
لم يعد الخوف في السودان مجرد رصاصة طائشة تعبر النافذة، ولا قذيفة مجهولة المصدر تسقط في فناء الدار. لقد تحول الأمر إلى كابوس أسوأ بكثير مما تخيلناه، بعد أن أكدت التقارير الواردة من واشنطن ما كنا نخشاه ونهمس به في الغرف المغلقة: قيادة الجيش التي يفترض أنها وُجدت لحمايتنا تستخدم السلاح الكيميائي وقنابل الكلور ضد المدنيين والأحياء السكنية.
بالنسبة لنا نحن اغلب المواطنين البسطاء الذين نقف عزلًا في منتصف هذه المحرقة، لم يعد هذا مجرد خبر سياسي عابر، بل هو التوقيع الأخير على شهادة وفاة ما كان يُعرف بـ”الجيش الوطني”.
كنا طوال عقود نردد هتافات الثقة ونصدق روايات الشرف العسكري حتى ذابت تلك الأوهام تحت سماء الموت اليومي.
الجيش الذي اختطفه تجار الحروب والفلول لم يعد يرى في المواطن السوداني سوى عائق يجب إزالته، أو درع بشري أو مجرد رقم في تقارير الخسائر. أن تصل الوقاحة بضباط هذه المؤسسة إلى حد تخزين وتجربة الغازات السامة والأسلحة المحرمة دولياً في مناطق قريبة من بيوتنا فهذا يعني ببساطة أنهم باعوا أرضهم وأهلهم بثمن بخس بلا ضمير ولا رادع أخلاقي أو ديني.
أي شرعية تبقَت لهؤلاء الجنرالات وهم يحطمون بقنابل الكيماوي كل ما تبقى من أمل في العيش بهذا الوطن؟ بأي وجه يقف أحدهم ليحدثنا عن “السيادة الوطنية” وهو يحرق لحوم الأطفال والنساء بغاز الكلور؟ إن التقارير الأمريكية وفرض العقوبات الصارمة لا تكشف سوى جزء ضئيل من حجم الفجيعة التي نعاني منها كل ثانية تحت قصف من يفترض بهم حمايتنا.
لقد سقط القناع تماماً وبات واضحاً أن بقاء هذه المنظومة العسكرية يعني بالضرورة فناء السودان وأهله.
نحن لا نطلب المستحيل؛ نريد فقط أن تتوقف هذه المجزرة الممنهجة، وأن يُحاسب كل من تورط في تلويث هوائنا وأرضنا بهذه السموم. لا نريد تسويات هشة تعيد تدوير القتلة تحت أي مسمى، ولا حوارات فارغة تمنح طوق النجاة لمن أحرقوا البلاد.
إن العدالة الحقيقية والقصاص من جنرالات الكيماوي هما الحد الأدنى لنستطيع أن نرفع أعيننا من جديد ونقول إن لنا وطناً نستحقه.



