدبٍ رفيع وفكر حاد.
“وَمِنْ مَحَاسِنِ الصُّدَفِ أَنَّنِي كَتَبْتُ مَقَالاً بِعُنْوَانِ (الطَّيِّب صَالِح.. اَلْجَانِبُ الْمُظْلِمُ)، سَيُنْشَرُ -بِإِذْنِ اللَّهِ- فِي الْعَدَدِ الْقَادِمِ مِنْ مَجَلَّةِ «فِكْرٍ» الثَّقَافِيَّةِ؛ حَيْثُ أَتَنَاوَلُهُ فِيهِ بِالنَّقْدِ أَيْضاً، لَكِنْ مِنْ خِلاَلِ تَفْكِيكِ أَبْعَادِ إِبْدَاعِهِ الأَدَبِيِّ، لاَ مِنْ بَوَّابَةِ مَرْكَزِيَّتِهِ النِّيلِيَّةِ



