
من أخطر ما أصاب السياسة السودانية أن الخصومة السياسية تحولت، في بعض الأحيان، من خلاف حول الأفكار والمصالح إلى استباحة للخصم ونزع لشرعيته. فعندما يوصف الخصم بأنه علماني أو كافر أو خائن أو عميل، يصبح من السهل بعد ذلك تفسير مواقفه وأفعاله باعتبارها جزءاً من مؤامرة.
وهنا تظهر سيكولوجيا نظرية المؤامرة، لا بوصفها مجرد خطأ في التفكير، بل بوصفها نتيجة لأزمة أعمق في المجال العام. فحين يضعف الحوار العقلاني، ويتراجع النقاش القائم على الحجج، تتحول السياسة إلى صراع على احتكار الحقيقة، ويصبح الخصم شخصاً ينبغي إسقاطه لا محاوراً ينبغي فهمه.
فالإنسان بطبيعته يبحث عن تفسير للأحداث المعقدة، خصوصاً في أوقات الخوف والحرب وعدم اليقين. ومن الأسهل نفسياً أن ننسب ما يحدث إلى جهة خفية تدبر كل شيء، بدلاً من مواجهة حقيقة أكثر تعقيداً: أن الأحداث قد تكون نتيجة تداخل مصالح وأخطاء وصراعات وقرارات غير محسوبة، إلى جانب عوامل عشوائية.
لكن الأخطر يحدث عندما تتحول المؤامرة إلى تفسير لا يمكن تكذيبه. فإذا جاء دليل يناقضها، لا تتم مراجعة النظرية، وإنما يُتهم الدليل نفسه بأنه جزء من المؤامرة.
ومن الأمثلة السودانية اللافتة ما حدث حول شائعة موت حميدتي. فقد ظهرت روايات تؤكد موته، ثم ظهر لاحقاً أكثر من تسجيل له. وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى مراجعة الرواية الأولى. لكن الذين تمسكوا بها قالوا إن ظهوره ليس حقيقياً، وإن الصور أو التسجيلات مصنوعة بالذكاء الاصطناعي، بل قيل إنه «روبوت» أو شبيه له.
هنا نرى الفرق بين الشك النقدي والتفكير التآمري.
الشك النقدي يقول:
«لنتحقق من صحة هذا التسجيل.»
أما التفكير التآمري فيقول:
«إذا خالف التسجيل ما أؤمن به، فلا بد أنه مزيف.»
وهذا المنطق يقترب مما سماه أدورنو وأعضاء مدرسة فرانكفورت الشخصية السلطوية: عقل يميل إلى تقسيم العالم إلى معسكرين، ويبحث عن عدو واضح يحمّله مسؤولية الفوضى والقلق. فالتكفير والاتهام بالخيانة لا يقدمان برهاناً، بل يقدمان راحة نفسية؛ إذ يحولان التعقيد السياسي إلى ثنائية بسيطة بين «نحن» و«هم».
وهذا المنطق نفسه يمكن أن نراه في استباحة الخصم السياسي عن طريق التكفير. فإذا أصبح الخصم «كافراً» أو «علمانياً» وقحاطى بالمعنى الاتهامي، فلا تعود هناك حاجة إلى مناقشة حجته؛ فالحكم عليه يسبق الحكم على كلامه.
وهنا يلتقي التكفير مع نظرية المؤامرة في نقطة واحدة: كلاهما يلغي الحاجة إلى فهم الخصم، ويستبدل النقاش معه بتفسير دوافعه مسبقاً.
وفى هذه الحالة فإن كليهما يحول دون ما يسميه هابرماس الفعل التواصلي؛ أي ذلك الفعل الذي يسعى فيه المتحاورون إلى اختبار الحجج والوصول إلى تفاهم مشترك، لا إلى إخضاع الطرف الآخر أو إسكات صوته.
ففي المجال العام الديمقراطي، لا تكون شرعية الرأي نابعة من هوية صاحبه، ولا من انتمائه الديني أو السياسي، بل من قدرته على تقديم حجج قابلة للنقاش. أما حين يصبح المتحدث نفسه هو موضوع الإدانة، فإن الحوار يتحول إلى محاكمة للنيات، وتغيب إمكانية التفاهم العقلاني.
المشكلة، إذن، ليست في أن المؤامرات لا تحدث. فهي تحدث بالفعل، والسياسة مليئة بالمؤامرات الحقيقية. المشكلة هي الانتقال من:
«قد تكون هناك مؤامرة، فلنبحث عن الدليل»
إلى:
«هناك مؤامرة، وكل ما ينفيها جزء منها.»
عند هذه النقطة يصبح الاعتقاد مغلقاً على نفسه ويتحول التفكير إلى ما يمكن تسميته، بلغة أدورنو، عقلاً أداتياً؛ إذ لا يعود العقل وسيلة لفهم الواقع، بل أداة لتبرير موقف سابق والدفاع عن الجماعة. تصبح المعلومات عندئذٍ مواداً للاستخدام السياسي، لا حقائق ينبغي اختبارها.
ولعل هذا أحد أعراض أزمة المجال العام في السودان. فعندما تنهار الثقة في المؤسسات، وينقسم الناس إلى جماعات مغلقة، يصبح لكل جماعة تفسيرها الخاص للواقع، وقد نصل إلى مرحلة لا نختلف فيها حول ما ينبغي أن نفعله فقط، بل نختلف حول ما حدث فعلاً.
وهذه مشكلة خطيرة لأي ديمقراطية.
فالديمقراطية لا تحتاج فقط إلى حرية الانتخابات، وإنما تحتاج أيضاً إلى حد أدنى من الواقع المشترك المعترف به، وإلى القدرة على الاختلاف دون تكفير الخصم أو شيطنته أو تحويله إلى جزء من مؤامرة.
فالخصم السياسي يمكن أن يكون مخطئاً، ويمكن أن يكون محقاً، لكنه لا يصبح بسبب اختلافه معنا كافراً أو خائناً . ولا يجوز أن تتحول هويته إلى بديل عن فحص حجته، كما لا يجوز أن تتحول شكوكنا إلى يقين مغلق يرفض كل دليل مخالف.
وعندما تصبح هزيمة الخصم أهم من معرفة الحقيقة، تصبح السياسة نفسها أسيرة للمؤامرة، ويصبح إنقاذ المجال العام مشروطاً باستعادة الحوار والعقل النقدي والواقع المشترك.



