مقالات وآراء

السودان دولة رغم الأزمة يا رشان

احمد بطران عبد القادر

العلاقات الدولية هي مجموعة من القيم والصلات والتفاعلات التي تنظم العلاقات البينية بين الدولة القومية وبقية الدول والمنظومات الدولية والإقليمية، وتحكمها أعراف وتقاليد ومبادئ، وتقوم على أسس وأهداف معلومة. وتأتي في مقدمتها المحافظة على مبدأ السيادة الوطنية والمصالح المشتركة والتعاون في الحماية ومكافحة الكوارث الطبيعية والإرهاب والمهددات الوجودية في كافة مجالات الحياة أمنياً واقتصادياً وسياسياً، وفق منظومة القانون الدولي والإنساني لحفظ التوازن وإدارة الصراع وفق تدابير الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية والإقليمية التي تنتمي إليها الدولة القومية والمرجعيات المؤسية.
الصحفية رشان أوشي طرحت سؤالاً يبدو مشروعاً: لماذا نترك إسرائيل للمليشيات؟ ينطلق من قاعدة صحيحة في العلاقات الدولية وهي أن السياسة لا تعرف الفراغ. لكن هنالك سؤالاً تجاهلته عمداً أو لم يخطر ببالها: وهل عاصمة اللاءات أصلاً تعترف بدولة إسرائيل؟ وهل شعب السودان يقبل بالتعامل مع الكيان الصهيوني؟
غير أن هناك منهجاً كارثياً عندما ننتقل قبل التشخيص الجيد إلى العلاج، عندما نفترض أن ملء الفراغ بأي ثمن هو الخيار البراغماتي. والإجابة العلمية: لا. لأن الأولوية هي التعافي من الأزمة وإعادة بناء الدولة أولاً.

السباق مع المليشيات

قوات الدعم السريع مليشيا أنشئت بقرار من نظام انقلابي شمولي فاسد مستبد، مؤسساته غير شرعية، وكل ما يصدر عنها من أحكام أو تشريعات لا يعتد به. وهي في واقع اليوم قوات متمردة خارجة على القانون الدولي والمحلي، وقد ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أنها تشكل خطورة قصوى على الأمن والسلم الدوليين، ولن تفتح لها أي دولة محترمة قنوات تواصل، وإنما تستغلها بعض الدول غير المحترمة لتنفيذ أجندات تخصها، مثلما يستخدم بعض الأشقياء اللصوص وقطاع الطرق لتنفيذ جرائمهم.

ولئن استطاعت المليشيات أن تفتح قناة مع جهة ما، خصوصاً دولة الكيان الصهيوني، فإن هذا لا يعني بالطبع أن تنحو الدولة منحاها أو أن تسير على خطاها. فالدولة تُقاس بمعايير السيادة والقانون والمصلحة الاستراتيجية المبنية على القيم والمبادئ والقانون، لا بردود الفعل.

الدولة يجب أن تفعل.
كما يقول ماكس فيبر: السياسة هي فن الممكن لكن بشرط التزام أخلاقي. فإذا قبلنا بمنطق هم فعلوا فلنفعل، هنا ننحر الشرعية ونساوي أنفسنا بالمليشيات التي تحركها معايير القدرة على البقاء، لا معايير سلامة الوطن وإعادة بنائه.

وهم الفصل بين التقني والسياسي

تطرح الأستاذة سؤالاً آخر: لماذا نرفض تكنولوجيا إسرائيلية في الزراعة والمياه؟ وهل تفضلت علينا إسرائيل بذلك؟ وهل هي المالك الأوحد للتكنولوجيا؟
ألا تعلم الأستاذة أنه لا وجود لتعاون تقني محايد مع دولة الاحتلال، وأن أي تعاون معها يتحول إلى شرعنة سياسية ويمنح الاحتلال اعترافاً دولياً؟ غير أن التجربة الدولية تؤكد ذلك:

1. *مصر 1979*: حصلت على سيناء لكنها دفعت عشرة سنوات عزلة عربية، ولم تحصل على تكنولوجيا زراعية من إسرائيل، وإنما جاءتها التكنولوجيا من أوروبا واليابان.
2. *الأردن 1994*: حصل على المياه لكنه أضحى عاجزاً عن وقف الاستيطان، وتحولت العلاقات مع الكيان الصهيوني إلى سلام بارد لأن الشارع رافض لهذه العلاقة.
3. *الإمارات 2020*: بعد أربعة سنوات من التبادل التجاري ظل في حدود ثلاثة مليارات دولار فقط مقابل مائتي مليار مع الصين، ولا تكنولوجيا عسكرية متقدمة.
4. *السودان 2020*: قرار التطبيع المجمد الذي لم تتخذه أي سلطة تنفيذية ولم تجزه أي مؤسسة تشريعية ولم يقبله الشارع، لم يأتِ برفع عقوبات ولا استثمار، بل فجر أزمة شرعية داخلية.

التقارب مع دولة الكيان يمنحها الاعتراف ويساعدها في اختراق الأمن القومي العربي، ويمكنها من الوصول إلى أماكن ومواقع لم تكن تحلم بها. أما بالنسبة لنا فالمكاسب المادية محدودة، والخسائر السياسية استراتيجية قاتلة.

السودان لا يحتاج إسرائيل

تحدثت الأستاذة عن مشروع الجزيرة بنظام BOT، لكن هل هنالك مستثمر عاقل، أن كان إسرائيلياً أو غيره، يمكن أن يضخ تمويلاً مالياً بالعملة الحرة في دولة مشتعلة ما زالت تتعثر خطاها نحو السلام؟

البراغماتية الحقيقية هي أن وقف الحرب يصبح شرطاً موضوعياً لأي مشروع تنمية مستهدف. وبعد ذلك تأتي التكنولوجيا الزراعية وهي متوفرة في كثير من بلدان العالم التي نتمتع بعلاقات طبيعية معها مثل البرازيل وهولندا وتركيا، والتمويل متوفر بالشراكات الذكية مع الصين ودول الخليج وغيرها، والأمن يتوفر بالعلاقات الجيدة مع جوارنا الإفريقي والعربي.
لماذا نحصر خياراتنا في دولة احتلال ونزاع إقليمي مستمر، بينما يمكننا تنويع الشركاء وتجنب الابتزاز؟

الخاصرة الرخوة

ترى رشان أن موقع السودان الجغرافي وساحله الممتد على البحر الأحمر ورقة قوة، وهو كذلك. فهل نملك الأعداء ثغرات في مصادر قوتنا؟ ألا تعلم الأستاذة أن البحر الأحمر في استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي يمثل خاصرة رخوة؟ وأن أي وجود استخباري أو اقتصادي إسرائيلي في بورتسودان أو سواكن يعني إقامة قواعد استخباراتية سرية وعلنية؟ وأنه يدخل السودان في محور صراع إقليمي ودولي لا ناقة لنا فيه، ونصبح أهدافاً سهلة لخصوم إسرائيل؟

إضافة إلى ذلك كله، أن إسرائيل بحسب تسريبات أفريكا إنتلجنس تبحث عن وكلاء محليين لا عن دولة ذات سيادة. ومن منطق الأشياء أن الدول القوية تستطيع أن تفرض شروطها بكل سهولة، وأن الدول الضعيفة دائماً ما تُفرض عليها الشروط التي تنقص من سيادتها وتحد من قدرتها على اتخاذ مواقف لصالح أمنها القومي مغايرة لسياستهم.

المصلحة الوطنية
لئن كان الدافع الحقي في طرح السؤال لماذا نغلق الباب؟ وطنياً، فإن السؤال العلمي هو: هل هذا القرار سيجعل السودان أقوى بعد عشرة سنوات مثلاً؟ وهل سيوحدنا أم سيفرقنا؟ وهل سيحفظ السيادة أم سيرهنها لإرادة دولة الاحتلال؟

من التجارب الماثلة أمامنا أن الدول التي طبعت من موضع ضعف خسرت السيادة ولم تجن المال ولم تحدث فيها أي طفرة اقتصادية، وتواجه تعقيدات أمنية وسياسية منكرة.

السودان اليوم دولة جريحة كسيحة، عليه أن يتعافى أولاً من جراحه وينتصب واقفاً لإعادة البناء والإعمار، ثم تختار قيادته المدنية شركاءها بإرادتها لا بمنطق إملاء الفراغ.
فقصة ترك إسرائيل للمليشيات هو تمييز حاسم بين منطق الدولة ومنهجها في إدارة الصراع برؤية استراتيجية مدروسة، وبين منطق العصابة التي تبحث عن وكيل أجنبي يغذيها بالخطط والبرامج ويقويها بالسلاح. ورغم ذلك فإن كيدها ضعيف أمام الواقع، والتاريخ يشهد وأقلامه توثق، ولن يرحم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..