سرديات.. فستان زفاف أزرق اللون

بقلم: الزاكي عبد الحميد أحمد
روائيٌّ سودانيٌّ وأكاديميةٌ أمريكيةٌ مرموقةٌ، بينهما كان للون الأزرق، ظلال معانٍ، ومغازٍ، قلما تخطر على بال!
“سيدي؛ اعطني متراً من هذا القماش الأزرق، فأعطيك في المقابل، عبداً بالمواصفات التي تروق لك!”
هذا نخّاسٌ أوروبيٌّ، يعرض بضاعتَه للراغبين في الشراء من وراء البحار.
في الثامن عشر من يونيو من عام 1953 ظهرت العروس في ليلة زفافها بفستان أزرق اللون، خلافاً لما جرت عليه العادة؛ فتساءل الناس: ما هذا القبح؟ أين فستان الزفاف الأبيض؟
الإجابة على هذا السؤال جاءت في كتاب كان الأكثر مبيعاً في أمريكا، خلال العام الماضي.
في الثامن والعشرين من يناير من العام الماضي (2025) المذيعة الأمريكية الشهيرة تونيا موسلي Tonya Mosley تستضيف في برنامجها الإذاعي المميز، والذي كانت الإذاعة الوطنية العامة National Public Radio (NPR) تبثه، بعنوان الهواء الطلق Fresh Air، واحدةً من أشهر الأكاديميات في أمريكا، اسمها إيماني بيري Imani Perry.
الاستضافة كانت بسبب صدور كتاب، أصدرته هذه الأكاديمية الأمريكية من أصول إفريقية بعنوان:
Black in Blues: How a Colour Tells the Story of My People
أي: رجال سود في لبوس أزرق اللون: كيف أن لوناً، صار لساناً لحال أهلي.
أول سؤال وجهته المذيعة لضيفتها كان: لماذا ظهرت كوريتا بفستان زفاف، أزرق اللون، خلافاً لما جرت عليه العادة، في مثل هذه المناسبات، والتي تظهر فيها العروس، بفستان أبيض؟ والعروس هي كوريتا كينغ، زوجة الزعيم الأمريكي من أصول أفريقية، مارتن لوثر كينغ.
في إجابتها على السؤال، قالت الأكاديمية إيماني بيري، إن كوريتا ظهرت بذلك الفستان الأزرق اللون، لتقول للعالم وبصوت عالٍ، يفهمه فقط القادرون على الغوص في أحشاء المعاني وفكفكة طلاسمها:
اللون الأزرق هو لون الحزن ولون الفرح.. هو اللون الذي حوّله السود من رمز للحزن إلى رمز للفرح!
كيف؟ المذيعة تسأل والأكاديمية تجيب على السؤال في كتابها:
غرفتي جدرانُها مطلية باللون الأزرق.. حولي اللون الأزرق يغمر المكان كله.. أسأل أهلي عن سر هذا اللون الذي لا أحبه، فيقولون، للنيلة indigo سرٌ لن تعرفي عنه شيئاً، حتى تكبرين.. كبرت عاماً بعد عام، والسؤال في ذهني يمور، كمرجل يغلي.. ما السر الذي يجعل النيلة لوناً يقدسه أهلي…
لذلك واصلت البحث..
قبل قرون كان اللون الأزرق الغامق أغلى ثمناً من الذهب.. القماش المصبوغ باللون الأزرق الغامق (المصبوغ بالنيلة) والذي يظل ثابتاً مهما طال الزمن، كان لبس الأثرياء.. أهلي بنو جلدتي لا يُسمح لهم بلبس قماش بهذا اللون، مع أنهم هم منتجوه!.. هذا لونٌ مخصصٌ للأثرياء، أما العبيد (أهلي) فيسمح لهم بلبس قماش مصبوغ بأقل درجة من ظلال نيلة رديئة.. قماش باهت اللون؛ لا هو بالأزرق ولا هو بالرمادي.. هو لون بين بين (هل فهمتم المغزى؟ يعني أن أهلي مُنْبَتّون.. لا أصل لهم!)… لذلك أصبح هذا اللون الباهت القابل للزوال مع مرور الزمن، رمزاً للحزن لديهم.. لا يطيقونه ولكنهم مجبرون على لبسه.
أوروبا جاءت بنبتة النيلة من الهند ومنها وصلت إلى أمريكا.. نجحت زراعتها في الولايات الجنوبية.. ولكن ملاك الأرض والمزارع كانوا بحاجة إلى أيدٍ عاملة تقوم بعمل لا يقوم به الرجل الأبيض! فإلى أفريقيا ساقتهم الحاجة…
تواصل السيدة الأكاديمية الحديث في كتابها:
كان الرجل الأبيض يذهب إلى غرب أفريقيا حيث يعرض شبابها للبيع.. لم يكن يدفع مقابل الشراء مالاً ولا ذهباً، وإنما كان يدفع قماشاً أزرق اللون.. تاجر الرق يريد هذا القماش الغالي الثمن.. لا يريد ذهباً ولا مالاً… يريد قماشاً.. (أعطني متراً من هذا القماش فأعطيك عبداً، بالمواصفات التي تريدها)..
لذلك كانت المعادلة: أوروبا القارة العجوز تطلب قماشاً باللون الأزرق، الذي تعشقه.. وأفريقيا هي سوق العبيد.. وأمريكا تبحث عن عمالة تقوم بزراعة النيلة وإعدادها للصبغ بما فيها النقع والغلي والعفن (عمل شاق ومقرف جداً)..
لذلك حين سُئلت الأكاديمية، مؤلفة الكتاب، عن دلالات اللون الأزرق، لدى الرجل الأسود قالت:
There was something about the universality of blue, how hope and melancholy live in the same colour that became a pathway to thinking about Blackness..
شيء ما، في شمولية اللون الأزرق: كيف أن الأمل والكآبة (المتنافران) يكمنان في نفس اللون، الذي أصبح لاحقاً، مدخلاً للتفكير في ملابسات أن تكون شخصاً ببشرة سوداء..
هذه الجملة هي المفتاح الذي به تدخل دهاليز كتاب هذه السيدة: كيف يبقى الأمل والكآبة في نفس اللون؟ وكيف صار هذا مدخلاً لفهم السواد؟
الأزرق هو اللون الوحيد في العالم الذي يحمل ضدين في نفس الوقت: اسأل أي إنسان في الشارع: ماذا يعني لك اللون الأزرق؟ سيقول لك هو الحزن والكآبة.. وإما قال هو الأمل والاتساع والحرية..
كيف يعقل أن لوناً واحداً يعني الموت ويعني الحياة؟ كيف يعني الحزن والأمل؟
الإنسان الأسود يعيش الضدين في جسد واحد كل يوم: إنه يغني البلوز blues وهو حزين جداً، لكنه يرقص وهو يتغنّى بهذا اللحن الحزين. إنه حزن سرعان ما يتحول إلى فرح أمام عينيك… (البلوز ليس حزناً؛ إنما هو ما تفعله أنت بالحزن حتى لا يأكلك من الداخل.. أي أنك تقتل الحزن بالشدو)..
الرجل الأسود يعيش في أكثر بلد عنصري، لكنه أكثر من يؤمن بالحلم الأمريكي…
الإنسان الأبيض لا يفهم هذا… ثقافته تقول له: إما أن تكون حزيناً أو سعيداً. إما أن تكون ضحية أو بطلاً. اختر واحداً.
أما الإنسان الأسود فيقول: أنا الاثنان معاً. أنا حزين وسعيد، ضحية وبطل، أزرق كئيب وأزرق متفائل في نفس القلب.
لهذا لم تستطع إيماني أن تفهم السواد من خلال الأسود نفسه. الأسود لون واضح: ظلام، نهاية، موت. لكنها عندما نظرت للأزرق، ووجدت لوناً يسكن فيه الحزن والأمل معاً دون أن يتنافرا، دون أن يلغي أحدهما الآخر، فهمت:
السواد ليس لوناً. السواد هو القدرة على استيعاب الضدين.
أن تحمل الكآبة والأمل في نفس الصدر، دون أن تكذب على نفسك، دون أن تختار واحداً فقط. الأزرق علّمها أن التناقضَ ليس ضعفاً. التناقض هو القوة نفسها.
تقول المؤلفة: هذا يشبه تماماً تعريف “السواد” كلون… ما هو الأسود؟ هل هو لون بشرة؟ أم هو ثقافة؟ هل هو تاريخ؟ أم جرح؟ هل هو موسيقى؟
كثيراً ما كان المجتمع الأمريكي الأبيض، يسأل السود سؤالاً غبياً: هل أنتم سعداء باندماجكم أم غاضبون من العنصرية؟ هل أنتم متفائلون بمستقبل أمريكا أم متشائمون؟ هل تعيشون قصة نجاة أم قصة مأساة؟
للإجابة على هذا السؤال أمامك خياران: الأمل أم الكآبة!
المؤلفة إيماني تقول أنا مثل الأزرق. أنا أحمل الاثنين في جسد واحد. عندما أفكر في جدتي التي كانت عبدة، أشعر بكآبة لا تطاق (melancholy). وعندما أفكر أنها علمت أمي القراءة سراً، رغم أن القانون يمنع ذلك، أشعر بأمل لا يعرف نهاية (hope) لأن التعليم هو الضوء الذي يهزم الظلام، والظلام هو الجهل هو الفقر هو المرض.
مشاعر الأمل والحزن لا يلغي أحدهما الآخر، بل هما يسكنان معاً في نفس القلب، تماماً مثلما يكمنان في نفس اللون الأزرق.
فاللون الأزرق (النيلة) علّمها أن التناقضَ ليس عيباً منطقياً يحتاج لحل، بل هو شكل من أشكال الجمال والكمال الإنساني…
النيلة كانت لأجدادي تعني مشقة العمل في زراعتها ونقعها وعطنها فيما سياط الجلاد تلهب ظهورهم.. كدمات غائرات وجروح… فلا يجدون علاجاً لها إلا في النيلة (مصدر شقائهم وفي نفس الوقت ترياق جروحهم).. كانوا يضعون نبتة النيلة قبل غليها على الجروح فتلتئم!..
ولهذا السواد، عندها، ليس نقيض البياض. السواد هو القدرة على احتضان المتناقضات: أن ترقص وتبكي، أن تغني البلوز الحزين وتضحك، أن تنجو وتتذكر الغرق في نفس اللحظة.
هذا ما لم يستطع الفكر الغربي الأبيض، الذي يحب التصنيفات الواضحة، أن يفهمه.
اختتمت المؤلفة حديثها الإذاعي قائلة:
كوريتا يوم زفافها لم ترد أن تلبس الفستان الأبيض ولكنها آثرت عليه الأزرق، لأنه يذكرها بلون السماء التي ودعها أهلي من ثقب السفينة التي اقتلعتهم من جذورهم..
كوريتا كانت فخورة بلون النيلة التي لم ترد أن تغسلها بالأبيض..
كوريتا فضلت لون العبودية (النيلة) التي بها اشترى الرجل الأبيض أسلافَها وحولته إلى لون الفرح في ليلة زفافها. وكذلك فعل مغني البلوز الذي حوّل همهمات أجداده الحزينة (وهم في حقول النيلة محرومون من الكلام) إلى فن غنائي يتمايل كل العالم على أنغامه طرباً..
حزننا بليغ المعنى، سيدتي، لدرجة أنه يمكنك أن ترتديه فستاناً (كما فعلت كوريتا) أو تغنيه وتتمايلين على إيقاعاته (كما فعل مؤسسو فن البلوز من أجدادك)..!
ثم للحديث كان منعرجٌ:
جمال محجوب روائي سوداني (والده من أهلنا المحس ووالدته من ليفربول) يكتب بالإنجليزية ويقيم في هولندا.. صدرت له نحو ثمان روايات كلها عن السودان، الذي قضى فيه جزءاً من حياته، وتلقى فيه تعليمه، حتى المرحلة الثانوية في مدارس كمبوني، قبل التحاقه بوالدته البريطانية ليكمل دراسته الجامعية في بريطانيا، حيث درس الجيولوجيا؛ ونال شهادة الماجستير فيها، ولكنه إلى الأدب كان أميل؛ فنال شهرة واسعة فيه؛ كروائي مسكون بعشق البحث عن الجذور..
الرواية التي وصف فيها مأساة تهجير النوبة جاءت بعنوان: The Nubian Indigo أي النيلة النوبية..
و النيلة، يقول المؤلف، نبات كان يستخدمه الأقدمون في صبغ الثياب، إذ يتحول لون النبتة بعد غليها، إلى اللون الأزرق..
واللون الأزرق كان إلى وقت قريب يرمز إلى الحزن في بلاد النوبة؛ ومنها تسرب المفهوم عبر الحدود شمالاً؛ حيث كثيراً ما نسمع عبارة “جتك نيلة” أي أصابك ما يحزنك!
المياه غمرت الأرض وابتلعت القرى، كذلك النيلة – بصفتها رمزاً للثقافة النوبية – تخضع أيضاً لنوع من “الغمر” الرمزي حتى تتدرج ألوانها.. هذا الروائي الشاب، يستخدم النيلة ليعكس بها كيف أن التراث الثقافي النوبي مهدد بالاندثار بسبب التهجير والشعور بالوطن المفقود.. الرواية تعتبر التهجير بمثابة “صبغ” لهُوِّيَّة الناس.. فكما تتغير الأقمشة في عملية الصبغ بالنيلة فالناس، مثلها، نجدهم يتغيرون تدريجياً؛ بفقدان أرضهم وتراثهم.. ومع ذلك ما انفكوا يسعون لإيجاد طريقة للاحتفاظ بهوياتهم وإعادة تعريفها في المنفى؛ فوجدوا في النيلة رمزاً للبقاء..
وهكذا تأرجحت دلالات النيلة بين الكاتبين:
فعند الأكاديمية الأمريكية إيماني، الأزرق سماء (فضاء). وعند جمال، الأزرق ماء، لكنه ماء يبتلع… النيل عندما أصبح لونه غامق الزرقة في عمق البحيرة، لم يعد نهر حياة، بل أصبح مقبرة، تخفي في أحشائها (حياة كانت).. جمال في روايته يقول كلما شاهدتَ زرقة البحيرة الجميلة، فتذكر أن تحتها بيوت غارقة… (حياة كانت) ما يبدو لك جمالاً بزرقته ما هو إلا جمال خادع.. جمال مجرم.
المرأة النوبية معروفة بثوبها النيلي الداكن.. ثوب مصبوغ بالنيلة… عندما هجّروهم وبنوا لهم بيوتاً من الأسمنت في الصحراء، أول شيء فعلته النساء كان صبغ الجدران بالنيلة، ولبس الثوب الأزرق.
الأزرق هنا لم يعد لون حزن مثل البلوز، بل هو لون ذاكرة. تقول المرأة: أنتم أغرقتم بيتي، لكني سأحمل لون النيلة معي في ثوبي. النيلة هي الوطن المحمول.
مهندسو السد العالي في القاهرة والخرطوم كانوا ينظرون لزرقة المياه من منظار الاستخدامات التي بلوروا فكرتها: توليد الكهرباء والزراعة. أما النوبي فيرى اللون الأزرق كقصة، كجن، كأرواح. جمال محجوب يمزج في الرواية بين الواقعية والحكاية الشعبية – سحرة، رواة، مجانين – لأن النوبي لا يفهم تهجيره بلغة الهندسة، يفهمه بلغة الأسطورة.
فالأزرق عنده هو صراع بين لغتين: أزرق بمنظور الدولة (تقدم، كهرباء، حداثة) مقابل الأزرق بمنظور النوبة (ذاكرة، نيل، أصل).
إيماني بيري تقول: الأزرق هو ما حولنا ألمَه (معاناتنا المرتبطة به؛ زراعة النيلة وقمعها وغليها وعطنها) إلى جمال (الدنيم الذي يلبسه كل العالم، رجالاً ونساء، والبلوز الذي يتمايل كل العالم على أنغامه طرباً (رغم الحزن الذي يعرفه أهله)..
جمال محجوب يقول: الأزرق هو ما أحالوا به جمالنا (حياتنا) إلى ألم (بحيرة ناصر الزرقاء التي غمرت النوبة)…
الأزرق الحقيقي ليس في السماء ولا في البحر من بعيد، الأزرق الحقيقي هو في القماش المصبوغ بالنيلة – وفي حالة جمال محجوب، في ثوب المرأة النوبية المهجّرة، الذي هو الشيء الوحيد الذي نجا من الغرق.



