سيد أحمد الحردلو.. غناويات ما تزال تنتظر أصواته

د. عبدالرحيم عبد الحليم محمد
حين يرحل شاعر كبير لا يكون السؤال فقط: ماذا كتب؟ ولا كم كتابًا ترك؟ وإنما: ماذا فعلنا نحن بما كتب؟ وكم قرأنا من عالمه؟ وكم أنصف النقد تجربته؟ وكم استطاعت الموسيقى والمسرح والدراما أن تنقل ما في كتبه من حياة إلى الناس؟ ذلك هو السؤال الذي يلح عليّ كلما عدت إلى سيرة أخي وصديقي الشاعر سيد أحمد الحردلو، وكلما فتحت نافذة من نوافذ عالمه الواسع، فأجد وراءها وطنًا كاملًا يمشي ويتحدث ويغني ويضحك ويبكي، وأجد في الوقت نفسه أن جانبًا كبيرًا من هذا العالم ما يزال بعيدًا عن الأضواء التي يستحقها.
عرفت الحردلو معرفة قريبة منذ السبعينيات، ولم أعرفه شاعرًا يجلس خارج نصه ثم يذهب إلى حياته، بل كان الشعر والحياة عنده نهرًا واحدًا. عرفت فيه ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يبدأ الحديث من ناوا، ثم يعبر بك إلى الخرطوم وكنشاسا والأندلس والمكسيك، ويعود بك مرة أخرى إلى النيل والنخلة و«عازة»، كأن الجغرافيا كلها دوائر مركزها السودان. وقد شهدت في تلك السنوات ميلاد لحن «يا بلدي يا حبوب» بحضور الراحل عبدالعزيز عصفور، كما شهدت قراءاته لـ«محمود جنا طه» و«سنيوريتا» وغيرها من نصوصه، ولذلك لم تكن معرفتي بشعره معرفة قارئ بكتاب فحسب، وإنما معرفة بمنابع القصيدة قبل أن تصبح قصيدة، وبالصوت قبل أن يتحول إلى كتابة.
ولعل «يا بلدي يا حبوب» التي حملها صوت محمد وردي إلى الناس تقدم أوضح مثال على المفارقة التي أتحدث عنها. فقد استطاعت الأغنية، حين اجتمع النص الكبير بالصوت الكبير واللحن القادر على حمله، أن تخرج من حدود الورق إلى الذاكرة العامة. ولكن ماذا عن بقية «غناويات» الحردلو؟ ماذا عن ذلك العدد الكبير من النصوص التي تنطوي على موسيقى داخلية وصور وحكايات ومشاهد وحوارات تجعل كثيرًا منها صالحًا لأن يعيش أغنية أو مسرحية أو عملًا دراميًا أو تجربة موسيقية حديثة؟ لقد رحل الشاعر وبقيت غناويات كثيرة عذراء، تنتظر من يسمع موسيقاها المختبئة في الكلمات.
وهنا لا أريد أن أحاكم الفنانين أو النقاد بقدر ما أريد أن ألفت النظر إلى دين ثقافي مؤجل. فالحردلو لم يكن مجرد شاعر غنائي بالمعنى الضيق، ولم تكن مؤلفاته مجرد أوعية لنصوص جميلة. ثمة مشروع إبداعي متعدد الطبقات يحتاج إلى أن تقرأه جامعاتنا وأقسام الأدب والموسيقى والمسرح من جديد. في نصوصه مادة للناقد الأدبي، وللمؤرخ الثقافي، وللباحث في الهوية السودانية، ولدارس الأدب النوبي والسوداني، وللموسيقي والملحن والمخرج المسرحي وكاتب السيناريو. ومع ذلك لم تجد هذه الثروة، في تقديري، ما يوازي قيمتها من التناول النقدي والفني والمسرحي، وظل الحردلو المعروف عند جمهور واسع أقل بكثير من الحردلو الموجود في كتبه.
ولعل من أكثر الجوانب التي تستحق الدراسة ما أسميته من قبل «الشعر الروائي» عند الحردلو. ففي بعض نصوصه لا تقرأ قصيدة بالمعنى التقليدي وإنما تدخل عالمًا فيه شخصيات وأحداث وأمكنة وحوار ومفارقة وسخرية وتحولات درامية. وتبدو «ملعون أبوكي بلد» نموذجًا مهمًا لهذا اللون؛ فهي ليست عبارة ساخطة على الوطن، وإنما بناء أوسع يشتبك مع مشكلات السياسة والمجتمع ومع علاقة الإنسان السوداني بوطن يحبه حتى عندما يغضب منه. وقد أشرت من قبل إلى أن العبارة نفسها تحولت إلى ما يشبه التعبير الشعبي المتداول عن الإحباط من أحوال البلاد، بينما يحمل العمل في داخله أبعادًا أبعد من ذلك بكثير.
وهذه الخاصية السردية هي التي تجعلني أتساءل: لماذا لم يصل مسرحنا إلى الحردلو كما ينبغي؟ إن بعض نصوصه تكاد تحمل المسرح في داخلها. هناك راوٍ وشخصيات وحركة وسفر ومفارقة وحوار بين التاريخ والحاضر. و«سنيوريتا»، مثلًا، تفتح فضاءً تخييليًا تتحرك فيه ناوا والنوبة والأندلس والمكسيك، ويمتزج التاريخ بالعشق والسخرية والهوية. مثل هذا النص لا ينبغي أن يبقى أسير القراءة الصامتة؛ يمكن أن يتحول، عبر معالجة فنية واعية، إلى عرض مسرحي أو مسرح غنائي تتجاور فيه الكلمة والموسيقى والصورة والرقص والتاريخ.
والأمر نفسه ينطبق على قصائده في الشخصيات. لقد امتلك الحردلو قدرة نادرة على أن يرسم الإنسان بالكلمات. فهو حين يكتب عن وردي أو بشير الطيب أو محمود محمد طه أو محمد المهدي المجذوب أو مصطفى سيد أحمد لا يقدم مرثية عابرة، بل يصنع صورة شعرية للشخصية، كأنه يرسم «بروفايلًا» أدبيًا تتحول فيه السيرة إلى شعر. وفي رثائه لمصطفى سيد أحمد، مثلًا، لا يكتفي بالموت، وإنما يستعيد الفنان من خلال الفقراء والمنافي والعصافير والرعاة والحلم والأغنيات، ثم يجعله «وترًا مشدودًا» وكيانًا «مسكونًا دندنات». وهذه النصوص وحدها تصلح لأن تكون مادة لعمل مسرحي أو موسيقي كبير عن جيل كامل من مبدعي السودان.
وثمة جانب آخر لا يقل أهمية: الحردلو شاعر المكان والتاريخ والهوية. إن ناوا عنده ليست قرية على الخريطة وحسب، والنوبة ليست انتماءً جغرافيًا مغلقًا، والسودان ليس حدودًا سياسية. إنه يمد خيوط المكان إلى التاريخ القديم ويستدعي ترهاقا وبعانخي ومهيرة والمهدي، ثم يخلط الجد بالهزل والفصيح بالعامي والتاريخ بالحكاية الشعبية، حتى يصبح النص ملتقى للأزمنة. وفي إحدى صوره يجعل نفسه «جرابًا مليان عيش»، وهي صورة شعبية بسيطة في ظاهرها، لكنها تتحول في سياق قراءتك إلى رمز لتعدد مكونات الذات السودانية.
أما الغناء فهو الباب الذي أراه أكثر إلحاحًا اليوم. لقد أثبتت تجربة «يا بلدي يا حبوب» أن شعر الحردلو يستطيع أن يعبر من الديوان إلى حنجرة المغني، ومن الحنجرة إلى وجدان الأمة. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح على موسيقيينا ومطربينا الشباب هو: لماذا نتوقف عند أغنية واحدة بينما وراءها حديقة كاملة من الغناويات؟ إن نصوصًا كثيرة للحردلو لا تحتاج إلى أن نفرض عليها الغناء من خارجها؛ فالغناء موجود فيها أصلًا. إيقاع العامية السودانية فيها، وتكراراتها، وقفلاتها، وحواراتها، ونداءاتها، وحركتها بين الشجن والسخرية، كلها عناصر تنتظر ملحنًا يستطيع أن يسمع ما وراء الكلمات.
بل إنني أدعو إلى مشروع فني متكامل يمكن أن يحمل اسم «غناويات الحردلو»، تُراجع فيه دواوينه ومؤلفاته نصًا نصًا، وتختار لجنة من الشعراء والموسيقيين والباحثين النصوص الأكثر قابلية للتلحين، ثم تفتح أمام جيل جديد من الملحنين والمغنين. ولا ينبغي أن يكون المطلوب تقليد تجربة وردي، فلكل زمن صوته. المطلوب أن نمنح النص حياة جديدة مع الحفاظ على روحه، بحيث نسمع الحردلو في أصوات مختلفة وفي قوالب موسيقية سودانية متعددة، من الطنبور إلى العود ومن الإيقاعات النوبية إلى التكوينات الأوركسترالية الحديثة.
وإلى جانب «غناويات الحردلو» أتصور مشروعًا آخر هو «مسرح الحردلو»؛ فـ«ملعون أبوكي بلد» وغيرها من الأعمال يمكن أن تخضع لدراسة دراماتورجية جادة لاستخراج ما فيها من إمكانات مسرحية. ويمكن أن يصاحب ذلك مؤتمر أكاديمي حول تجربته، ورسائل جامعية، وطبعة علمية لأعماله، ودراسات عن لغته وعلاقته بالتاريخ والنوبة والوطن والتصوف والسخرية والغناء. عندئذ فقط نكون قد انتقلنا من الاحتفاء بالشاعر إلى دراسة مشروعه.
لقد كان الوطن عند الحردلو نقطة ارتكاز حتى وهو بعيد عنه؛ وكانت «عازة» تطل عليه في المطارات ومحطات القطارات والشوارع والمقاهي، فيرى الوطن في تفاصيل العالم من حوله. وهذه القدرة على تحويل الوطن من خريطة إلى كائن حي هي واحدة من أسرار شعره. ولذلك فإن إعادة قراءة الحردلو اليوم، والسودان نفسه يمر بأقسى امتحاناته، ليست حنينًا إلى شاعر راحل، وإنما استعادة لصوت كان يحاول أن يقول لنا إن الوطن أكبر من حكوماته وأزماته، وإن التاريخ أبعد من لحظة الانكسار، وإن الجمال يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المقاومة.
ولعل أكثر ما يؤلمني أن يكون الشاعر قد ترك لنا «كل الغناويات»، ثم لا نكون قد أصغينا إليها كلها بعد. ففي ختام ذلك العالم الشعري يجيء قوله البسيط والمضيء:
نديك طفولتنا
ونديك أخوتنا
وكل الغناويات
ثم قلت يومها: «وقد فعل. رحمه الله».
واليوم أضيف: نعم، لقد فعل الحردلو ما عليه. أعطانا طفولته وأخوته وغناوياته، وأودع في الكتب وطنًا من الشعر والحكاية والموسيقى. أما ما بقي فهو ما علينا نحن. علينا أن نفتح تلك الكتب، وأن نخرج الغناويات من صمت الورق، وأن نعيدها إلى المسرح والإذاعة والجامعة وقاعة الموسيقى وذاكرة الأجيال الجديدة. فليس الوفاء للشاعر أن نكثر المراثي في ذكرى رحيله، وإنما أن نجعل إبداعه حيًا بعده.
الحردلو لم يقل كلمته الأخيرة بعد؛ لأن بعض الشعراء يرحلون حين يتوقف القلب، وبعضهم تبدأ حياة أخرى لكلماتهم بعد الرحيل. وما تزال في كتب سيد أحمد الحردلو أغانٍ لم تُغنَّ، ومسرحيات لم تُمثَّل، وقراءات لم تُكتب، وكنوز تنتظر من يزيح عنها غبار الرفوف.
وربما كان أجمل وفاء لملك «شعّار عموم نوبيا» أن يأتي يوم نقول فيه: لم تعد غناويات الحردلو عذراء؛ لقد وجد كل نص منها الصوت الذي كان ينتظره، وعاد الشاعر من الكتب إلى الناس..



