مقالات وآراء

تأملات في «العقلانية»

طلعت محمد الطيب

إذا استلقيت على سريرك في فضاء مفتوح، و«تلفحت السماء» كما يقول جبران خليل جبران، ثم نظرت إلى النجوم، فقد يحدث أن تنظر إلى نجم توجد في جسدك بعض ذراته!
قد يبدو الأمر غريبًا، لكنه تعبير جميل عن حقيقة علمية مدهشة: الضوء الذي يصل إلينا من بعض النجوم يكون قد قطع مسافات هائلة عبر الزمن، ولذلك فإننا عندما ننظر إلى السماء فإننا لا نرى النجوم كما هي الآن، وإنما نرى صورة من ماضيها السحيق.
وقد يكون النجم الذي يصلنا ضوؤه اليوم قد انفجر منذ ملايين السنين، وتناثرت في الفضاء العناصر الثقيلة التي تكونت داخله، مثل الكربون والكالسيوم والصوديوم والحديد وغيرها. ثم دخلت هذه العناصر، عبر أجيال طويلة من النجوم والغازات الكونية، في تكوين الكواكب والكائنات الحية، بما فيها أجسادنا.
وهنا تنشأ مفارقة فلسفية مثيرة: كيف نوفق بين هذه الصورة التي ترسمها لنا علوم الكون وتطور المادة، وبين بعض روايات الخلق في السرديات الدينية الإبراهيمية؟
لكن هذه المفارقة ليست موضوعنا هنا، كما أنها لا تصلح وحدها دليلًا على الإيمان أو الإلحاد. فالقضايا الوجودية الكبرى، مثل: لماذا يوجد الكون؟ وكيف بدأ؟ وهل له غاية؟ وهل توجد قوة خالقة؟ هي أسئلة شغلت الإنسان منذ آلاف السنين، ومن غير السهل إصدار أحكام نهائية بشأنها.
السؤال الذي يهمنا هنا أكثر تواضعًا: هل يدل الإلحاد على الذكاء؟ وهل يدل الإيمان على الحكمة؟ أم أن العلاقة بين الأمرين أكثر تعقيدًا؟
هل التعليم يقود بالضرورة إلى الإلحاد؟
تظهر في بعض الدراسات والاستطلاعات الغربية علاقة بين ارتفاع مستوى التعليم وانخفاض مستوى التدين. وتزداد هذه العلاقة وضوحًا في بعض الأوساط العلمية والأكاديمية، حيث ترتفع نسبة غير المتدينين مقارنة بعامة السكان.

وقد يستخدم البعض هذه الأرقام للوصول إلى نتيجة بسيطة: كلما زاد التعليم والذكاء، زاد الإلحاد.

لكن هذه النتيجة متسرعة.

فالتاريخ نفسه يقدم لنا أمثلة كثيرة لعلماء كبار جمعوا بين الإنجاز العلمي والإيمان الديني. يكفي أن نتذكر إسحاق نيوتن، الذي كان مؤمنًا، إلى جانب عدد كبير من العلماء الذين لم يروا تعارضًا ضروريًا بين العلم والإيمان.

إذن، لا يمكن اختزال المسألة في معادلة تقول:

ذكاء = إلحاد
أو
إيمان = قلة ذكاء.

الأقرب إلى الحقيقة أن الإنسان يستخدم أنماطًا متعددة من المعرفة والتفكير، وأن العلاقة بينها أكثر تعقيدًا من هذه الثنائية.

المعرفة العقلانية والمعرفة الحدسية

ربما يساعدنا هنا التمييز بين نوعين من المعرفة.

هناك المعرفة التحليلية والنقدية التي تحتاج إلى التعلم والتدريب والتعليم، وتقوم على الأدلة والمقارنة والاستنتاج ومراجعة الافتراضات.

وهناك نوع آخر يمكن أن نسميه المعرفة الحدسية أو الفطرية (Intuition). وهي ليست «معرفة» بالمعنى العلمي الدقيق دائمًا، وإنما مجموعة من الاستعدادات والآليات الذهنية السريعة التي تطورت عبر التاريخ البيولوجي للإنسان وساعدته على البقاء.

فالإنسان القديم لم يكن يستطيع أن يتوقف طويلًا أمام كل إشارة في البيئة ليسأل: ما احتمال أن يكون هذا الصوت صادرًا عن حيوان مفترس؟

إذا سمع صوتًا في الحشائش، كان من الأفضل له أن يفترض وجود خطر وأن يستعد للهروب، حتى لو اتضح بعد ذلك أن الصوت لم يكن إلا بسبب الريح.

فالخطأ في اتجاه الحذر كان، في كثير من الأحيان، أقل تكلفة من الخطأ في تجاهل الخطر.

ومن هنا يمكن أن نفهم بعض الخصائص العميقة في طريقة عمل العقل البشري: الميل إلى اكتشاف الأنماط، والبحث عن الأسباب، وربط الأحداث ببعضها، وأحيانًا رؤية القصد والغاية حيث لا توجد بالضرورة غاية أو قصد.

من أين جاء التفكير الغائي؟

الإنسان يميل بصورة تلقائية إلى السؤال: ما الغرض من هذا الشيء؟

فقد ينظر إلى الجبل فيتساءل: لماذا وُجد؟
وقد يرى المطر فيسأل: ما الغاية منه؟
وقد يلاحظ انتظام الكون فيستنتج بصورة تلقائية أن وراءه قصدًا أو تصميمًا.

يسمى هذا الميل في علم النفس المعرفي التفكير الغائي (Teleological Thinking).

وقد يكون لهذا الميل جذور تطورية عميقة، لأنه يساعد العقل على فهم العالم بسرعة وبناء نماذج بسيطة تساعده على التعامل معه.

كما أن الميل إلى تصور وجود «فاعل» وراء الأحداث قد يكون جزءًا من البنية نفسها. فعندما تتحرك الأشياء بصورة مفاجئة، يكون السؤال التلقائي: من الذي حرّكها؟

وهذه الآليات الذهنية يمكن أن تساعدنا على فهم لماذا يبدو الإيمان بوجود قوة أو خالق أمرًا بديهيًا ومقنعًا لكثير من البشر، حتى قبل الدخول في أي نقاش فلسفي أو ديني.

وينطبق شيء مشابه على الميل إلى الفصل بين الجسد والعقل أو الروح، وهو ما ارتبط تاريخيًا بفكرة الثنائية (Dualism).

العقل النقدي والسقالات

المشكلة إذن ليست في وجود هذه الآليات الفطرية في العقل، فهي جزء من طبيعتنا البشرية، ولا يمكن التخلص منها ببساطة.

السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما نضع العقل النقدي فوق هذه الاستعدادات الفطرية؟

التعليم والتدريب العلمي لا يمحوان الحدس، لكنهما يمكن أن يقدما للعقل ما يشبه «السقالات» التي تساعده على مراجعة أحكامه التلقائية.
فالعالم لا يستطيع أن يكتفي بما يبدو بديهيًا. عليه أن يسأل:
هل يوجد دليل؟
هل هناك تفسير آخر؟
هل يمكن اختبار الفكرة؟
هل أنا أرى نمطًا حقيقيًا أم أن عقلي هو الذي صنع النمط؟
وهنا تظهر قيمة العقلانية.
العقلانية ليست بالضرورة الإيمان أو الإلحاد، وإنما هي الاستعداد لمراجعة ما نعتقده في ضوء الأدلة، والتمييز بين ما نعرفه وما نعتقده، والاعتراف بحدود معرفتنا.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا قد يرتبط ارتفاع التعليم أحيانًا بزيادة الشك في بعض المعتقدات الدينية. فالتعليم العالي يدرّب الإنسان على التفكير النقدي، وعلى التعامل مع الاحتمالات والفرضيات والأدلة، وقد يجعله أقل استعدادًا لقبول بعض الأفكار لمجرد أنها موروثة أو تبدو بديهية.
لكن هذا لا يعني أن التعليم يقود بالضرورة إلى الإلحاد.
فقد يقود العقل النقدي شخصًا إلى الإلحاد، وقد يقود شخصًا آخر إلى إعادة تفسير دينه تفسيرًا أكثر عقلانية، وقد يقوده ثالث إلى موقف لا أدري يقول ببساطة: لا أعرف.
وهذا الموقف الأخير قد يكون، في بعض الحالات، أكثر عقلانية من الادعاء بامتلاك إجابة نهائية عن سؤال لا نملك أدوات كافية لحسمه.
العقلانية ليست دينًا جديدًا
لذلك ربما يكون من الخطأ تحويل الإلحاد إلى علامة على التفوق العقلي، كما أنه من الخطأ اعتبار الإيمان علامة على نقص الذكاء.
فالذكاء شيء، والعقلانية شيء آخر، والتدين شيء ثالث.
قد يكون الإنسان شديد الذكاء لكنه غير عقلاني في بعض معتقداته، وقد يكون متدينًا وعقلانيًا في تعامله مع الأدلة، وقد يكون ملحدًا لكنه يقع في التفكير الأيديولوجي نفسه الذي ينتقده عند المتدينين.
المعيار الحقيقي للعقلانية ليس ما الذي تؤمن به؟ وإنما كيف وصلت إلى ما تؤمن به؟ وهل أنت مستعد لمراجعة اعتقادك عندما تظهر أدلة أقوى؟
وربما تكمن الحكمة في أن ندرك أن العقل البشري نفسه نتاج تطور طويل، وأن فيه طبقات عميقة من الحدس والخوف والبحث عن الأنماط والغاية، فوقها طبقات أحدث من التفكير النقدي والتحليل المجرد.
ولهذا فإن الحداثة لا تعني أن نتخلص من الإنسان الفطري الموجود في داخلنا، وإنما أن نتعلم كيف نجعل العقل النقدي قادرًا على الحوار مع الحدس، لا الخضوع له ولا إلغائه.
وفي النهاية، ربما يكون أكثر المواقف عقلانية أمام الأسئلة الوجودية الكبرى هو أن نحتفظ بقدرتنا على الدهشة.
فحين ننظر إلى السماء ليلًا، قد نرى مجرد نجوم، وقد نرى تاريخ الكون، وقد نرى في تلك النجوم معنى روحيًا عميقًا.
لكن الأهم أن ندرك أن قدرتنا على طرح السؤال أوسع بكثير من قدرتنا الحالية على امتلاك الإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..