
● يفكرون في استعادة التماسيح النادرة للوطن، ولا يفكرون في استعادة السودان الذي انتهى… وحق الشعوب في أن تختار مستقبلها.
لم يعد من المجدي أن نتحدث عن السودان كما لو أنه دولة متماسكة تنتظر فقط عودة الاستقرار لكي تستعيد وحدتها القديمة. فالسودان الذي عرفناه لم يكن، في كثير من جوانبه، دولة متساوية بين مواطنيها، وإنما كان مشروعًا سياسيًا متمركزًا حول العاصمة، أعاد إنتاج السلطة والثروة والنفوذ داخل دائرة ضيقة، ثم طالب بقية البلاد بأن تعتبر ذلك «وحدة وطنية».
اليوم، وبعد عقود من الحروب والانقلابات والتهميش وانهيار الثقة، لم يعد السؤال الحقيقي هو: كيف نحافظ على السودان موحدًا؟، بل السؤال الأكثر صدقًا هو: أي سودان نتحدث عنه أصلًا، ومن الذي يملك حق تحديد مستقبله؟.
وعندما نري تلك النخبة المركزية وهي تتداول أمر الحوار السوداني- السوداني فمن الواجب ان نقول وبحدة إن النخبة المركزية لا تملك السودان، ولم يكن هناك فرمان إلهي منحها الحق في ذلك.
المشكلة الأساسية أن جزءًا من النخبة السياسية في المركز ما زال يتعامل مع السودان باعتباره ملكية سياسية حصرية، وكأن حق تقرير شكل الدولة ومستقبلها لا يملكه إلا من يجلس في الخرطوم أو من ينتمي إلى شبكات السلطة التقليدية وبيوتات أم درمان وبقايا نطف الإتراك والأرنؤوط.
تتحاور هذه النخب فيما بينها حول دستور جديد، وترتيبات جديدة، وتقاسم جديد للسلطة، وربما نسخة ثانية من دولة ما بعد الاستعمار، ثم تتوقع من أقاليم السودان أن تنتظر النتيجة وتقبل بها. ولعجبي من ذلك التوقع الشؤوك، وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إذا كان من حق المركز أن يتحاور حول مستقبل الدولة، فلماذا يُمنع أهل الأقاليم من الحوار حول مستقبلهم؟، وإقامة وتأسيس مستقبلهم ودولتهم.
إذا كانت النخب المركزية تريد إعادة تأسيس الدولة، فمن حق دارفور أن تناقش مستقبل دارفور، ومن حق شرق السودان أن يناقش مستقبله، ومن حق النيل الأزرق أن يحدد ما يراه مناسبًا لأهله، ومن حق جبال النوبة أن تجلس مع نفسها أولًا، بعيدًا عن وصاية المركز، لتقرر أي مستقبل تريده وشكل الدولة التي تريدها.
ممارسة تقرير مصير جبال النوبة وإقامة دولة جبال النوبة ليس كفرا، هذه ليست دعوة إلى الفوضى، وإنما اعتراف بحقيقة بسيطة: لا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية الدولة القديمة.
وجبال النوبة ليست هامشًا ينتظر الإذن من النخب المركزية. ولجبال النوبة خصوصية أكبر في هذا النقاش.
لقد دفعت جبال النوبة ثمنًا باهظًا من الحروب والتهميش والصراع على الدولة السودانية. ولذلك فإن مطالبة أهل جبال النوبة بحقهم في تقرير مصيرهم ليست نزوة سياسية عابرة، ولا ورقة تفاوضية يجوز للمركز أن يمنحها أو يسحبها متى شاء.
إن حق تقرير المصير يجب أن يكون خيارًا حقيقيًا ومطروحًا أمام شعب جبال النوبة، بما في ذلك حقه في اختيار بناء دولة جديدة ومستقلة إذا قرر شعب الإقليم، عبر عملية سياسية وديمقراطية حرة، أن مستقبل شعب جبال النوبة -بكل الأقاليم والولايات- لا يمكن أن يكون داخل الدولة السودانية بصورتها الحالية.
وينبغي أن يُفهم هذا الحق باعتباره إعلانًا مسبقًا عن الانفصال، وإعتباره اعترافًا بأن أصحاب الأرض هم الذين يجب أن يقرروا مستقبل أرضهم. فالوحدة، إذا كانت خيارًا، يجب أن تكون وحدة يختارها الناس بحرية. أما الوحدة التي لا يُسمح بمناقشة بدائلها، فهي ليست وحدة سياسية قائمة على الرضا، وإنما استمرار لترتيبات تاريخية ترفض النخب المركزية مساءلتها.
الحقيقة التي يجب ان يعلمها نخب الجلابة المندكورات العنصريين من الشمال والوسط النيلي إنه لا يمكن إنقاذ الدولة بإنكار أزمتها. ومؤكد إن هناك من سيقول إن طرح تقرير المصير لجبال النوبة يهدد السودان. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه عليهم هو: هل الذي هدد السودان هو الحديث عن تقرير المصير لجبال النوبة ، أم عقود من سوء إدارة التنوع والحروب والتهميش واحتكار المركز للقرار؟
الدول لا تتفكك لأن شعوبها تحدثت عن حقوقها، وإنما تتفكك عندما تفشل الدولة في إقناع مواطنيها بأنهم شركاء متساوون فيها، وهذا هو الميزان الذي يري أبناء جبال النوبة كفته تميل نحو مجتمعات وإثبات بعينها.
لقد أثبت الواقع أن إبقاء الأقاليم داخل دولة واحدة بالقوة لم ينتج وحدة حقيقية. أنتج حروبًا، وجيوشًا متعددة، ونزوحًا، وانهيارًا اقتصاديًا، وذاكرة مليئة بالمظالم.
ولذلك فإن الحل ليس في مطالبة الناس بالصمت عن المطالبة بحق تقرير المصير لجبال النوبة خوفًا على «الوحدة»، وإنما في منحهم حق الاختيار. قد تختار جبال النوبة دولة مستقلة. وقد تختار اتحادًا أو كونفدرالية. وقد تختار البقاء في السودان ضمن دولة اتحادية جديدة بضمانات حقيقية. المهم أن يكون القرار قرار أهل جبال النوبة، لا قرار النخب التي تتحدث باسمهم من المركز.
إن كانت النخب التي تدير حوار إعادة تاسيس دولة الجلابة تىيد خيرا للسودان والسودانيين عليها أن تفكر في حوار ينقل التفكير من «وحدة السودان» إلى «حق الشعوب في الاختيار».
فالسودان القادم، إن كان له أن يولد، لن يولد من إعادة تدوير النخب نفسها والشعارات نفسها، ولن يكفي تغيير الحكومات أو تبديل الوجوه في الخرطوم. المطلوب هو إعادة التفكير في مفهوم الدولة ذاته.
والمطلوب الأن دولة تعترف بأن دارفور ليست مجرد إقليم إداري، وأن شرق السودان ليس مجرد مورد اقتصادي، وأن النيل الأزرق ليس هامشًا جغرافيًا، وأن جبال النوبة ليست منطقة تنتظر قرارات المركز فقط لتنفيذها. هذه الأقاليم والمجتمعات لها تاريخها ومصالحها وذاكرتها السياسية وحقها في صياغة مستقبلها بمعزل عن حوار نخب المركز أو وصايتهم.
ومن حق كل إقليم أن يسأل: ماذا أعطتنا هذه الدولة؟ وماذا أخذت منا؟ وهل يمكن إعادة بناء عقد سياسي جديد على أساس العدالة والشراكة؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فما البدائل؟.
بالنسبة لجبال النوبة ان البديل هو ممارسة حق تقرير المصير وإقامة دولة جبال النوبة، فما لا يدركة نخب الحوار السوداني السوداني لدولة الجلابة المندكورات القائمة الان بالخرطوم إن السودان يحتاج إلى شجاعة سياسية لا إلى شعارات وكلمات ونشيد العلم. ربما يكون أكثر ما تحتاجه اإليه هذة النخب السودانية المركزية اليوم هو الشجاعة للاعتراف بأن السودان القديم وصل إلى طريق مسدود.
ولا تعني هذه الشجاعة الدعوة إلى تفكيك البلاد غدًا، كما تسعي هذة النخب بالتحايل بمصطلحات تهيئة بيئة الحوار، وإنما تعني فتح كل الخيارات على الطاولة، دون تخوين أو تهديد أو قداسة زائفة لمفهوم الوحدة.
أذا كانت هناك إرادة وتخلت هذة النخب المركزية عن روحها الانتهازية يمكن أن يكون المستقبل سودانًا اتحاديًا جديدًا، ويمكن أن يكون اتحادًا بين أقاليم تتمتع بصلاحيات واسعة، ويمكن أن تختار بعض الشعوب طريقًا آخر.
لكن لا يجوز أن يكون الخيار الوحيد المفروض على الجميع هو استمرار الدولة المركزية نفسها، ثم تسمية ذلك «حفاظًا على الوحدة».
يقيني أن كان الحوار السوداني السوداني مطلوب بالضرورة، فإن السودان لا يحتاج إلى وحدة شكلية تجمع جغرافيًا جزرًا سياسية واجتماعية متباعدة. ما يحتاجه هو عقد سياسي جديد، يختار فيه الناس شكل الدولة التي يريدون العيش فيها.
وفي هذا العقد الجديد، يجب أن يكون حق جبال النوبة في تقرير مصيرها حقًا أصيلًا وغير قابل للمصادرة، بما في ذلك حقها في اختيار بناء دولة جديدة إذا اختار شعبها ذلك عبر إرادة حرة وسلمية وديمقراطية، فالخوف من تقرير المصير لا يصنع الوحدة، والإنكار لا يصنع الدولة.
أما الاعتراف بحق الشعوب في الاختيار، فهو وحده الذي يمكن أن يضع أساسًا لعلاقة سياسية تقوم على الرضا بدل الإكراه، وعلى الشراكة بدل الهيمنة. لقد آن الأوان لأن تفهم النخب المركزية أن السودان ليس ملكًا لها، وأن مستقبل البلاد لا يُكتب في الخرطوم وحدها. والسودان القادم إما أن يكون دولة يختارها أهلها جميعًا، أو أن يترك لكل شعب حق اختيار الدولة التي يريدها.
وحينها سيختار شعب جبال النوبة إقامة دولة جبال النوبة وهذا ما سيحدث رغم أنف النخب المركزية للجلابة المندكورات ومن علي شائعتهم.
تحياتي



