مقالات وآراء

الكوميديا السودانية: مسار عكسي من القمة إلى القاع في عهد وسائل التواصل الاجتماعي

شهد الفن السوداني عبر تاريخه الحديث محطات فارقة تشكّلت فيها هوية الوجدان الجمعي، وكانت الكوميديا -بجانب الموسيقى- الحصن الأخير الذي يلجأ إليه السودانيون لتفكيك أزماتهم والترويح عن نفوسهم. غير أن المراقب للمشهد الكوميدي في السودان يلاحظ تحولاً دراماتيكياً في بنيته ووظيفته؛ مساراً عكسياً يبدأ من قمة نضجت فيها الفنون الكوميدية مسرحياً وإذاعياً وتلفزيونياً، وصولاً إلى واقع يصفه النقاد بـ “القاع”، حيث أدى الهبوط في المحتوى وتسييد السطحية -المعزَّز بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي- إلى تفريغ الكوميديا من مضمونها الفني والاجتماعي العميق.
العصر الذهبي: قمة النص والرمزية والعمق
تجلت قمة الكوميديا السودانية خلال الثمانينيات والتسعينيات وحتى مطلع الألفية، وهي الفترة التي ارتبطت بأسماء قامات مسرحية وفنية استطاعت أن تحول الضحك إلى أداة للنقد الاجتماعي والسياسي الواعي. شهدت تلك المرحلة صعود قمم مسرحية استثنائية كالفاضل سعيد، ومكي سنادة، ومحمد نعيم سعد، وجمال حسن سعيد، وفرقة “الأصدقاء المسرحية”، وصولاً إلى التجارب التلفزيونية الناجحة لفرقة “فضيل” (عبد الله عبد السلام). وبالمناسبة اين الاستاذ جمال حسن سعيد ؟ الساحة تفتقد ابداعه.
اعتمدت الكوميديا في تلك الفترة على أمثلة ونماذج فنية تجسد جوهر النجاح:
• النص المكتوب بعناية والرمزية: يتجلى ذلك في مسرحيات الفاضل سعيد الخالدة مثل “أكل عيش” و*”الفي رأسو ريشة”*، حيث كان النص يخضع للمراجعة ويكتبه مؤلفون يمتلكون حساسية عالية، مما جعل الرمزية والنقد الاجتماعي مصدر القوة الرئيسي.
• البناء الدرامي للشخصيات والتأهيل: ظهر التجسيد البارع للشخصيات المركبة مثل شخصية “الحاج متذكر” أو “كابور”، وشخصيات “بت قضيم” و*”تيراب”*، حيث لم تكن الشخصية مجرد أداة لإلقاء النكات، بل نموذجاً اجتماعياً يؤديه ممثل صُقلت مواهبه على خشبة المسرح.
• المنصات والمعايير الناظمة: اعتمد الفن حينها على المسرح القومي والتلفزيون وإذاعة أم درمان، وكانت اللجان الفنية والنقد الجماهيري الواعي في الصحف هي المعيار الناظم الذي يضع خطاً فاصلاً بين الإبداع والإسفاف.
تحول المنصات: من المسرح إلى الشاشة الزرقاء
مع تراجع الوسائط التقليدية وتمدد شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، يوتيوب، ولاحقاً تيك توك)، تغيرت المعادلة كلياً. لم يعد إنتاج العمل الكوميدي يتطلب نصاً مسرحياً مراجَعاً، ولا مخرجاً يمتلك رؤية بصريّة. تحولت أدوات الإنتاج إلى هاتف ذكي واتصال بالإنترنت، مما يسر الدخول للجميع وفتح الباب لظاهرة صناعة المحتوى الفردية التجريبية، والتي برز فيها نجوم الجيل الجديد مثل “جلواك”، و”غاضبون بصلعة”، و”أبو فلة السوداني”، و”زول سغيل”، وغيرهم من صناع المقاطع القصيرة (Skits).
مظاهر الهبوط: أسباب الانحدار نحو القاع
أدى الاندفاع نحو وسائل التواصل الاجتماعي إلى جملة من التحولات التكافئية السلبية التي ساهمت في تراجع جودة الكوميديا مقارنة بالماضي:
• مطاردة “الترند” ولعنة الخوارزميات: بدلاً من العمق والرمزية، أصبحت السرعة ومواكبة “الترند” والصدمة هي المحرك؛ فباتت مقاطع “السكيتشات” السريعة تُصنع لمجرد حصد “اللايكات”، معتمدة على مواضيع عابرة تفتقر للقيمة الفنية.
• السقوط في فخ النمطية والابتذال: تحول الضحك من نتاج الموقف والذكاء إلى ضحك قائم على التنمر الصريح والمبالغة والصراخ، وتكرار صور نمطية مستهلكة (مثل تقليد لهجات أقاليم معينة، أو السخرية من شكل ومظهر شخصيات محددة كما يظهر في كثير من مقاطع تيك توك وتحديات البث المباشر). هذا غير المحتوى المتخم بالاشارات الجنسية الرخيصة.
• غياب النص وتسييد الارتجال العشوائي: تخلت معظم العروض الرقمية القصيرة عن وجود سيناريو متماسك، واعتمدت على صناعة محتوى فردي قائم على الانفعال اللحظي والمبالغة الحركية والصوتية.
• تحول المعايير والرقابة: غاب دور اللجان الفنية والنقد المرجعي، وصار المعيار الناظم الجديد للنجاح هو عدد المشاهدات (Views)، والتفاعلات، وخوارزميات المنصات.
أثر الحرب والأزمات المتلاحقة
لا يمكن فصل واقع الكوميديا السودانية عن الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي مر بها السودان. مع تصاعد الأزمات وانفجار الصراعات المسلحة، وجد المواطن السوداني نفسه محاصراً بضغوط نفسية غير مسبوقة.
في مثل هذه الظروف، يُفترض بالكوميديا أن تلعب دوراً شفافاً ينقد الواقع بمرارة واعية (الكوميديا السوداء). لكن ما حدث على المنصات الرقمية كان عكس ذلك في كثير من الأحيان؛ حيث ظهرت مقاطع تتناول مآسي النزوح ولجوء المواطنين أو انقطاع الخدمات بأسلوب “كوميديا الفيديوهات السريعة” الذي يفتقر للحساسية الإنسانية، مما أثار استياءً واسعاً وعمّق الشعور بهبوط مستوى الطرح الكوميدي.
هل من سبيل للاستعادة؟
إن قراءة هذا المسار العكسي لا تعني نفي وجود محاولات جادة وشابة تستغل المنصات الحديثة لتقديم كوميديا سودانية راقية تعبّر عن روح العصر بذكاء، إلا أنها تظل استثناءات تحارب موجة جارفة من المحتوى الرديء وفى كثير من الاحيان غير الاخلاقى.
ولتصحيح هذا المسار واستعادة الكوميديا السودانية لمكانتها، تتلخص المتطلبات في:
إعادة الاعتبار للكتابة والسيناريو: تشجيع كتابة النصوص الكوميدية وتجنب الارتجال العشوائي.
رفع الوعي لدى صناع المحتوى: تنظيم ورش عمل لصناع المحتوى الرقمي لتعريفهم بأخلاقيات الفن وأساسيات البناء الدرامي بعيداً عن التنمر.
دعم المبادرات الجادة: توجيه الدعم والرعاية الإعلانية للأعمال التي تحترم عقل المشاهد وتطرح قضاياه بوعي.
تفعيل دور النقد الفني الرقمي: خلق مساحات نقدية على المنصات تقيم الأعمال وتوجه الجمهور نحو المحتوى الجيد.
إن الكوميديا ليست مجرد وسيلة لقتل الوقت أو إثارة القهقهات العابرة، بل هي مرآة تعكس نضج المجتمع أو تراجع ذائقته. وإذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد ساهمت في انحدار الكوميديا السودانية نحو القاع، فإن الأدوات ذاتها -إذا ما أُحسن استخدامها بوعي وفكر- قادرة على أن تكون جسراً للعودة إلى القمة مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..