
الإنتقال من تشريح الأزمة إلى إعادة التأسيس
ظل الخطاب السياسي السوداني لسنوات طويلة منشغلًا بتشخيص الأزمات أكثر من انشغاله بإعادة بناء الأسس التي أنتجتها. تتغير الوجوه، وتتبدل التحالفات، وتتعدد المبادرات، بينما تبقى طريقة التفكير السياسي على حالها، فتعود الأزمات في صور جديدة وكأن البلاد تدور داخل الحلقة ذاتها.
الحرب الحالية كشفت عمق هذا الخلل، وأكدت أن الأزمة السودانية ليست مجرد خلاف بين قوى سياسية أو صراع على السلطة، وإنما هي نتيجة تراكمات فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية لم تجد المعالجة الجذرية.
لذلك فإن الخروج من الأزمة لا يمكن أن يقوم على إعادة إنتاج الصيغ القديمة، ولا على تسوية مؤقتة تعيد ترتيب مواقع القوى المتصارعة، ثم تترك الأسباب التي قادت إلى الانهيار كما هي. المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة تأسيس الحياة السياسية السودانية.
وتبدأ إعادة التأسيس بمراجعة مفهوم السياسة. فالسياسة ليست صراعًا دائمًا على المواقع، ولا وسيلة لتوزيع النفوذ بين النخب، وإنما وسيلة لتنظيم الاختلاف وإدارة التنوع وتحقيق المصالح العامة وبناء المستقبل.
كما أن السودان يحتاج إلى تجاوز النظرة التي جعلت التنوع مصدرًا للصراع. تعدد الثقافات والأقاليم والمكونات الاجتماعية ليس خللًا في البناء السوداني، وإنما واقع تاريخي يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة متى وجد الإطار السياسي الذي يستوعبه بعدالة.
ومن هنا تأتي ضرورة إعادة النظر في شكل العلاقة بين المركز والأقاليم، وفي توزيع السلطة والثروة والفرص، وفي أنماط الحكم المحلي، وفي قدرة النظام الفدرالي على توفير صيغة أكثر عدالة لإدارة التعدد السوداني وتعزيز الوحدة.
لكن إعادة التأسيس لا تكتمل بإصلاح المؤسسات وحدها. فهناك حاجة إلى إصلاح الثقافة السياسية والاجتماعية التي جعلت الاختلاف يتحول إلى خصومة، والانتماء إلى أداة إقصاء، والهوية إلى وسيلة للتصنيف والصراع.
كما أن النخب السودانية مطالبة بمراجعة دورها؛ فقد آن الأوان للانتقال من صناعة الاستقطاب إلى صناعة الوعي، ومن استثمار الانقسامات إلى بناء التوافق، ومن التعامل مع المواطنين باعتبارهم قواعد نفوذ إلى النظر إليهم باعتبارهم شركاء في صناعة المستقبل.
إن إعادة التأسيس ليست مشروعًا مؤجلًا إلى ما بعد الحرب، بل هي جزء من معركة الخروج منها. فكل حرب تنتهي في الميدان يمكن أن تعود إذا ظلت البيئة التي أنتجتها قائمة في الفكر والممارسة والعلاقات الاجتماعية.
ولهذا فإن السودان يحتاج إلى مشروع سياسي جديد يقوم على المواطنة، والعدالة، والتنوع، واللامركزية، والمشاركة، وسيادة المؤسسات، واحترام الإنسان، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس المسؤولية لا الهيمنة.
لقد أمضينا وقتًا طويلًا في تشريح الجرح، وتحديد المسؤوليات، وتبادل الاتهامات.
أما المرحلة القادمة فتحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: أن نفكر في السودان الذي نريد، ثم نبحث عن الطريق الذي يقود إليه.
ومن هنا تبدأ إعادة التأسيس.
تحياتي



