أسئلة الثقافة في زمن التحول (1 ) .. حين اصبحت الثقافة وجبة سريعة… لماذا لم تعد تغيّر أحداً؟

مدخل
يأتي هذا العنوان من حاجة ملحّة إلى مناقشة ظواهر أصبحت اليوم أكثر وضوحاً، وتمس المعنى الحقيقي للمعرفة والثقافة، خصوصاً لدى أجيال تتشكل علاقتها بالعالم من خلال شاشة صغيرة، وقد يكون ما نراه اليوم مجرد بداية لما سيأتي.
لذلك لن تكون هذه المقالات حديثاً عن الثقافة بمعناها التقليدي فقط، وإنما محاولة للاقتراب من الأسئلة التي تتشكل في المسافة بين الإنسان والمعرفة، وبين الكتاب والشاشة، وبين المثقف والمؤثر، وبين ما نعرفه وما نظن أننا نعرفه.
في هذه السلسلة سنسأل: لماذا لم تعد الثقافة تغيّر أحداً؟ من المثقف إلى المؤثر… من خسر ماذا؟ هل مات القارئ أم مات الكتاب؟ ماذا تبقى من الأدب والكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي؟ متى يصبح الجهل وجهة نظر؟ هل ما زال الشعر قادراً على إنقاذ الإنسان؟ ماذا يحدث حين تصبح الذاكرة وطناً بديلاً؟ وماذا تفعل الحرب باللغة والمدن؟
أسئلة مختلفة في ظاهرها، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: ماذا يحدث للإنسان حين تتغير الطريقة التي يعرف بها العالم؟
ربما يكون السؤال الأكثر إزعاجاً في زمننا هذا ليس: لماذا تراجع عدد القراء؟ ولا لماذا أصبحت المكتبات أقل حضوراً؟ وإنما سؤال أكثر جوهرية: ماذا حدث للثقافة حتى لم تعد قادرة على تغيير الإنسان؟
نحن نعيش في زمن لم تكن فيه المعرفة متاحة بهذا الاتساع من قبل.
في زمن ما بعد العولمة، أصبح كتاب كامل قادراً على الوصول إلى هاتف صغير، ومحاضرة لفيلسوف يمكن سماعها في الطريق، وملايين الصفحات أقرب إلينا من أي وقت مضى.
ومع ذلك يبدو الإنسان، في أحيان كثيرة، أكثر تعصباً وأقل استعداداً للاستماع إلى الآخر.
كأن المعرفة أصبحت أكثر وفرة، بينما أصبح أثرها فينا أقل.
ربما لأننا خلطنا بين الوصول إلى الثقافة وامتلاكها.
أن تقرأ كتاباً لا يعني أن الكتاب قرأك، وأن تحفظ فكرة لا يعني أنك تغيرت بها.
الثقافة في معناها العميق ليست مخزناً للمعلومات، وإنما تجربة تعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وبالعالم.
الرواية العظيمة لا تمنحك حياة شخص آخر فقط؛ قد تجعلك تشك في الطريقة التي تنظر بها إلى حياتك.
والفلسفة لا تمنحك دائماً إجابات مريحة؛ أحياناً تبدأ مهمتها الحقيقية حين تسحب منك الإجابة التي كنت مطمئناً إليها.
ربما لهذا كان سقراط يرى أن الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش.
فالمعرفة عنده لم تكن تراكم معلومات، وإنما قدرة على مساءلة الذات.
ونحن، في المقابل، أصبحنا نريد من الثقافة شيئاً أكثر راحة: نريدها أن تؤكد ما نعتقده، لا أن تهدمه.
نقرأ الكاتب الذي يشبهنا، ونشارك الرأي الذي يوافقنا، ونغلق الباب أمام الفكرة التي تزعج يقيننا.
وهكذا تحولت الثقافة أحياناً من نافذة على العالم إلى مرآة نرى فيها أنفسنا فقط.
ثم جاءت الميديا لتغير علاقتنا بالمعرفة من جذورها.
لم تعد المشكلة أن الثقافة قليلة، وإنما أن المعلومات أصبحت أكثر مما يستطيع الإنسان هضمه.
فيسبوك وواتساب وتيك توك وغيرها من المنصات لا تمنحنا المعرفة بالضرورة؛ إنها تمنحنا تدفقاً لا يتوقف من الأخبار والآراء والصور والمقاطع والتعليقات، حتى أصبح الإنسان يستطيع أن يمضي ساعات في استهلاك المعلومات ثم يخرج منها شاعراً بأنه يعرف الكثير، بينما قد لا يكون قد فهم شيئاً فهماً عميقاً.
وهنا يظهر أخطر أشكال الجهل المعاصر: نصف المعرفة التي تمنح صاحبها ثقة المعرفة كاملة.
فالجاهل الصريح قد يعرف أنه لا يعرف، أما صاحب المعلومة المبتورة فيعتقد أنه يعرف.
خبر لم يُتحقق منه، مقطع قصير يختزل قضية معقدة، اقتباس منسوب إلى فيلسوف بلا مصدر، ورأي يتحول بعد تكراره آلاف المرات إلى حقيقة؛ وهكذا تختلط المعرفة بالشائعة، والخبر بالرأي، والتحليل بالتعليق، حتى يصبح الإنسان داخل سوق هائلة من المعلومات المعلبة، لا يعرف دائماً أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الوهم.
لقد أصبحنا نقرأ ملخصاً لكتاب لم نقرأه، بل نناقش أحياناً كتاباً لم نقرأه وهذا ما حدث امام عيني ونشاهد مقطعاً عن فكرة تحتاج إلى سنوات لفهمها، ونختصر رواية كاملة في دقائق، ثم نشعر أننا أنجزنا علاقتنا بها.
انتقلنا من زمن كان الإنسان يبحث فيه عن المعلومة إلى زمن تبحث فيه المعلومة عن الإنسان؛ بل وتطارده إلى حيث ذهب.
أصبح الهاتف مكتبة ومدرسة وصحيفة ومسرحاً في آن واحد، لكنه أصبح أيضاً المكان الذي يمكن أن تجتمع فيه المعرفة والخرافة والخبر الكاذب على الشاشة نفسها، وبالسرعة نفسها.
ولهذا أصبحت الثقافة عند كثيرين شبيهة بالوجبات السريعة: تملأ الوقت ولا تشبع العقل، تثير الشهية ولا تمنح التغذية، وتمنح شعوراً مؤقتاً بالامتلاء بينما يظل الجوع الحقيقي قائماً.
نستهلك مئات المعلومات في اليوم، لكن كم واحدة منها تتحول إلى معرفة؟ وكم معرفة تتحول إلى فهم؟ وكم فهماً يتحول إلى موقف أو سلوك؟
هنا تكبر المسافة بين أن تعرف شيئاً وأن تفهمه، وبين أن تفهمه وأن يتغير شيء فيك بسببه.
وليست المشكلة في التكنولوجيا نفسها.
فالمنصات الرقمية فتحت أبواباً هائلة أمام المعرفة، وجعلت كتباً ومحاضرات وأفكاراً كانت بعيدة متاحة أمام الجميع.
المشكلة تبدأ حين يتحول الاستهلاك إلى بديل عن التفكير، وحين تصبح سرعة الوصول إلى المعلومة دليلاً وهمياً على امتلاكها.
يمكن للهاتف أن يقودك إلى أعظم كتاب، ويمكنه في اللحظة نفسها أن يقودك إلى أكثر الأكاذيب انتشاراً.
الفارق لا تصنعه التقنية وحدها، وإنما يصنعه القارئ الذي يعرف كيف يبحث ويسأل: من قال؟ وكيف عرف؟ وما المصدر؟ وهل هناك ما يؤكد ذلك؟
وهنا تصبح القدرة على التحقق نفسها قيمة ثقافية.
في زمن تتكاثر فيه المعلومات بلا توقف، قد يكون قول (لا أعرف) أكثر ثقافة من امتلاك مئات الإجابات الجاهزة.
فالمثقف اليوم ليس بالضرورة من يعرف أكثر، وإنما من يعرف حدود ما يعرف، ويملك الشجاعة لأن يؤجل حكمه حتى يتأكد، وأن يقول: لا أعرف بعد.
وهذا يقودنا إلى أزمة أخرى: ماذا حدث للمثقف؟
كان المثقف في زمن سابق يملك سلطة تأتي من الكتاب والجامعة والصحيفة والمنبر الثقافي.
أما اليوم فقد ظهرت سلطة أكثر سرعة وانتشاراً: سلطة المؤثر.
لم يعد عدد الكتب التي قرأها الإنسان هو ما يمنحه الحضور، وإنما عدد الأشخاص الذين يتابعونه.
تغير معيار السلطة من (ماذا تعرف؟) إلى (كم شخصاً يراك؟) .
لكن عدد المتابعين ليس دليلاً على عمق الفكرة، والانتشار ليس مرادفاً للتأثير، والتأثير نفسه ليس مرادفاً للتغيير.
وهنا تتقاطع الثقافة مع السوق.
حين تصبح قيمة الفكرة مرتبطة بعدد المشاهدات والمشاركات، يبدأ الكاتب في التفكير فيما يجذب الانتباه قبل أن يفكر فيما يستحق أن يقال.
وتبدأ الخوارزميات في اختيار ما نراه، لا وفقاً لما نحتاج إلى معرفته، وإنما وفقاً لما يجعلنا نبقى وقتاً أطول أمام الشاشة.
وهكذا لا يعود الإنسان مستهلكاً للمحتوى فقط؛ يصبح هو نفسه المنتج الذي يُراد الاحتفاظ بانتباهه.
وهذا ربما يفسر لماذا أصبح الغضب أكثر انتشاراً من التأمل، والاختصار أكثر جاذبية من التفصيل، واليقين أكثر رواجاً من الشك.
الفكرة المعقدة تحتاج إلى وقت، بينما الخوارزمية تحب ما يمكن فهمه في ثوانٍ.
السؤال يحتاج إلى تأمل، بينما المنصة تكافئ الإجابة السريعة.
والكتاب يحتاج إلى قارئ صبور، بينما الشاشة تريد منك أن تنتقل دائماً إلى الشيء التالي.
لكن الثقافة الحقيقية لا تعمل بهذه السرعة.
إنها تحتاج إلى البطء، وإلى الصمت، وإلى أن تترك الفكرة وقتاً كي تتخمر داخلنا.
وربما لهذا لم تعد المشكلة الأساسية في عصرنا هي قلة المعرفة، وإنما كثرة ما يطالبنا بأن نعرفه في وقت لا يمنحنا فرصة لأن نفهمه.
ومن هنا يمكن أن نفهم أيضاً أزمة التعليم.
ماذا يحدث حين تتحول الجامعة من مشروع لصناعة الإنسان إلى طريق للحصول على وظيفة؟
وحين يصبح السؤال الأول للطالب: ماذا سأستفيد من هذه المادة؟ قبل أن يسأل: ماذا ستفعل هذه المادة بطريقة تفكيري؟
المعرفة التي تُختزل في المنفعة تفقد شيئاً من قدرتها على التحرير، لأن الثقافة لا تمنحنا دائماً شيئاً يمكن وضعه في السيرة الذاتية، لكنها قد تمنعنا من أن نصبح أشخاصاً أسوأ.
وهنا تصبح وظيفة الثقافة أكثر تواضعاً وأكثر أهمية في الوقت نفسه.
ليست مهمتها أن تجعلنا أكثر ذكاءً فقط، وإنما أن تجعلنا أكثر إنسانية؛ أن تجعلنا أقل قسوة، وأكثر قدرة على رؤية الآخر، وأكثر استعداداً للاعتراف بخطئنا، وأكثر شجاعة في مواجهة أنفسنا.
قد نقرأ عن العدالة ونظل ظالمين، ونقرأ عن الفقر ولا نرى الفقير، ونتحدث عن التسامح ثم نفقده عند أول اختلاف، ونقرأ تاريخ الحروب ثم نكرر اللغة نفسها التي تقود إليها.
عندها لا يكون السؤال: كم كتاباً قرأنا؟ وإنما: ماذا فعلت الكتب بنا؟
وهنا أظن أن إدوارد سعيد كان يضع يده على جوهر المسألة حين منح المثقف مهمة تتجاوز نقل المعرفة إلى مساءلة السلطة والأفكار السائدة.
فالمثقف ليس الشخص الذي يعرف أكثر من الآخرين فقط، وإنما الذي يستطيع أن يقول إن ما يبدو طبيعياً قد لا يكون طبيعياً، وإن ما يبدو بديهياً قد يحتاج إلى سؤال.
الثقافة التي لا تقلق السلطة، ولا تقلق المجتمع، ولا تقلق الفرد نفسه، قد تكون ثقافة جميلة وممتعة، لكنها فقدت شيئاً من وظيفتها الأساسية.
لذلك ربما يكون السؤال الذي بدأنا به بحاجة إلى أن ينقلب على نفسه: لماذا لم تعد الثقافة تغير أحداً؟
ربما لأنها ما زالت قادرة على التغيير، لكننا أصبحنا أكثر مقاومة له.
نريد من الكتاب أن يمنحنا المعرفة دون أن يطلب منا مراجعة أنفسنا.
نريد من الرواية أن تسلينا دون أن تكشف عيوبنا.
نريد من الفلسفة أن تمنحنا الحكمة دون أن تهدم يقيناً واحداً بنيناه بعناية.
نريد الثقافة أن تكون جميلة، لكننا لا نريدها أن تكون خطرة.
والثقافة الحقيقية خطرة.
إنها تنتزع منك فكرة، أو تهدم يقيناً، أو تجعلك ترى شخصاً كنت تكرهه بطريقة مختلفة، أو تكتشف أن المشكلة التي كنت تراها في الآخرين تسكن جزءاً منك.
ولهذا لا أظن أن معركة الثقافة اليوم مع الجهل وحده؛ إنها مع الوهم بأننا لم نعد جهلة لأننا أصبحنا متصلين بكل شيء.
قد نكون أكثر اتصالاً بالعالم، لكن الاتصال ليس فهماً.
وقد نملك معلومات أكثر، لكن المعلومات ليست معرفة.
وقد نعرف أكثر، لكن المعرفة وحدها ليست وعياً.
وربما يكون الخطر الحقيقي في هذا العصر أن يتحول الإنسان إلى مستهلك دائم للثقافة، من دون أن يسمح للثقافة بأن تستهلك شيئاً من يقينه.
فالثقافة التي نقرأها ثم نعود بعدها الأشخاص أنفسهم، بالأفكار نفسها، والتحيزات نفسها، والخوف نفسه، ليست بالضرورة ثقافة فاشلة؛ ربما نحن الذين لم نقرأها بعد.
لأن الكتاب الحقيقي لا يضيف دائماً شيئاً إلى رف مكتبتك.
أحياناً ينتزع شيئاً من داخلك.
فكرة.
يقيناً.
تعصباً.
خوفاً.
أو حتى صورة قديمة كنت تحملها عن نفسك.
وربما لهذا لا ينبغي أن نسأل في النهاية: أين ذهبت الثقافة؟
السؤال الذي يحتاج منا الي اجابة هو:هل ما زلنا نملك الشجاعة لأن نقرأ شيئاً يمكن أن يغيّرنا؟
عبدالعزيز أبوعاقلة
سبتمبر 2026


