من بت قضيم إلى فضيل: حين تعثرت الكوميديا السودانية في مطب النمطية
د. عوض النقر بابكر محمد

عند تتبع مسار الكوميديا السودانية عبر لعقود، يسيطر انطباع أولي بأن الشاشات والوسائط تغيّرت كلياً، من مسرح “الفاضل سعيد” وإذاعة أم درمان وصولاً إلى مقاطع “اليوتيوب” وشاشات التلفزيون الذكية. لكن النفاذ إلى عمق البنية الدرامية للعمل الكوميدي يكشف حقيقة أكثر مرارة: أن الجوهر لم يتغير كثيراً، بل حدث تطور سلبي أدى إلى تراجع المحتوى وتكريس نمطية أفقرت الفن السوداني وحصرته في زاوية ضيقة.
النمطية: من “بت قضيم” إلى “فضيل”
في العصر الذهبي للكوميديا السودانية، أبدع الراحل الفاضل سعيد في ابتكار شخصيات استوعبت الشرائح الاجتماعية المختلفة، وكانت شخصية “بت قضيم” من أبرزها. استندت الشخصية إلى تجسيد المرأة الريفية ذات الطابع الخاص في الحديث والتصرفات. ورغم النجاح الجماهيري الكبير الذي حققته هذه الشخصية في وقتها، إلا أنها أسست لظاهرة “النمطية الفاقعة” التي تعتمد على تضخيم اللكنة، والاعتماد على الشكل الخارجي، واختزال بيئة كاملة في سلوكيات ساخرة للضحك السريع.
وبدلاً من أن تتطور الكوميديا السودانية لاحقاً نحو معالجة القضايا المعقدة والبناء الدرامي المتعدد الأبعاد، ورث الجيل التالي هذه الخلطة وتوسع فيها. تجلى ذلك بوضوح في تجربة الفنان عبد الله عبد السلام عبر شخصية “فضيل”.
على الرغم من الانتشار الجماهيري الواسع لفرقة فضيل وتحولها إلى ظاهرة تلفزيونية ورقمية، إلا أن المحتوى الكوميدي ظل يدور حول نفس الفلك:
تضخيم الشخصية المفهومة ضمناً: الاعتماد على شخصية الرجل القادم من الأقاليم أو الريف بسلوكه الفطري/الساذج في مواجهة المدينة والمدنية.
الاعتماد على الصراخ والانفعال: تحول الحوار المسرحي أو التلفزيوني إلى حالة من الصراخ والمبالغة الحركية لاستدراج الضحك بدلاً من الموقف الدرامي الذكي.
إعادة إنتاج السلوكيات المستهلكة: التكرار المستمر لذات الأحداث والمواقف الاجتماعية بنفس الطريقة والنتائج المتوقعة.
التطور السلبي: كيف انحدر الفن في عصر الوسائط؟
إذا كانت تجارب مثل “بت قضيم” تعتمد على نص مسرحي وأداء تمثيلي صلب يغطي أحياناً على عيوب النمطية، فإن انتقالة هذا الأسلوب إلى عصر وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت تجريفاً حاداً في القيمة الفنية، ويمكن رصد هذا التطور السلبي في النقاط التالية:
تفريغ النص لحساب “الاسكتش” السريع: انتقلت تجربة “فضيل” وصناع المحتوى الجدد (مثل نجوم السكيتشات على تيك توك ويوتيوب) إلى اختزال القضايا المعقدة في مقاطع لا تتعدى ثواني أو دقائق معدودة، حيث غاب السيناريو المتماسك لحساب النكتة المباشرة والارتجال العشوائي.
من النقد الاجتماعي إلى التنمر والسطحية: في الماضي، كانت النمطية تُستخدم أحياناً لتمرير إسقاط سياسي أو نقد اجتماعي مضمر. أما اليوم، فقد أصبحت النمطية هدفاً بحد ذاتها، حيث يتحول الضحك إلى سخرية من اللكنات، أو الهيئات، أو الطبقات الاجتماعية، مما يكرس المفهوم السلبي للكوميديا.
غياب التنوع والتحديث: ظلت الكوميديا السودانية مقيدة بالنمط الواحد؛ حيث يغيب عنها أدب “الكوميديا السوداء” الواعي، أو “كوميديا الموقف الحديثة، أو السخرية السياسية الذكية، لصالح نمط “الرجل الريفي البسيط في الشارع أو التلفزيون” الذي لم يتغير جوهره منذ عقود.
الخروج من فخ “البطولة الفردية والشخصية الواحدة”
إن الأزمة الحقيقية التي تعاني منها الكوميديا السودانية اليوم تكمن في ارتهانها لـ “الشخصية النمطية الواحدة”؛ فكما اختزل الفاضل سعيد جزءاً كبيراً من تجربته في “بت قضيم” اختزل عبد الله عبد السلام تجربته في “فضيل”، وسار على هذا النهج غالبية صناع المحتوى الجدد على المنصات الرقمية.
هذا المسار الثابت حرم الدراما السودانية من التجدد، وأنتج ذائقة جماهيرية تعودت على الضحك السهل القائم على المبالغة الشكليّة والصوتية، دون إعمال العقل أو تقديم رؤية فنية تفكك تحولات المجتمع السوداني المعقدة.وهنا افتقد مسيرة الاستاذ جمال حسن سعيد وهى الوحيدة التى لم تقع فى فخ النمطية وكذلك فرقة الاصدقاء المسرحية ولكنهم توقفوا لعل المانع خيرا .وهل الى العودة من سبيل وان طال الزمن.
إن الانتقال بالكوميديا السودانية من هذا التكرار إلى الفضاء الإبداعي الرحب يتطلب الشجاعة لتجاوز الشخصيات الجاهزة والبدء في الاستثمار في “النص”، وإتاحة المساحة للشباب لصناعة كوميديا موقف تعبر عن السودان بجميع تحولاته دون الحاجة للإمساك باللكنات أو استغلال الصراخ للوصول إلى قلب المشاهد.



